أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .














المزيد.....

مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 11:21
المحور: الادب والفن
    


في مدن الأسمنت , حيث تزدحم الشوارع وتتباعد البيوت , لا يزال صدى الحكمة البدوية يتردد في المجالس : (( إن جعت فانحر خوالك , وإن ضيمت فاقصد عمامك )) , لكنّ روح العصر ألبست هذا المثل ثوباً جديداً , يوازن بين (( دفء الحضن )) و(( هيبة النظام )) , هذا المثل العربي الشعبي يبرز أهمية العلاقات العائلية ودور الأقارب في تقديم الدعم وقت الشدة , حيث يوجه الإنسان للجوء إلى الخوال (( أهل الأم )) وقت الحاجة المادية أو الجوع لطيبتهم وحنانهم , وإلى العمام (( أهل الأب )) للعزوة والنصرة عند الإهانة أو الظلم لأنهم السند والدم , ومعاني وتفاصيل المثل : (( إن جعت انحر خوالك )) , يُنصح بالتوجه إلى أخوالك , لأنهم يشفقون عليك ويقدمون لك العون والحنان من محبة أختهم (( أمك )) , (( وإن انهنت روح لعمامك )) , يُنصح بالتوجه إلى أعمامك , لأنهم السند والظهر , وإهانتك إهانة لهم , فيدافعون عنك ويستردون حقك , المثل يعكس ثقافة التكافل العائلي التقليدية , وإن كان بعض الناس في العصر الحالي يرون أن هذه الأدوار قد تتغير بناءً على من يقف معك فعلياً.

في الفلسفة المدنية الحديثة , لم يعد (( الجوع )) هو خلوّ المعدة فحسب , بل هو (( الجوع العاطفي )) والحاجة إلى ملاذٍ آمن بعيداً عن صراعات المنافسة , ففي الدور العصري , الخوال هم مرافئ الحنان والاحتواء العاطفي وهم (( المنطقة الآمنة )) , هم الذين يحبونك بلا شروط لأنك تحمل ملامح أختهم , وفي الرؤية المدنية إذا أرهقتك ضغوط الحياة , وذبلت روحك من جفاء الماديات , فاهرب إلى (( أخوالك )) حيث تجد القبول الذي يرمم انكسارك , فهم يطعمون (( قلبك )) قبل (( بطنك )) , اما العمام , فهم حائط الصد والهوية الاجتماعية , وان (( الإهانة )) في العصر الحديث , قد تحولت من نزاع قبلي إلى تحديات اجتماعية , مهنية , وقانونية , وفي الدور العصري , الأعمام هم (( الدرع )) ويمثلون الامتداد الطبيعي لاسمك ومكانتك في المجتمع , وفي الرؤية المدنية إذا واجهت تحدياً يمسّ كرامتك أو هويتك , فستجد في (( أعمامك )) سنداً يمنحك الثقة , ليس بالضرورة بالسيف , بل بالوقوف صفاً واحداً ككتلة اجتماعية وازنة , فكرامتك من كرامة (( العزوة )) التي تحمل اسمها.

اذا اردنا الموازنة بين (( الأصل )) و(( المدنية )) , نتبع العبارة الساخرة التي تقول : (( إذا جعت روح للمطعم , وإذا انهنت روح للشرطة )) هذه العبارة رغم واقعيتها الفجة , تمثل (( النظام )) الذي يحمي الجميع , لكنها تفتقر إلى (( الروح )) , ولتطويرها بلمسة عصرية ناضجة , يمكننا قول التالي : (( المطعم يشبع بطنك , لكن الخوال يشبعون روحك , والشرطة تسترد حقك , لكن العمام يستردون هيبتك )) , إن الدولة المدنية تعطينا (( الحقوق )) لكن العائلة تعطينا (( المعنى )) , والرؤية العصرية لا تلغي دور (( الخال والعم )) , بل تضعهما في إطارهما الصحيح كصمام أمان عاطفي واجتماعي في عالم أصبح يسير بالخوارزميات , فكن مدنياً في تعاملك مع القانون , لكن ابقَ (( بدوي الروح )) في وفائك لمن هم من دمك.

في جدلية الاحتياج بين المؤسسة والعائلة , وفي معترك الحياة الحديثة , تتداخل المسارات لتلبية احتياجات الإنسان , فبينما توفر المؤسسات والوظائف والبنوك الكفاية المادية التي تشبع البطن وتؤمن المسكن , يظل (( الخال )) هو ذلك الملاذ الذي يمنحك العطاء بكرامة وحب لا تشوبه مصلحة , ليطعم روحك قبل جسدك , وفي حين يسترد القانون والقضاء وأجهزة الشرطة حقوقك المسلوبة بقوة النظام , يبقى (( العم )) هو ذلك الظهر الذي يستند إليه وجدانك , فيحميك من الشعور بالوحدة أو الاستضعاف الاجتماعي , ويسترد لك هيبتك المعنوية التي لا تصاغ في محاضر رسمية , وحتى في أوقات الشدة النفسية , فرغم أهمية الأخصائي والطبيب في ترتيب الأفكار , تظل الأم وأهلها هم الملاذ الفطري الذي يمنح السكينة دون الحاجة لتفسير أو تبرير.

الإضافة العصرية او مثلث الاستقرار الجديد , لأنه إلى جانب (( الخوال )) للحنان و(( العمام )) للعزوة , يبرز في العصر المدني ضلع ثالث لا يقل أهمية , وهو (( عائلة الاختيار الأصدقاء المقربون والشريك )) , ودور الصديق والشريك فإذا كان الخال والعم هما (( قدرك الجميل )) فإن الصديق والشريك هما (( خيارك الحر )) , والفلسفة: هنا إذا كانت الأزمات القانونية والمادية لها قنواتها , فإن (( أزمات الفهم )) وغربة الفكر لا ينهيها إلا صديق صدوق أو شريك حياة يقرأ صمتك , هؤلاء هم (( خوال وعمام )) الروح في الغربة , وهم السند في المدن التي قد لا يسكن فيها أقاربنا , هم الذين تذهب إليهم حين تحتاج لمن يسمعك دون أحكام مسبقة , ويشاركونك بناء (( مستقبلك )) كما شاركك الأهل بناء (( جذورك )) .

لابد من تطوير هذه المقولة البدوية برؤية عصرية مدنية تتطلب الحفاظ على (( جوهر )) الوفاء العائلي مع تطعيمه بلغة العصر التي تؤمن بالمؤسسات والذات , دون إغفال تلك اللمسة الوجدانية التي تربطنا بجذورنا , أن الرؤية العصرية , تعتبرالأهل هم الجذور , والمدنية هي الفروع , ولا تستقيم الشجرة إلا بهما معاً , النظام يحميك , الأهل يثبتونك , والأصدقاء يرافقونك , لتعيش حياة مدنية متزنة لا تجوع فيها الروح ولا يُهان فيها القلب.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...
- مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الألي ...
- مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في ...
- مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .
- مقامة الغياب : تراتيل الصمت والتحمل .
- مقامة رومانسية الوفاء : قراءة في نص (( سيروي الزمان )) لساجد ...
- مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُربا ...
- مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق ب ...
- مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .
- مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ ا ...
- مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟
- المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين ال ...


المزيد.....




- من قال لا لفيلم -نعم-؟ انسحاب ناداف لابيد من مهرجان مرسيليا ...
- في مالمو / السويد تقيم معرض للفنان التشكيلي هادي الصكر
- -بعيون شابة-.. بغداد تحتفي بأفلام توثق قصص الأهوار والتغير ا ...
- كوثر بن هنية: السينما سياسة والغرب يستهلك مآسي الجنوب
- الملكة صوفيا تصنع التاريخ أمام ليون الرابع عشر باستعادة امتي ...
- تضارب في الروايات الإسرائيلية عقب عملية تسلل واشتباك على الح ...
- -دليل جرائم القتل من فتاة صالحة- 2.. موسم أكثر نضجا يعيد اكت ...
- -ليلة عسل-.. مصطفى غريب يقدم أولى بطولاته المسرحية في السعود ...
- موعد انطلاق عروض الفيلم الكوميدي الرومانسي -الكراش-
- نيللي كريم تبدأ تصوير دورها في فيلم -الفيل الأزرق 3-


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .