أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى .















المزيد.....

مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 11:13
المحور: الادب والفن
    


أستفتح المندلاوي الجميل هذا الصباح بالنشر المقتضب التالي : (( وانها لقسمة ضيزى , أَتَى الزَّمَانَ بَنُوهُ فِي شَبِيبَتِهِ , فَسَرَّهُمْ وَأَتَيْنَاهُ عَلَى الهَرَمِ )) , لقد استوقفني بعمق اختيارشيخنا الثمانيني لهذين الشاهدين , فالمتنبي في بيته لم يشكُ من ضيق الرزق بقدر ما شكى من (( ضيق الحظ )) وتأخر الأوان , وهي الغصة التي يحملها كل مثقف عراقي يرى تاريخ بلاده العظيم يقابله واقع (( هرم )) ومستنزف , أما استعارته لـ (( القسمة الضيزى )) فهي أدق وصف لواقع يرى فيه المواطن ثروات بلاده تتبدد يميناً وشمالاً , بينما لا يناله منها إلا (( العوج )) في الخدمات والفرص.

هذا البيت الشهير هو لأبي الطيب المتنبي , ويعد من عيون الشعر العربي في وصف خيبة الأمل من الزمن وتقلب أحوال الدهر, ومعناه : يقول المتنبي إن الناس الذين عاشوا في الماضي (( السابقين )) جاؤوا إلى الدنيا وهي في أوج قوتها ونضارتها (( شبيبتها )) , فأعطتهم الدنيا كل ما يتمنون وسرتهم , أما هو وجيله , فقد جاؤوا إلى الدنيا بعد أن كبرت وهرمت , فأصابهم الهم والغم , فكأنهم أتوا إلى وليمة بعد أن انتهت ولم يجدوا سوى بقاياها , والمفارقة, حين يعقد المتنبي مقارنة بين (( شبيبة الزمان )) - الحظ الموفق للسابقين - و(( هرم الزمان )) - سوء الحظ وتعب الجيل الحالي - أما البلاغة فحيث يُعبر البيت عن شعور الشاعر بأن حظه جاء متأخراً , حين أدرك الزمان وقد خرفت قواه ولم يعد يجود كما كان , وفي مناسبة البيت قيل إن المتنبي قال هذه الأبيات في مصر عندما شعر بضيق الحظ وتأخر تحقيق آماله , كما ذكرت بعض المصادر أنها أبيات يصف فيها حاله وحال زمانه , متضمناً شكوى من تقلبات الدهر .

(( قسمة ضيزى )) عبارة وردت في سورة النجم (آية 22) وتعني قسمة ظالمة , جائرة , أو مائلة عن الحق , تصف الآية تناقض مشركي قريش الذين نسبوا لله البنات (( اللات والعزى )) وهم يكرهونهن - وآثروا أنفسهم بالذكور , والكلمة مشتقة من (( ضاز )) بمعنى ظلم أو جار , وتُجمع على (( ضِيزَيَات )) أو (( ضِيزَى )) بكسر الضاد أو ضمها أبرز تفاصيل "قسمة ضيزى , في السياق القرآني: (( أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ , تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ )) , وفي المعنى اللغوي , هي فعلى (( مثل طوبى )) , وتعني عوجاء , ناقصة , أو غير مستوية , وسبب الاستخدام هو وصف القرآن الكريم قسمة قريش بأنها جائرة لأنهم جعلوا لله ما يكرهون لأنفسهم , وفضّلوا أنفسهم بما يرضون , اما وجه البلاغة فقد ذكر المفسرون أن استخدام (( ضيزى )) هنا يناسب الفاصلة القرآنية (( نهايات الآيات )) في سورة النجم التي تنتهي بالألف المقصورة , وقد قرأ ابن كثير (( ضئزى )) بالهمز , بينما قرأ الجمهور بغير همز.

إن الربط الذكي لدكتورنا المندلاوي بين بيت المتنبي (( أتى الزمان بنوه في شبيبته )) وبين التعبير القرآني (( قسمة ضيزى )) يفتح الباب لقراءة عميقة ومريرة لواقع العراق المعاصر , حيث يجد العراقي نفسه اليوم يتساءل : هل جئنا فعلًا على (( هرم الزمان ؟ )) وهل كُتب علينا أن نعيش هذه (( القسمة الضيزى )) في وطنٍ يملك كل شيء , لكن أبناءه لا يملكون فيه إلا (( الفضلات؟ )) اننا نحن جيل (( هرم الزمان )) في العراق , والمتنبي كان يتحدث عن زمانه , لكن العراقي اليوم يشعر وكأنه المعنيُّ الأول بهذا البيت , فعراق (( الشبيبة )) يتذكر الأجداد والآباء (( رغم كل الصعوبات )) عراقاً كان (( شاباً )) في مؤسساته , في تعليمه , في ريادته للمنطقة , وفي استقراره المجتمعي الذي كان يمنح الفرد شعوراً بالهوية والانتماء , عكس عراق (( الهرم )) حين جاء الجيل الحالي ليجد (( الزمان العراقي )) قد هرم وشاخ , ليس بفعل السنين , بل بفعل الحروب والحصار والفساد , وجد الشاب العراقي نفسه كمن وصل إلى مأدبة بعد أن انتهت , فلم يجد إلا (( الصحون الفارغة )) والديون المتراكمة , وبنية تحتية متهالكة , ونظاماً سياسياً واجتماعياً يئن تحت وطأة الشيخوخة والتخريف.

لو تطلعنا لواقع (( القسمة الضيزى )) في العراق الحالي , واستذكرنا إذا كان مشركو قريش قد جعلوا لله ما يكرهون ولأنفسهم ما يحبون , فإن الواقع العراقي اليوم يعيد إنتاج هذه (( القسمة الجائرة )) في عدة صور , وأذا نظرنا الىقسمة الثروة , فالعراق بلد عائم على بحور من النفط والخيرات , ومع ذلك نجد (( قسمة ضيزى )) في توزيع هذه الثروات , فئة قليلة - النخبة السياسية ومن يدور في فلكها - تستأثر بالذكور من الحظوظ (( المناصب , العقارات , المليارات )) , وتترك للشعب (( الإناث )) - بالمعنى الرمزي للضعف والقلة - من الخدمات المتردية , والبطالة , والفقر , وعن قسمة التضحية والاستحقاق , نجد المواطن البسيط هو من يقدم (( دمه )) في الحروب والانتفاضات والأزمات , ولكن عند توزيع (( الغنائم )) والمكاسب , تذهب لغيره , وتلك لعمري هي (( القسمة الضيزى )) بعينها , أن يكون المغرم على جيل , والمغنم لجيل أو فئة أخرى , وهناك قسمة الحقوق والواجبات , المواطن مطالب بكل الواجبات - دفع الجباية , الالتزام بالقانون , الولاء للدولة - لكنه حين يطالب بأبسط حقوقه - كهرباء , ماء , تعليم , كرامة - يُعامل كأنه يطلب المستحيل.

نأتي الى المفارقة بين (( شبيبة الزمان )) و (( عوج القسمة )) , ان المفارقة المؤلمة في العراق أن (( الزمان )) فيه لم يهرم طبيعياً , بل (( أُهرم )) قسراً , العراقي اليوم يشعر بالغربة في وطنه لسببين , فوات الأوانب شعور جيل الشباب أن قطار التنمية والحياة الكريمة قد فاتهم وهم يشاهدون العالم يركض نحو التكنولوجيا والرفاهية (( فأتيناه على الهرم )) , وغياب العدل , واليقين بأن الفقر في العراق ليس ندرة في الموارد , بل هو (( ميل عن الحق )) في الإدارة , وهو ما يجعل وصف (( ضيزى )) منطبقاً تماماً , فهي قسمة (( عوجاء , ناقصة , وغير مستوية )) .

إن واقع العراق اليوم هو تجسيد حي لشكوى المتنبي واستنكار القرآن , نحن أمام جيل يشعر أنه أدرك (( خريف الوطن )) بعد أن كان ينتظر ربيعه , وأمام منظومة توزيع للأمل والحياة تتسم بأنها (( قسمة ضيزى )) حيث يوزع الفقر بالتساوي على الفقراء , بينما تتركز القوة والثروة في يد من لا يستحق , ان هذا الشعور بـ (( تأخر الحظ )) و (( جور القسمة )) هو المحرك الأساسي لحالة الاغتراب النفسي والسياسي التي يعيشها الإنسان العراقي المعاصر , الذي لا يطلب أكثر من (( قسمة عادلة )) في (( زمان معافى )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...
- مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الألي ...
- مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في ...
- مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .
- مقامة الغياب : تراتيل الصمت والتحمل .
- مقامة رومانسية الوفاء : قراءة في نص (( سيروي الزمان )) لساجد ...
- مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُربا ...
- مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق ب ...
- مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .
- مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ ا ...
- مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟
- المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين ال ...
- مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .
- مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .
- مقامة شذرات الرهبنة .
- مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟
- مقامة قاموس الأرادة و فلسفة الحرف .


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى .