أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .














المزيد.....

مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 19:46
المحور: الادب والفن
    


بَينا نحنُ في مجلسٍ يجمعُ أهلَ الأدب , ويضمُّ شتاتَ الذكرى من حلبٍ إلى بغداد , استعدنا ذكرى من طَبعَ الحزنَ في حنجرةٍ من حرير , وسَكبَ في المواويلِ سيلاً من جمرٍ مستدير , إنه الفتى الذي مَنحتهُ (( الناصرية )) حُلماً , فصارَ الحزينَ الذي يتعلّمُ منهُ الغناءُ الغناءَ , وحين تذكرنا رحلتهُ من (( كرخِ بغداد )) وهو يحملُ شجنهُ الغضّ , ويدخلُ مدناً لا وجودَ لها باحثاً عن غائبةٍ لم تعد تستجيبُ إذا دعاها , صحنا هاتفين بوجع : (( الله الله عليك , سنقرأُ لا بعيوننا بل بقلوبنا التي لديك )) .

يفيض الشاعر حميد سعيد من الشجن العراقي والصور الشعرية التي رسمها في حضرة صوت (( داخل حسن )) , وما رافقها من أصداء نقدية ومحبّة , القصيدة تمثل (( إنصافاً شعرياً )) من قامة أدبية كبيرة لرمز من رموز الفن الفطري العراقي , وحميد سعيد هنا لم يكتب (( عن )) داخل حسن , بل كتب (( بصوت )) داخل حسن , مستحضراً معه بيئة كاملة (( الضفاف , الخيام , الحانات , والمجالس )) ليثبت أن الإبداع الحقيقي هو الذي يظل (( يصحبنا في الليالي )) مهما تقادم الزمن .

يبدأ حميد سعيد بمفارقة حسية مذهلة (( حرير ضد جمر )) , الحرير يمثل الليونة والعذوبة في صوت داخل حسن , بينما الجمر يمثل الاحتراق الداخلي والوجع الذي يخرج مع كل (( موال )) , القصيدة لا تصف صوتاً مجرداً , بل تصف حالة (( تطهير )) بالماء والضحك والآهات , انها حنجرة الحرير وجمر المواويل , وفي ثنائية (( الناصرية / الغربة )) , تظهر الناصرية كـ (( مانحة الأحلام )) ومصدر الشجن الأول , اذ ينتقل الشاعر بصوت داخل حسن من بيئته الأولى إلى (( كرخ بغداد )) ثم (( حلب )) , ليؤكد أن هذا الحزن العراقي عابر للحدود , لكنه دائماً ما يعود إلى المنبع (( الناصرية )) ليستعيد الشاعر صباه من خلال استعادة صوت المطرب.

ان التحليل الهاديء لهذه القصيدة وما رافقها من تعليقات , يكشف عن تلاحم فريد بين ركيزتين من ركائز الوجدان العراقي, حميد سعيد في بنيته السردية وصوره الحديثة , وداخل حسن بصوته الذي يمثل هوية الأرض والحزن النبيل , ذلك هو فن أنسنة الحزن , ففي أجمل صور القصيدة , نجد أن (( الحزن )) ليس مجرد شعور , بل هو (( تلميذ )) يتعلم من داخل حسن كيف يغني , هذه الصورة تقلب الموازين , فبدلاً من أن يغني المطرب لأنه حزين , أصبح الحزن نفسه يقتبس جماله ورقته من حنجرة داخل حسن.

يقول د. محسن الموسوي : (( لخص ابو بيدرشمولية صوت داخل حسن , فهو صوت يصلح لكل مراحل العمر , يرافق الإنسان في قمة حيويته (( الصبا )) وفي انكساراته (( الفقدان الممض )) , والحقيقة أن القصيدة ليست مجرد (( كتابة وجدانية )) , بل هي (( قصيدة سردية )) تحكي قصة حياة , وقصة جيل , وقصة وطن من خلال حنجرة , فلله درّك يا أبا بادية , لقد عُدت بنا إلى ثيمة السردية الجديدة , الشجية المميزة , فدُمتَ ألقاً , ويا لرقّة هذا السرد وجمال الصور وشفافيتها , لقد تسللتَ إلى روحِ داخل حسن وأجوائهِ ببراعةٍ لا تضاهيها بصيرة , إنه لضربٌ من المستحيل أن يرتقي شاعرٌ بجمال لوحتهِ لحنجرة داخل حسن كما فعلت , فقد رسمتَ الوجعَ , والغربة , والعشق , وسؤدد الصوت الساحر في معلّقةٍ محلّقة , لقد صدق القائل : (( عندما يكتبُ حميد سعيد عن داخل حسن , أي نكهةٍ تكون للقصيدة ؟ وأي وجعٍ يفيضُ به الغناء؟ )) .

صباح الزهيري .
--------------------------------------------------------------------------
قصيدة حميد سعيد (أبا بادية ) .
بينَ حنجرةٍ من حريرٍ وسيلٍ من الجمرِ يجمعُها في المواويلِ.. حتى إذا حاولَ الحزنُ أن يتسلّلَ في غَفلَةٍ من تعثّرِ ألحانه في ظلام لياليهِ علّمهُ كيف يبدو كما كانَ.. مُذْ كانت الناصريةُ تمنحهُ حُلُماً.. أن يكون الحزينَ الذي يتعلّم منه الغناءُ.. الغناءَ.
ينفتِحُ النهرُ لحظةَ أدركَ إن الفتى سيعيد الذي ضاعَ منهُ وتغدو الضفافُ مَلاذاً.. ويغتسلُ الماءُ بالضحك المتصابي وبالدفء والرغبات.. بآهاتهِ.. وبما خَبّأ الليلُ في الحَلَماتِ.
وظلَّ يُغني لغائبةٍ سيمرُّ به حينَ يغفو شَذاها ويصحو على أنها لم تعد تستجيبُ إذا ما دعاها.. يُرافقه الشجنُ الغضُّ أنّى يكونُ ويُدخله مدناً لا وجود لها.. ويقول: عسى أنْ أراها!
وفي الخيمةِ الغجريةِ ذات حرائقَ أطفأها بالغناءِ.. رأى امرأةً.. وتَخيّلها مَنْ أحبَّ مِن قبلُ حتى إذا اقتربتْ منهُ.. فارقَها وجَفاها.
. . . . . .
كانَ يصطحبُ الحزنَ حيث يكونُ ويحكي لمن معهُ عن زمانٍ تفتّحَ فيه وردُ صباه.. فَغنّى لِمَنْ شاركتهُ الجموحَ الجميلَ وظلّ اسمُها حاضراً في لياليهِ.. من كرخ بغداد حتى حلبْ.. في ليالي الطربْ يذكرون حكاياته في المواويلِ.. كانَ يقولُ عَمَّنْ تعلّقها في صباه وما زالَ: "أنتِ المُنى والطَّلَبْ".
. . . . . .
وعادَ إلى الناصرية شيخاً.. ويوم استعاد الذي كانَ مما مضى.. أدركتهُ حكاياته واستعادَ صِباهْ كأن الذي كانَ.. كلُّ الذي كانَ.. عادَ إلى سهرة الأمسِ بعدَ غيابٍ طويلْ في حديثٍ جميلْ.. تذكّرَ من كان يفتتح الشجوَ.. وهو التعلّمَ منهُ الغناءْ.
. . . . . .
التقينا.. وكانَ يحاولُ أن يتذكّرَ مَن رحلوا.. ويُعيدُ عليَّ ما كانَ حدَّثني عنهُ.. من صبوات الصبا وافتتان النساءْ. مضى زمنٌ وافترقنا.. وفارَقَنا.. واغتربتُ.. وما زلتُ ألقاهُ في ما يُغنّي وما قال.. واعتدتُ أن أتذكّره في مجالسنا وأحدِّثُ عنه محبّيهْ.. كان وما زالَ يصحبُنا في الليالي.. ونصحبُهُ في تجلّي مواويلهِ.. وبهاء الغناءْ.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الغياب : تراتيل الصمت والتحمل .
- مقامة رومانسية الوفاء : قراءة في نص (( سيروي الزمان )) لساجد ...
- مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُربا ...
- مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق ب ...
- مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .
- مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ ا ...
- مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟
- المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين ال ...
- مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .
- مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .
- مقامة شذرات الرهبنة .
- مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟
- مقامة قاموس الأرادة و فلسفة الحرف .
- مقامة مناغاة الحزن العراقي : بين حرف ساجدة وأنين الزهيري .
- مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين م ...
- مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.
- مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح ...
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .
- مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( ...


المزيد.....




- من -ماتروسكين- إلى -تشيبوراشكا-.. شخصيات روسية شهيرة تعود إل ...
- الأمومة في مرآة الأدب المعاصر: صراع الهوية والبحث عن الذات ب ...
- قناة RT تقدّم مشروعها -شعر الشتاء الروسي- في كبرى مخيمات الأ ...
- الكويت تسقط الجنسية عن أكثر من ألفي شخص بينهم أكاديميون وفنا ...
- وفاة الممثلة التركية إيجه إرتيم بعد احتفالها بعيد ميلادها
- وفاة الفنان السوري أسامة السيد يوسف
- -بنوبة قلبية-..وفاة الممثلة التركية إيجه إيرتم عن عمر 35 عام ...
- الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الثاني.. انعطافة ترومان
- مهرجان روتردام للفيلم العربي يختتم دورته الـ26 بتتويج أبرز ا ...
- إنجاز مصري أبهر الإمارات.. ومحمد بن راشد يكشف تفاصيله


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .