أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَالخَيْلِ الأَصِيلَة.














المزيد.....

المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَالخَيْلِ الأَصِيلَة.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 10:03
المحور: الادب والفن
    


هناك مثل انجليزي يقول : (( قد تلسع الذبابة حصاناً اصيلاً , لكنها تبقى ذبابه والحصان يبقى أصيلا )) , يُعد هذا المثل الإنجليزي من بدائع الحِكم التي تلخص فلسفة (( الجوهر مقابل المظهر )) أو (( الثابت مقابل العارض )) , وهو إنصاف للقيم المتأصلة في مواجهة الإزعاجات العابرة , اذ يضعنا المثل أمام معادلة طرفاها غير متكافئين في القيمة , لكنهما يشتبكان في لحظة زمنية معينة , فالحصان الأصيل يرمز للقيم الثابتة , النجاح , الشرف , أو الشخصية القوية التي لها تاريخ وأثر , اما الذبابة فهي ترمز للصغائر , أو الأشخاص الذين يحاولون النيل من الكبار عبر النقد الجارح , أو المكائد الصغيرة , أو مجرد (( التشويش )) , اما اللسعة فهي الفعل المستفز , ورغم أنها مؤلمة لحظياً وقد تسبب اضطراباً في حركة الحصان , إلا أنها لا تملك القدرة على تغيير (( حمضه النووي )) أو مكانته , أي ان فعل (اللسع) لا يغير الهوية , والذبابة بفعلها هذا لم تصبح صقراً , والحصان بألمه لم يصبح كائناً وضيعاً.

ومن الزاوية النفسية , فإن هذا الصراع يكشف عن ((عقدة النقص )) التي تحرك الصغارتجاه العظماء , فالذبابة لا تلسع الحصان رغبةً في القتال , فهي تدرك تمام الإدراك فوارق الحجم والقدرة , وإنما تفعل ذلك لتستمد (( وجودها )) من جِلد الكبار , إنها محاولة يائسة لكسر هيبة النبل , وتحويل الانتباه من بهاء العدو والجمال الأصيل إلى وجع اللسعة وضجيج الطنين , وفي المقابل , يمثل ذيل الحصان في حركته العفوية أبلغ ردٍ فلسفي , إذ يطرد الإزعاج دون أن يغير اتجاه بصره , ودون أن يمنح (( اللا شيء )) شرف المعركة.

وفي الاستشهاد من التراث العربي , فأن العرب بفروسيتهم واعتزازهم بالأصالة , طرقوا هذا المعنى كثيراً , سواء في الشعر أو الأمثال السائرة , وحول الصمود أمام السفهاء يقول الإمام الشافعي في بيته الشهير الذي يعكس ذات المفهوم : (( يُخاطِبُني السَفيهُ بِكُلِّ قُبحٍ فَأَكرَهُ أَن أَكونَ لَهُ مُجيبا يَزيدُ سَفاهَةً فَأَزيدُ حِلماً كَعودٍ زادَهُ الإِحراقُ طيبا )) , وهنا شبّه الأصالة بالبخور , فكما أن النار (( اللسعة )) تحرق العود , إلا أنها لا تخرجه عن أصله بل تزيد من ظهور جودته , وهناك المثل السائر: (( القافلة تسير والكلاب تنبح )) , هنا التركيزعلى أن الضجيج الخارجي لا يعيق المسار الأصيل ولا يغير من قيمة الوجهة , ثم المتنبي وعزة النفس , وهو شاعر الأنا العالية , كثيراً ما ترفع عن (( لسعات" الحساد )) حيث يقول : (( وَإِذا أَتَتْكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ فَهِيَ الشَّهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ )) , وهذا البيت يذهب أبعد من المثل الإنجليزي , فهو يرى أن (( لسعة الذبابة )) ليست مجرد فعل عارض , بل هي دليل وبرهان على (( أصالة الحصان )) .

ولو تتبعنا مسيرة الفكر الإنساني , لوجدنا أن كل صاحب رسالة وكل مصلحٍ قد تعرض لهذه (( اللسعات )) فالتاريخ يخبرنا أن الغوغاء والشانئين يرحلون كما يرحل الذباب بانتهاء الموسم , بينما تبقى الأفكار العظيمة كخيول جامحة تعبر العصور , إن (( الأصالة )) هنا ليست مجرد صفة وراثية , بل هي (( صمود أخلاقي )) , فالحصان الذي ترهبه ذبابة ليس حصاناً كاملاً , والأصالة الحقيقية تكمن في القدرة على استيعاب الألم العارض وتحويله إلى وقود للاستمرار , لا سبباً للتوقف والالتفات.

في واقعنا المعاصر , يمكن إسقاط هذا المثل على (( ضريبة النجاح )) , الحصان الأصيل لا يطارد الذبابة ليثبت لها أنه حصان , بل يكتفي بنفضها بحركة سريعة ويستمر في عدوه , والشخص الناجح لا يستهلك طاقته في الرد على كل منتقِد صغير , ويقر المثل حتمية الصراع بأن اللسع سيحدث لا محالة , والوجود في القمة (( كالحصان )) يجعلك هدفاً سهلاً لمن هم في القاع (( كالذباب )) , وأحياناً تعتقد (( الذبابة )) أنها بلسعها للحصان قد أصبحت شريكة له في الأهمية , لكن الحقيقة هي أنها تبقى مجرد طفيلي يعيش على إزعاج العظماء.

يدعو هذا المثل لعدم الالتفات للصغائر , فإذا كنت تمتلك (( الأصالة )) في فكرك أو عملك أو أخلاقك , فلا تترك (( لسعة )) ناقد حاقد أو ظروف عابرة تهز ثقتك بنفسك , وتذكر دائماً أن الألم قد يكون حقيقياً , لكنه لا يغير من جودتك شيئاً , وكما قيل في الأثر: (( لا يضر السحاب نباح الكلاب )) , ويبقى الحصان حصاناً ولو كثرت حوله الذباب.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...
- مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الألي ...
- مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في ...
- مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .
- مقامة الغياب : تراتيل الصمت والتحمل .
- مقامة رومانسية الوفاء : قراءة في نص (( سيروي الزمان )) لساجد ...
- مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُربا ...
- مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق ب ...
- مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .
- مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ ا ...
- مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟
- المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين ال ...
- مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .
- مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .
- مقامة شذرات الرهبنة .
- مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟


المزيد.....




- قراتشاي-تشيركيسيا تُخطط لإنشاء متاحف لثقافة وتاريخ شعوبها
- طقوس الليل السرية.. ألعاب استحضار الأرواح بين أطفال الاتحاد ...
- مونديال 2026.. مزيج الكرة والموسيقى برعاية الفيفا
- رحيل عبد العزيز مخيون.. عاشق الموسيقى الذي تنقل بين طه السما ...
- كاظم الساهر: نمت في المقاهي والحدائق لأحقق هذا النجاحوعملت م ...
- فيلم الرعب -هوس- يطيح بـ-فهرنهايت 11/9? ويصبح الصفقة الأعلى ...
- نتنياهو يوجه رسالة مترجمة للعربية إلى الشعب اللبناني (فيديو) ...
- فضحية جنسية مدوية في هوليوود.. فنان شهير يواجه اتهامات بالاع ...
- كاظم الساهر يتصدر الحديث بعد مقابلة وصفها الجمهور بأنها -وثي ...
- سلب فلسطين.. كيف نظّم القانون الإسرائيلي تجريد شعب من أملاكه ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَالخَيْلِ الأَصِيلَة.