أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال كرادي.















المزيد.....

مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال كرادي.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 10:54
المحور: الادب والفن
    


أختنا المهاجرة نضال كرادي , نشرت على صفحتها قول جلال الدين الرومي : (( هل للحب رائحة ؟ نعم هو ذاك العبق الذي وجده سيدنا يعقوب في قميص يوسف فارتد إليه بصره )) , استوقفتني هذه الالتفاتة التي تنمُّ عن تطواف الأخت بين ذوائق الصوفية , فأجادت الانتقاء , وبرعَت في عرض الأقوال والحِكم , ما جعلَ النص يكون رفيقاً لي في تنقّلات مخيلتي , وأنا جذل بملازمتِه , فهو أقتباس عميق وراق يمزج بين صوفية الرومي وعمق النص القرآني , ويعبر عن فلسفة الرائحة عند الرومي , والرائحة عند الصوفية رمز عميق يربط بين المحسوس والمعنوي , حيث تمثل الروائح الطيبة (( كالمسك والعود )) تجليات أنوار الحضرة الإلهية وجمال المحبوب , وتُستخدم لتهيئة القلوب للذكر والوصول الروحي , وهي ليست مجرد عطر مادي , بل (( رائحة الوصول )) التي يشمها العارفون بقلوبهم قبل أنوفهم , تشبه بداية الحب بشم رائحة المسك.

ولا يقتصر هذا الاحتفاء بالرائحة على المتصوفة فحسب , بل نجد جذوره ضاربة في عمق الأدب الجاهلي , حيث يربط النابغة الذبياني بين طيب الريح وطيب الشمائل , وكأن الأخلاق لها عطر يفوح: (( كأنَّ مشْمومَها رَيْحانُ فانيةٍ أوْ صَوْبُ غاديةٍ , في جَوْفِها رَهَمُ )) , ويصف الشريف الرضي , وهو من أرقّ من كتب عن الوجد كيف يأتيه طيف الأحبة مع (( النسيم )) الصبا: (( أَهُمّ بِشَمِّ رِيحِكُمُ رُوَيداً كَأَنِّي أَستَرِقُّ مِنَ النَسيمِ )) وهنا يظهر (( النسيم )) كحامل للأمانات الروحية , تماماً كما في مقامة الرومي.

لا ينظرجلال الدين الرومي إلى (( الحب )) كعاطفة مجردة , بل ككيان حي له (( أثر )) مادي وروحي , والرائحة في أدبيات الرومي هي (( بريد المعنى )) وهي خيط رفيع يربط بين المحب والمحبوب دون الحاجة لوساطة الكلمات , وفي قوله هذا , يربط الرومي بين الحاسة (( الشم )) واليقين (( الإيمان )) , فبينما كانت القافلة لا تزال بعيدة , كان يعقوب عليه السلام يشم ريح يوسف , الرائحة هنا هي (( تجلي الحقيقة )) قبل وصولها جسدياً , وتلك هي بلاغة الرابط بين (( الرائحة )) و(( البصر)) , حيث يلمس الاقتباس مفارقة كونية مذهلة , أن الرائحة كانت سبباً في استرداد البصر , فالرائحة هي الأمل , وكانت بمثابة الدليل الروحي الذي مهد لعودة النور للعين , اما الحب كشفاء ,حين يرى الرومي أن الحب (( المتمثل في ريح يوسف )) هو (( ترياق )) لعمى الفراق , فالحب الذي أذهب البصر حزناً , هو نفسه الذي أعاده شوقاً ويقيناً.

هكذا جرت عادة الصوفية على استخدام العطور والبخور, وخاصة العود والمسك , كأدوات مادية تساعد في تذكر الآخرة , تفتح القلب , وتُعبر عن تجليات المحبوب وتوق النفس نحو الله , ولأقابل مانشرته أختنا المهاجرة , أقتبس من كتاب - وتلك الأيام - لأدهم شرقاوي حيث يقول : (( تعالي نختلق حديثاً صباحياً عن أي شيء , حتى لو كان عن أن القهوة مرة وحديثك سكر )) , لترد عليه إليف شفق : (( يقال أنّ القهوة مثل الحب , كلما صبرت عليها أكثر , ازداد طعمها حلاوة , فكن كما تشاء , ولكن حذاري أن تكون وجعا لأحد , كن كفنجان قهوة , دافء لاينبعث منه إلا رائحة طيبة ونكهة مزهرة )) .

تروض أختنا نفسها بلغة أهل الرباط , وهذه اعظم استنارة اعطيت للمتصوفة في ترديد اورادهم , وهم الذين وعوا ذلك , وأصبحوا يعيدون ذاتهم منذ الصبا , بترديد بيت الحبوبي : (( يانازل الرمل من نجد احبكموا , وان هجرتم ففيما هجركم فيما ؟ )) , هذه هي آرجوحة اللغة , حين تنزل بك تجعل اقدامك تخطان في الارض , وحين تصعد بك تجعل اياديك تخطان في السماء , وشعراء الشرق القديم هم اكثر من يهيئون لرائحة حلاوة المحبوب , وكانوا يصبون الخمر في لغتهم لا في جرارهم , و(( دائما هذا شأني , أحب البيوت التي في جدرانها الكثير من العمر )) , كما قال عبد الرزاق الجبران .

وعلى ذكر جلال الدين الرومي , فقد سُئل يومًا عن معنى السمّ , فأجاب : (( السمّ ليس في زجاجة ولا في طعام , بل في كلّ ما يتجاوز حاجتنا , قد يتجلّى في قوّةٍ تُطغينا , أو ثروةٍ تُغرقنا , أو جوعٍ لا يهدأ , أو طمعٍ لا يعرف حدًّا , قد يختبئ في حبٍّ يُستعبدنا , أو غرورٍ يُعمينا , أو طموحٍ يلتهمنا , أو كراهيةٍ تحرقنا , أو كسلٍ يخدر أرواحنا , فالسمّ هو كل فائضٍ يفسد توازننا , مهما بدا جميلًا أو مرغوبًا )) , ثم ردد البيت التالي : ((لا تُشرق الروحُ إلا من دُجى ألمٍ هل تُزهر الأرضُ إلّا إنْ بكى المطرُ )) , وكما أن الفائض سمّ , فإن الاعتدال عطرٌ يزكي الروح , ولا عطر أزكى من ألمٍ يُثمر إشراقاً .

ولو بحثنا عن استشهادات من التراث العربي والصوفي , فلطالما كانت (( الرائحة )) في تراثنا هي لغة العارفين والمحبين , وللتوسع في فكرة الرومي , نجد أصداءها في مواضع عدة , فمن التراث الصوفي يقول محيي الدين بن عربي في (( فصوص الحكم )) ما يعزز فكرة الرومي , حيث يرى أن الرائحة هي ألطف أنواع الوصال , لأنها تنتقل مع (( النفس الرحماني )) , فكما أن الله وجد ريح يوسف في قميصه , فإن العارف يجد ريح الحق في كل ذرة من ذرات الوجود , ومن الشعر العذري ((مجنون ليلى )) , يقول قيس بن الملوح , مؤكداً أن الرائحة هي الموجه والبوصلة : (( وإني لأستنشقُ الريحَ إن أتت من نحوِكمُ كَيما أرى هَل بها رَدُّ؟ فلو كانَ يُهدي الريحُ رِيحاً لغيرِكم لَقُلتُ لَهذي الريحِ : هاتي لَنا بَعدُ)) , فهو هنا يجعل الريح (( ساعي بريد )) يحمل بصمة المحبوب , تماماً كما حمل القميص (( بصمة يوسف )) ليعقوب , من البلاغة القرآنية , في قوله تعالى: (( إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ )) , نجد أن التراث التفسيري يتوقف عند (( الوجد )) -لأجد-الوجد هنا ليس شماً عادياً بالأنف فحسب , بل هو (( استقبال بالروح )) لشيء لا يدركه الآخرون (( السيارة/القافلة )) .

الخلاصة , الحب عند الرومي ليس عاطفة مجردة , بل هو بريد المعنى , وخيط رفيع يربط بين المحب والمحبوب دون وساطة الكلمات , في قوله هذا , يربط الرومي بين حاسة الشم واليقين , فبينما كانت القافلة بعيدة , كان يعقوب يشم ريح يوسف , والرائحة هنا هي تجلي الحقيقة قبل تجسدها , ان ما نقلته الأخت نضال كرادي عن الرومي هو اختزال لمفهوم (( الوفاء للذاكرة العطرية )) , الحب ليس مجرد شعور , بل هو ((عبق )) لا يزول بمرور الزمن ولا ببعد المسافات , هو القوة التي تستطيع ترميم الحواس المحطمة , فتعيد الأمل للقلب , والضياء للعين , إنها دعوة لأن نستنشق الجمال في تفاصيل من نحب , فربما كان في (( رائحة )) ذكراهم شفاءٌ لما نكابده من عناء الغربة أو الفراق.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...
- مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الألي ...
- مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في ...
- مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .
- مقامة الغياب : تراتيل الصمت والتحمل .
- مقامة رومانسية الوفاء : قراءة في نص (( سيروي الزمان )) لساجد ...
- مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُربا ...
- مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق ب ...
- مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .
- مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ ا ...
- مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟
- المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين ال ...
- مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .
- مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .
- مقامة شذرات الرهبنة .
- مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟
- مقامة قاموس الأرادة و فلسفة الحرف .
- مقامة مناغاة الحزن العراقي : بين حرف ساجدة وأنين الزهيري .


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال كرادي.