أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في الستين )) .















المزيد.....

مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في الستين )) .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 12:00
المحور: الادب والفن
    


مقامة خريف العمر أم ربيع الروح؟ : تأملات في نص (( امرأة في الستين )) .

طلبت الدكتورة ناديا حماد من متابعيها قراءة نص بعنوان (( مقادير امرأة في الستين )) , والحقيقة انه ليس مجرد قصيدة أو بوح عابر , بل هو (( مانيفستو )) وجداني يمثل مرحلة النضج الإنساني في أبهى صورها , واذا بدأنا بالعنوان ودلالته فهو كيمياء لا وصفة , حيث تبدأ الكاتبة بذكاء في نفي صفة (( الوصفة )) عن نصها , فكلمة (( مقادير )) توحي للوهلة الأولى بنصائح معلبة أو خطوات عملية , لكنها سرعان ما تنقلنا إلى (( كيمياء الحياة )) , والفرق هنا جوهري , فالوصفة تكرار , أما الكيمياء فهي تفاعل فريد لا يتكرر بنفس النتائج , والستين هنا ليس رقماً زمنياً , بل هو ((عتبة )) نضج تقاس بما (( نجا )) من العواصف وما (( ازدهر )) في القحط.

اعتمدت قصيدة الدكتورة في تحويل الألم إلى أدوات على استعارات مستمدة من المطبخ والحياة اليومية (( قبضة , ملعقة , رشة , حفنة )) , لكنها مشحونة بمعانٍ فلسفية عميقة , كالصبر الناضج , وهو في الستين ليس (( انتظاراً )) سلبياً , بل هو (( مفتاح )) للأبواب , إنه صبر العارف لا صبر العاجز , ثم هناك ربط الدكتورة ناديا الحكمة بالندوب لا بالكتب , وهذا انحياز للمعرفة التجريبية , وفي (( إمساك العالم دون أن ينكسر )) صورة بلاغية مذهلة تعكس التوازن بين القوة والرقة , وعندما تقول : (( وجوه لم تعد تهمّ )) , تعبر عن (( الذاكرة الانتقائية)) وهي ذروة التصالح مع الذات في الستين , حين يمتلك الإنسان شجاعة التخلي عن الفضول المرهق والتعلق العبثي.

تسفر الدكتورة عن فلسفة وجودية - من الاحتياج إلى الاستغناء - وتحول جذري في الوعي الأنثوي والإنساني , فالقلب الخفيف , حيث تأتي الخفة من (( السقوط )) سقوط الأقنعة , سقوط التوقعات , وسقوط الأحمال الزائدة , هذه الخفة هي التي تجعل القلب (( أصلب من جدار )) , وهي مفارقة جميلة بين الرقة والمتانة , وهناك تلك الروح المختارةالتي (( لا تتوسل , بل تختار )) , وهنا نفي لصفة الضعف التاريخي المرتبط بتقدم السن , وتأكيد على سيادة الإرادة.

ثم تبرزالأنوثة العابرة للزمن , عندما تختم الدكتورة ناديا بنظرة متجددة للأنوثة , فهي ليست ملامح وجه أو نضارة بشرة , بل هي (( طريقة لمس الكون )) , الأنوثة هنا قوة ناعمة قادرة على جعل العالم (( ينضج ويلين )) , إنها أنوثة العطاء الواعي والاحتواء الحكيم.
في هذا النص , تنقل الدكتورة ناديا (( الستين )) من كونها مرحلة بيولوجية تتسم بالتراجع , إلى مرحلة صورية حافلة بالدلالات , فهي لا تعترف بالزمن كخط مستقيم يؤدي إلى النهاية , بل كدائرة (( ازدهار )) , فمن خلال ثنائية (( النجاة/الازدهار )) واستهلال النص بهذه الثنائية يمنح المرأة صفة (( المحارب المنتصر )) , حيث النجاة توحي بالصراع مع الأزمات , والازدهار يوحي بالقدرة على العطاء رغم الجراح .

تتوقف الكاتبة عند (( ملعقتين من الحكمة )) , وهنا تكمن عبقرية التعبير , فالحكمة ليست تنظيراً بل هي (( أثر )) لندوب , وهذه الندوب هي التي علمتها (( كيف تمسك العالم دون أن ينكسر )) ,هذه العبارة هي ذروة النص , فهي تشير إلى وصول المرأة لمرحلة من (( الضبط الوجداني )) , حيث تخلت عن الاندفاع الذي قد يكسر الأشياء , وعن الخوف الذي قد يجعلها تفلتها , فصارت تمسك الحياة برفق العارف , وتلك هي فلسفة (( الندوب )) وإعادة تعريف القوة .

نأتي الى سيكولوجية التخلي (( الخفة والصلابة )) , أذ في الستين , وبحسب نص الدكتورة , يحدث تحول في (( وزن )) المشاعر, وسقوط الأثقال(( خفّ لأن ما أثقله سقط )) , هنا إشارة إلى التحرر من التوقعات الاجتماعية , ومن إرضاء الآخرين , ومن صراعات الماضي , والحاجة الى الصلابة الجدارية , والمفارقة بين (( الخفة )) و(( الصلابة )) - أصلب من جدار- تعني أن هذا القلب لم يعد قابلاً للخدش بسهولة , لقد صُقل بالتجارب حتى صار عصياً على الانكسار.

وعن استعادة المركزية (( الإرادة والصناعة )) , ينتقل النص من وصف الحالة إلى فرض السيادة , والقرار(( لا تتوسل , بل تختار )) , هذه نقلة نوعية من صورة المرأة التي (( تنتظر )) التقدير , إلى المرأة التي (( تمنح )) القيمة لذاتها , وصناعة الضوء (( لا تبحثان عن الضوء , بل تصنعانه )) , هنا تحول من (( المفعول به )) إلى (( الفاعل )) , المرأة في هذه المرحلة هي المصدر , هي الشمس التي تضيء عالمها الخاص ولا تنتظر شعاعاً من الخارج .

تختم الدكتورة ناديا بنظرة صوفية تقريباً للأنوثة كفعل كوني , فالأنوثة هنا ليست (( مظهراً )) يشيخ , بل هي (( لمسة )) , هي القدرة على تطويع القسوة في هذا الكون وجعلها (( تلين )) هذا الدور (( الأمومي/الكوني )) هو الذي يمنح الستين قداستها , حيث يتحول الكيان الأنثوي إلى مرفأ للحكمة والسكينة.

النص مكتوب بلغة مكثفة وسلسة , تبتعد عن التعقيد اللفظي لتركز على العمق الشعوري , وما يلفت النظر هو كتابته في الغربة (( ألمانيا )) , أن الغربة أحياناً تجعلنا نرى ذواتنا بوضوح أكثر بعيداً عن ضجيج التوقعات الاجتماعية في أوطاننا , مما قد يفسر هذه النبرة التأملية الهادئة التي تبحث عن الجوهر بعيداً عن ضجيج التفاصيل , لقد قدمت الدكتورة صورة للمرأة التي لم تكسرها السنون , بل صقلتها لتصبح (( صانعة ضوء )) لا مجرد باحثة عنه , في نص يبعث على التصالح مع فكرة التقدم في العمر , ويحول (( الخيبات )) إلى جسور للعبور نحو (( حياة هادئة )) , انه (( قصيدة معرفية )) تصالحنا مع فكرة الزمن , هي لم تكتب عن الشيخوخة , بل كتبت عن (( اكتمال القمر )) , واستخدمت مفردات يومية بسيطة لتبني هيكلاً فلسفياً عميقاً يذكرنا بكتابات كبار الأدباء الذين رأوا في خريف العمر ربيعاً ثانياً أكثر هدوءاً وعمقاً.

صباح الزهيري .

--------------------------------------------------------------------------------

مقادير امرأة في الستين

هي ليست وصفة
بل كيمياء حياة
لامرأة وصلت إلى عمرٍ
لا يُقاس بالسنوات
بل بما نجا منها وما ازدهر
رغم كل الصعوبات ...

أكتبها لكَ
لتتلوها همساً :

* قبضةُ صبرٍ نضجتْ على نارٍ هادئة،
صبرٌ لم يعد ينتظر شيئا لكنه يعرف
كيف يَفتح الأبواب ...

* ملعقتان من الحكمة
تلك التي لا تأتي من الكتب، بل من الندوب التي تُعلّمها كيف تُمسك العالم دون أن ينكسر ..

* رشّةُ جرأة
جرأة امرأة لم تعد تخاف أن تقول “لا”،
ولا تتردّد حين تقول “نعم”.

* حفنةُ ذاكرة
فيها وجوه رحلت ، ووجوه بقيت ،
ووجوهٌ لم تعد تهمّ.

* قلبٌ خفيف
خفَّ لأن ما أثقلَه سقط،
وما بقيَ منه صار أصلب من جدار ....

* روحٌ تعرف قيمتها وجدواها
لاتتوسل .. بل تختار

* عينان تعرفان الطريق
لا تبحثان عن الضوء …
بل تصنعانه.

* نَفَسٌ طويل
يكفي لعبور الخيبات ،
ويكفي لبدء حياة هادئة.

* أنوثة لاتشيخ
تظهر في الطريقة التي ألمس بها الكون
وأجعله ينضج و.... يلين

------------
د.ناديا حماد
28/4/2026
-المانيا-






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .
- مقامة الغياب : تراتيل الصمت والتحمل .
- مقامة رومانسية الوفاء : قراءة في نص (( سيروي الزمان )) لساجد ...
- مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُربا ...
- مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق ب ...
- مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .
- مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ ا ...
- مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟
- المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين ال ...
- مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .
- مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .
- مقامة شذرات الرهبنة .
- مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟
- مقامة قاموس الأرادة و فلسفة الحرف .
- مقامة مناغاة الحزن العراقي : بين حرف ساجدة وأنين الزهيري .
- مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين م ...
- مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.
- مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح ...
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .


المزيد.....




- وفد من المثقفين والمؤسسات الدينية والشخصيات السياسية والثقاف ...
- الحكم على الممثلة الفرنسية إيزابيل أدجاني بالسجن وغرامة مالي ...
- علاقة مثلية بين طالبة وعميدة جامعة متزوجة تتحول إلى مسرحية أ ...
- الاستقالة.. ثقافة لا هزيمة
- بيرو.. دليل على فشل الإسبان في محو ثقافة الأندلس
- قبل عرض فيلم -شمشون ودليلة-.. مي عمر تبارك لزملائها رغم المن ...
- سوريا.. تأجيل حفل الفنان الأردني الأخرس في دمشق حدادا على ضح ...
- -صقر وكناريا-.. فيلم يكسب بالكوميديا قبل الإثارة
- مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة.. خريطة التمثيل وقائمة الم ...
- تضاعف مبيعات ملحمة -الأوديسة- لهوميروس عالميا بالتزامن مع قر ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في الستين )) .