أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.















المزيد.....

مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 12:03
المحور: الادب والفن
    


ماجعل هذا الصباح جميلا , انني سمعت في بدايته فيروز تصدح بأغنية تقول مفرداتها : (( انت وانا عم يسالونا كيف؟ منضل شو بيحلالنا نغنى , مابيلتقى مرات عنا رغيف ومنعيش بأطيب من الجنه )) , وتلك كانت من الأغنية المعروفة بـ (( موال إنت وأنا )) أو (( مابيلتقى مرات )) , والتي تعد من أيقونات الغناء الفيروزي - الرحباني التي تصوّر الرضا , الحب القنوع , والقدرة على خلق السعادة من العدم , وهي جزء من مشهد مسرحيّة (( المحطّة )) , وتأتي ضمن حوار رقيق بين فيروز وزوجها - في المشهد - يختصر فلسفة عيش بسيطة وعميقة في آن واحد , وتتمحور هذه الرؤية التي تناولت الأغنية حول فكرة أن (( الحب )) هو القوت الحقيقي , وليس الرغيف المادي , لقد كان صوت فيروز وما زال , بلسماً يداوي جراحات الروح , وقوةً ناعمة تستنهض فينا الأمل حتى في أحلك الظروف , إن جمال هذه المعاني لا يكتمل إلا برؤية أديب يدرك قيمة (( الكلمة )) ووزن (( النغم )) في تاريخنا الوجداني.

أنا أعشق التفاصيل الصغيرة في هذه المسرحية حيث تركز الكلمات على مشاهد يومية بسيطة مثل (( عم تمرقي ع حفة الشباك , هالتاركو صبح ومسا مفتوح )) , مما يبرز حالة من الأمان العاطفي التي تغني عن الحاجات المادية , والتحدي العاطفي للظروف عندما تصوّر الأغنية قدرة الشريكين على الغناء والاستمتاع بالحياة رغم (( أن الرغيف لا يلتقي )) كناية عن الفقر أو قلة الحيلة , مما يجعلها رمزاً للأمل والصبر , وهي تعكس جزءاً من الروح اللبنانية التي تحب الحياة رغم الأزمات , والتي تعبّر الكلمات فيهاعن الحب النقي الذي لا تكسره ظروف الحياة القاسية .

ذكرت بعض التحليلات أن هذه الأغنية وما تحمله من كلمات وموال كانت تحمل شجناً عميقاً يعكس فترات من الحزن الشخصي , وقد وصفت بأنها (( أغنية أبكت فيروز )) , كما انها تذكّر العراقيين بحالات حصار أو ظروف عسيرة (( مثل فترات الحصار في التسعينات )) حيث كان الرضا والحب هو السلاح الوحيد , وحيث كانت الأسطوانة تدور في البيوت المتعبة فتمسح عن الجدران غبار القلق , وتزرع في الزوايا المعتمة ضوءاً لا ينطفئ , لقد تحول (( الرغيف )) في حنجرة فيروز من مادةٍ تُؤكل , إلى قصيدةٍ تُرتل , فصارت البحّة في صوتها هي الملاذ الأخير لكل من ضاقت به الأرض , وكأنها تقول: (( إن جاع الجسد , فليشبع الروح بالجمال )) .

فلسفة الفقر النبيل : إن القوة الكامنة في هذا الموال تكمن في أنسنة العوز , فهو لا يمجد الفقر لذاته , بل يمجد الأنفة والتعالي عليه بالحب , في مسرحية (( المحطة )) , حيث ينتظر الجميع قطاراً قد لا يأتي , تصبح الأغنية هي المحطة الحقيقية , والوطن البديل الذي يسكنه الحبيبان , إنها دعوة للتحرر من عبودية (( الأشياء )) والالتفات إلى (( الأشخاص )) , فما نفع الرغيف الوفير إذا كان القلب قفراً ؟ وما ضرّنا ضيق الحال إذا كان (( الشباك )) مفتوحاً على وسعه لمرور طيف الحبيب؟

ذلك هو صدى الروح بين بيروت وبغداد , ولا عجب أن يجد العراقي في هذا الموال مرآةً لانكساراته وانتصاراته الصغيرة , ففي سنوات الحصار العجاف , كانت فيروز هي (( المؤونة )) التي لا تنفد , كان العراقيون يقتسمون كسرة الخبز اليابسة على وقع صوتها , فيتحول اليابس في أيديهم – بفضل سحر النغم – إلى (( أطيب من الجنة )) , إنها وحدة المعاناة العربية التي صاغها الرحابنة بذكاء , فجعلوا من الخصوصية اللبنانية لغةً عالمية تتحدث بلسان كل من آمن بأن الكرامة العاطفية هي الرصيد الأبقى.

إنه صوتٌ يبني بيوتاً , (( أنت وأنا )) ليست مجرد وصلة غنائية , بل هي (( بيان عسكري )) ضد القنوط , هي تذكير دائم بأن السعادة ليست (( حالة مادية )) نصل إليها , بل هي (( قرار داخلي )) نتخذه حين نقرر أن نغني والجيوب فارغة , فيروز هنا لا تغني للحب الرومانسي الحالم فحسب , بل تغني للحب (( المقاوم )) الذي يبني من (( اللا شيء )) صرحاً من الطمأنينة , ويجعل من حفة الشباك حدوداً لمملكة لا تغيب عنها الشمس.

في لاهوت القناعة , وحين يصير الصوت رغيفاً , فإن الوقوف عند عتبة (( ما بيلتقى مرات عنا رغيف )) ليس وقوفاً على أطلال الفقر , بل هو إعلان استقلال عاطفي, فيروز في هذا الموال لا تشكو , بل هي (( تعتز )) بالقلة , لأنها القلة التي كشفت جوهر الشريك , إنها فلسفة (( الرحابنة )) التي تؤمن بأن الأشياء المادية هي (( ديكور )) زائل للمسرحية , أما النص الحقيقي فهو نحن , حين تغني فيروز هذه الكلمات , تنقلب الموازين الفيزيائية , فيصبح البيت الصغير المتواضع , الذي يفتقر لأدنى مقومات الرفاهية , هو (( الجنة )) الحقيقية , بينما تتحول القصور الخالية من المودة إلى سجون باردة.

لماذا أبكت سيكولوجيا الشجن تلك فيروز؟ يُقال إن فيروز بكت عند تسجيل هذا العمل أو غنائه , ولعل البكاء هنا ليس ضعفاً , بل هو شفافية الروح , إن الشجن في (( أنت وأنا )) ينبع من تلك المنطقة الرمادية بين (( الوجع والرضا )) , هي تبكي لأنها تدرك أن الحب في عالمنا مهدد دائماً بالظروف , وأن البقاء (( طيبين )) في زمن القسوة هو جهادٌ يومي , هذا الشحن العاطفي هو ما يجعل الأغنية تخترق الدروع النفسية للمستمع , فنحن لا نسمع صوتاً يغني , بل نسمع (( تنهيدةً )) موسيقية صاغها (( عاصي )) ببراعة , لتكون صرخة مكتومة في وجه المادة التي استعبدت البشر.

لو قسنا على الحالة العراقية نموذجاً , تبرز فيروز كجسرٍ بين الأوطان , فحين نربط هذه الأغنية بظروف (( الحصار )) في العراق , فنحن نتحدث عن علاقة تضاد عبقرية , في الوقت الذي كان فيه الرغيف مطلباً عسيراً , كان صوت فيروز يقدم (( وجبة ذهنية )) من الكرامة , في بيوت بغداد والموصل والبصرة , كان (( موال أنت وأنا )) يُرمم ما هدمته السياسة , لقد أدرك الإنسان العربي , والعراقي تحديداً , أن (( الحرمان )) قد يطال الخبز والكهرباء والماء , لكنه أبداً لا يطال (( الخيال )) و(( القدرة على الحلم )) , فيروز كانت شريكة في تلك البيوت , كانت هي (( الجارة )) التي تطمئن الجميع بأن الجمال لا يحتاج إلى ثروة , بل إلى عينٍ تبصر وقلبٍ يحب.

هذه هي بلاغة (( حفة الشباك )) , والأمان في التفاصيل , حين تتجلى عبقرية الكلمة في اختيار (( الشباك المفتوح صبح ومسا )) , الشباك هنا رمزٌ للانتظار , للانفتاح على الأمل , وللشفافية , هو ليس جداراً عازلاً , بل هو صلة وصل , الأمان العاطفي الذي يتجسد في (( عمرة تمرقي ع حفة الشباك )) يعكس أن الثبات في العلاقة هو ما يمنح الحياة معناها , إنها دعوة للعودة إلى الأصل الإنساني , حيث تكون السعادة في مراقبة طيف الحبيب , وفي الأحاديث البسيطة التي لا تكلف شيئاً , لكنها تساوي كل شيء.

فيروز , دستور المستضعفين : لقد تجاوزت هذه الأغنية كونها جزءاً من مسرحية (( المحطة )) لتصبح دستوراً لكل المستضعفين في الأرض , إنها الأغنية التي تُغنى في الغرف الضيقة لتوسعها , وفي الليالي الباردة لتدفئها , هي تذكيرٌ أزلي بأن (( الجنة )) ليست مكاناً نذهب إليه بعد الموت , بل هي (( حالة )) نصنعها بأيدينا حين نقرر أن نكتفي ببعضنا , ونغني للحب بالرغم من كل شيء , ولأجل كل شيء , وفيروز لم تغنِّ للفقراء لكي تواسيهم , بل غنت لهم لكي تُخبرهم أنهم (( الأغنياء )) الحقيقيون طالما أن قلوبهم لا تزال قادرة على عزف لحن الوفاء.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...
- مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الألي ...
- مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في ...
- مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .
- مقامة الغياب : تراتيل الصمت والتحمل .
- مقامة رومانسية الوفاء : قراءة في نص (( سيروي الزمان )) لساجد ...
- مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُربا ...
- مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق ب ...
- مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .
- مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ ا ...
- مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟
- المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين ال ...
- مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .


المزيد.....




- هل راح المغني!؟
- تغريد النجار: كيف نحكي للطفل عن دمية ضاعت عام 1948 وحروب في ...
- الشاعر الفلسطيني محمود مفلح: الصهاينة دمروا قريتي بالنكبة ول ...
- مأزق التمثيل الفلسطيني والمصير الوطني
- سوريا.. الشرع يستقبل الفنان السوري جمال سليمان في قصر الشعب ...
- من الأجمل في افتتاح مهرجان كان السينمائي 2026؟ إطلالات نجمات ...
- أميريغو فسبوتشي: لماذا تحمل أميركا اسم بحار إيطالي؟
- عبور مؤجل إلى ما خلف العدسة.. عبد الله مكسور يكتب يومه في ال ...
- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.