أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الأليف .














المزيد.....

مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الأليف .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 13:11
المحور: الادب والفن
    


مرض الشيخ الدرويش , فكتب : (( الجرح المفتوح يُشبه كثيراً شفاه تبتسم )) , تعبير يحمل عمقاً فلسفياً وجمالياً مؤلماً في آن واحد , إنه يربط بين الألم الفيزيائي النفسي وبين التعبير الإنساني عن الفرح , مما يخلق مفارقة تستحق التأمل , وفي تحليل العبارة , وتفكيك دلالاتها , نجد فيها مشابهة الشكلية , فمن الناحية البصرية , هناك تشابه بين انحناءة الجرح المفتوح وانحناءة الشفتين عند الابتسام , لكن هذا التشابه الشكلي يخفي تضاداً جوهرياً في المضمون , ثم هناك سخرية الألم ,حيث توحي العبارة بأن المعاناة قد تصل إلى مرحلة من (( الجمال القاسي )) , حيث يصبح الجرح هو الطريقة الوحيدة التي يعبّر بها الجسد أو الروح عن وجوده , تماماً كما تعبر الابتسامة عن الحضور, لنأتي الى فلسفة إخفاء الحقيقة, عندما نبتسم أحياناً لنخفي جروحنا , فتصبح الابتسامة هي (( الجرح )) الذي نُظهره للعالم بينما ينزف الداخل.

في لغة الصور والمجاز , تتقاطع الأضداد لتخلق معانيَ لم نكن لندركها بالحواس المجردة , لعلّ من أغرب هذه الصور وأكثرها إثارة للشجن هي تلك التي تشبّه (( الجرح المفتوح )) بـ (( شفاه تبتسم )) , إنها صورة تضعنا أمام تساؤل عميق : هل يمكن للألم أن يتخذ شكل الفرح ؟ وهل الابتسامة دائماً دليل على السعادة ؟ فحين ننظر إلى الجرح كـ (( شفاه تبتسم )) , فنحن أمام قراءة سريالية للوجع , الجرح في جوهره هو (( انفتاح )) للداخل على الخارج , هو خروج عما هو مستور ومخفي , وكذلك الابتسامة , هي انفتاح الروح على العالم , لكن الفرق يكمن في النزيف , فبينما تنزف الابتسامة ضوءاً وألفة , ينزف الجرح وجعاً وذكراً.

هذا التشبيه يأخذنا إلى فلسفة )) الصمود المر )) , فالإنسان في ذروة انكساره قد يرتدي ابتسامة تشبه الجرح تماماً , واسعة , عميقة , ومفروضة بقوة الواقع , هناك من يبتسم ليس لأنه سعيد , بل لأن أوجاعه وصلت لمرحلة من الاتساع لم يعد يجد معها سبيلاً سوى السخرية من القدر , في هذه الحالة , تصبح الابتسامة هي الندبة التي تخبر العالم أن هنا (( معركة )) حدثت , وهنا (( روح )) قاومت , علاوة على ذلك , يذكرنا هذا القول بأن الحقيقة ليست دائماً كما تبدو , فالعين العابرة قد ترى (( ابتسامة )) , لكن الروح البصيرة تدرك أنه (( جرح )) , إنها دعوة للرفق بالآخرين , فخلف كل ثغرٍ مفترّ عن بسمة , قد يكمن وجع لا يندمل , اختار صاحبه أن يجمّله بشكل الابتسام لكي لا يثقل كاهل الآخرين بمرارة نزيفه.

هذا التعبير خلاصة كتابة وجدانية تليق بهذا العمر وبوقاره , وحين يمر على قلوب خبيرة بالحياة مثل قلوبكم , يتحول من مجرد صورة أدبية إلى مرآة تعكس تجاعيد الروح والجسد بوفاء , في منتصف السبعينيات , تصبح الجروح قديمة , والابتسامات أعمق , ويختلط العزاء بالوجع حتى لا يكادان يفترقان , إن تشبيه الجرح بالابتسامة ليس مجرد تلاعب بالألفاظ , بل هو اعتراف بقدسية الألم الإنساني , إنها الصورة التي تجعلنا ندرك أن المعاناة ليست قبحاً دائماً , بل قد تكون باباً للعمق والنضج , وكما قال الشاعر قديماً : (( لا تحسبوا رقصي بينكم طرباً فالطير يرقص مذبوحاً من الألم )) , هكذا هي بعض الابتسامات , مجرد جروح مفتوحة قررت أن تواجه العالم بجمالٍ كاذب .

عندما نصل إلى هذا العمر , وما بين جرحٍ قديم وبسمةٍ باقية , ندرك أن أجسادنا وأرواحنا ليست سوى سجلات حافلة بالمعارك الصامتة , وحين يقال إن (( الجرح المفتوح يشبه شفاه تبتسم )) , فنحن لا نقرأ نصاً شعرياً , بل نقرأ حكايتنا , حيث في السبعين , يصبح للجرح مفهوم آخر, إنه ليس ذلك الألم الحاد الذي يصرخ , بل هو ذاك (( الانفتاح )) الرقيق على الذكريات , والجرح المفتوح فينا هو الفقد الذي لم يندمل , هو الشوق لأحبّة رحلوا , وهو الحنين لأيامٍ خلت , هذا الجرح يظل مفتوحاً , لا ليؤلمنا , بل ليبقى (( ثغراً )) نطل منه على ماضينا , إنه يشبه الابتسامة لأنه صار جزءاً من ملامحنا , صار صديقاً نأنس به في وحدتنا , ونبتسم له كلما مرّ طيف ذكرى قديمة.

الابتسامة كـ (( ندبة )) جميلة, خلف كل ابتسامة نرسمها اليوم لبعضنا البعض , هناك تاريخ طويل من التجاوز , نحن نبتسم لأننا تعلمنا كيف نروّض جروحنا , أحياناً نبتسم لنطمئن من حولنا , وأحياناً نبتسم لأن الوجع بحد ذاته صار (( مألوفاً )) لدرجة أننا لم نعد نخشاه , الابتسامة هنا هي (( الجرح )) الذي تجمّل بالصبر , هي الانحناءة التي ترفض الانكسار , تماماً كما ترفض الشفاه أن تبقى منقبضة أمام جمال الحياة رغم كل شيء , فما أجمل أن يجد الإنسان في هذا الخريف من حياته من يفهم معنى (( جرحه المبتسم )) شخصاً لا يسأله (( لماذا تتألم؟ )) بل يبتسم له بحنان قائلاً (( أنا أعرف هذا الوجع , وأراه في ابتسامتك )) , إن الجرح الذي يشبه الابتسامة هو أرقى أنواع الصدق , لأنه يقول للعالم (( لقد تألمنا كثيراً , ولكننا لا نزال نملك القدرة على الانفتاح والحب )) .

إن حياتنا يا شيخي وياصديقي , ليست سوى مجموعة من هذه (( الابتسامات الجريحة )) نحن لا نغلق جروحنا بالنسيان , بل نفتحها بالحب لتتحول إلى ثغورٍ باسمة , فكل جرح ترك فينا أثراً , هو في الحقيقة وسامٌ على صدورنا , يخبرنا أننا عشنا , وشعرنا , وأحببنا , وبقينا رغم كل شيء، مبتسمين.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في ...
- مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .
- مقامة الغياب : تراتيل الصمت والتحمل .
- مقامة رومانسية الوفاء : قراءة في نص (( سيروي الزمان )) لساجد ...
- مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُربا ...
- مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق ب ...
- مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .
- مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ ا ...
- مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟
- المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين ال ...
- مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .
- مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .
- مقامة شذرات الرهبنة .
- مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟
- مقامة قاموس الأرادة و فلسفة الحرف .
- مقامة مناغاة الحزن العراقي : بين حرف ساجدة وأنين الزهيري .
- مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين م ...
- مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.
- مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح ...
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الأليف .