أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) العراقي.















المزيد.....

مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) العراقي.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 09:50
المحور: الادب والفن
    


لايمر الكتاب بين يدي المندلاوي الجميل , الا ويعصره قراءة ويستخرج زبدة المعرفة منه , وهاهو يعلق بالتالي على رواية البعث : (( من ابداعات الكاتب الروسي الكبير : ليون تولستوي , لم تكن الشخصية في روايات الكاتب الكبير, رقما او اسما يمر بسرعة , انما سخر الكاتب طاقاته الابداعية لتصوير عالمها الخارجي وعالمها الداخلي على نحو ملتهب يجعل القاريء يراها بعينيه ويهم احيانا بالتحدث اليها , كما يجعل الرسام - وان كان مبتدئا - أن يرسمها رسما ينبض بالحياة )) , ويختار من ص4 النص التالي : (( أسرعي بالخروج - صاح الحارس من جديد ثم فتح الباب , وما هي الا ثوان معدودات حتى خرجت مسرعة امرأة حسنة التكوين , صغيرة الحجم , كانت ترتدي - جاكتة - سترة رمادية اللون فوق - بلوزة - وثوبا ابيض , وتلبس بقدميها جوربا من الكتان , وتنتعل حذاء ثقيلا خاصا بالمساجين , وتغطي رأسها بغطاء ابيض تطل من تحتها خصلات من شعر اسود قد صفف بعناية فائقة , وتعلو وجهها الصفرة الخاصة بأولئك الذين قضوا مدة طويلة ضمن مكان مغلق , وكان التناقض بين بياض بشرتها , وسواد حدقتيها يبرز جمال عينيها الجميلتين اللتين كان في احداها حول خفيف , وكان سائر كيانها يفيض بالجاذبية المرحة , كانت تمشي مرفوعة الرأس , ونهداها المكتنزان بارزان , وعندما بلغت الممشى , طأطأت رأسها قليلا , ونظرت الى الحارس نظرة استعداد للقيام بما يأمرها به )) .

يُعد هذا النص مثالاً حياً على ما يُعرف بـ (( الواقعية النفسية )) التي برع فيها ليون تولستوي , في رواية (( البعث )) , لا يكتفي تولستوي بوصف الشخصية ككيان مادي , بل يجعل من المظهر الخارجي مرآةً لتاريخ الشخصية وحالتها الراهنة , والبناء بالمتناقضات , حيث استخدم تولستوي أسلوب التضاد لإبراز الحيوية , نجد ذلك في (( بياض البشرة مقابل سواد الحدقتين )) , وفي (( لباس السجن الخشن مقابل تصفيف الشعر بعناية فائقة )) , هذا التناقض يوحي بأن الشخصية (( كاتيوشا ماسلوفا )) ترفض الاستسلام الكلي لظرف السجن القاسي , وما تزال تحتفظ بلمحة من أنوثتها واعتزازها بذاتها.

وهناك التفاصيل (( الميكروسكوبية )) , لم يقل تولستوي إنها حزينة أو سجينة فحسب , بل وصف (( الصفرة )) التي تكتسي وجوه من عاشوا في أماكن مغلقة , ووصف (( ثقل الحذاء )) الخاص بالمساجين , هذه التفاصيل تجعل القارئ يشعر بـ (( ثقل )) الواقع الذي تعيشه الشخصية , وأنسنة العيوب, فإشارة تولستوي إلى (( الحول الخفيف )) في إحدى عينيها هي لمسة عبقرية , في الأدب الواقعي , اذ ان الجمال المثالي غير واقعي وممل , أما العيوب البسيطة فهي ما يمنح الشخصية (( بشريتها )) ويجعل القارئ يراها ككائن حقيقي لا كمجرد خيال حبري.

ان ما ذكره المندلاوي حول تحويل الشخصية إلى (( كائن حي )) هو أدق وصف لمنهج تولستوي , ويمكن تلخيص ذلك في النقاط التالية , اولا القدرة الفوتوغرافية , فالنص المقتبس يبدو وكأنه (( كادر )) سينمائي مُصوّر بدقة قبل اختراع السينما بسنوات , وهولا يصف الشخصية , بل (( ينحتها )) في ذهن القارئ , وثانيا هناك الحركة والجو العام فالوصف لم يكن ساكناً , فصياح الحارس , وخروجها المسرع , ثم طأطأة رأسها , كلها حركات تعطي انطباعاً عن علاقة القوة والسلطة داخل السجن , وعن انصياع الشخصية (( ظاهرياً )) مع احتفاظها بجاذبيتها الفطرية , وثالثا إثارة الحواس , حين يذكر (( الجورب الكتان )) و(( الحذاء الثقيل )) , هو لا يخاطب حاسة النظر فقط , بل يحفز حاسة اللمس والسمع (( صوت ارتطام الحذاء بالأرض )) , وهو ما يجعل الرسام - وإن كان مبتدئاً - قادراً على رسمها رسمًا ينبض بالحياة, لأن التفاصيل محددة وليست هلامية.

في رواية (( البعث )) كان تولستوي يكتب بروح المصلح الاجتماعي وعين الفنان التشكيلي , هذا النص ليس مجرد وصف لامرأة تخرج من زنزانة , بل هو تجسيد للصراع بين (( قبح السجن )) و(( جمال الروح البشرية )) الذي يرفض الانطفاء , وبالتأكيد ان هذه النقطة الجوهرية تفتح باباً واسعاً لمناقشة ظاهرة (( الاستلاب الثقافي )) وخلط المفاهيم الذي ساد في فترات معينة من تاريخ العراق المعاصر , ومن مفارقات القدر الأدبي , أن هذا الانبعاث الروحي الذي نحته تولستوي , اصطدم في عراق ما بعد 2003 بـ (( عُقدة التسمية ))فمن المثير للسخرية , ولكنه من المؤلم أيضاً , أن يُحاكم أثر أدبي عالمي كُتب في القرن التاسع عشر (( نُشرت الرواية عام 1899)) بناءً على (( حساسية لغوية )) تجاه اسم الحزب الحاكم في العراق آنذاك , هذا يشير إلى أن بعض من تصدر المشهد الثقافي وقعوا في فخ (( القوالب الذهنية الجاهزة )) , حيث تم تغليب الصراع السياسي الآني على القيمة الحضارية والإنسانية.

محاكمة العنوان وتجاهل المتن : رواية (( البعث )) لتولستوي هي صرخة أخلاقية ضد الظلم الاجتماعي , وفساد القضاء , واستغلال الطبقة الأرستقراطية للفقراء , وهي تتحدث عن (( البعث الروحي )) للفرد - الأمير نيخلودوف - وتوبته ومحاولته تكفير ذنوبه تجاه المرأة التي خذلها - ماسلوفا - والمفارقة أن محتوى الرواية هو في الحقيقة نقد لاذع لكل أنواع الدكتاتوريات والبيروقراطية القاتلة , وكان الأجدر بهؤلاء (( المثقفين )) تبنيها كأداة لفهم آليات الظلم , لا محاربتها بسبب عنوانها , مما يدل على سيادة العاطفة على العقل النقدي , بما يعكس حالة من (( الفوبيا )) الثقافية , حيث صار الموقف من (( الكلمة )) يسبق الموقف من (( المعنى )) , وهذا النوع من (( الإبداع في الإقصاء )) يعكس هشاشة في التكوين الثقافي , فالمثقف الحقيقي يدرك أن (( البعث )) في الأدب الروسي مفهوم لاهوتي وفلسفي مرتبط بالولادة الجديدة للنفس البشرية , ولا علاقة له بالأيديولوجيات السياسية العربية في القرن العشرين.

يمكن ربط هذا الموقف بنظرية (( ازدواجية الشخصية )) أو مفاهيم نقد المثقف التي طرحها علي الوردي , فهؤلاء الذين رفضوا الرواية لمجرد اسمها ربما كانوا يمارسون نوعاً من (( التزلف )) للواقع السياسي الجديد , محاولين إثبات قطيعتهم مع الماضي بأدوات تفتقر إلى الحد الأدنى من الموضوعية العلمية أو الأدبية , وخلاصة القول إن محاربة رواية (( البعث )) لتولستوي في العراق بسبب تشابه الأسماء هي واحدة من (( الكوميديات السوداء )) في تاريخنا الثقافي , إنها تكشف كيف يمكن للسياسة عندما تتغول أن تعمي البصائر , وتجعل (( المثقف )) يخشى من غلاف كتاب , تماماً كما يخشى الرقيب من قصيدة.

من المؤلم حقاً أن تصل السطحية ببعض مـدّعي الثقافة إلى محاكمة قامة سامقة مثل تولستوي بناءً على (( فوبيا )) الأسماء , متناسين أن (( البعث )) عنده هو خلاص الروح وانعتاقها من الخطايا , وهو جوهر ما نحتاجه في كل زمان ومكان , أن هذا النوع من الخلط كان مقصوداً لإقصاء الثقافة الرصينة لصالح ثقافة (( شعارية )) تبسيطية , وأنه كان مجرد جهل عابر ستتلاشى حدته مع الوقت ؟ إن محاكمة (( بعث )) تولستوي بجريرة (بعث) السياسة , ليست مجرد خطأ في القراءة , بل هي سقطة حضارية تكشف عن ارتياب المثقف من ظله , وعجزه عن التفريق بين (( المقدس الفني )) و(( المدنس الأيديولوجي )) , إننا اليوم , وأكثر من أي وقت مضى , بحاجة إلى ذلك (( البعث الروحي )) الذي ينقذ العقل من قوالبه الجاهزة , ويحرر المعنى من قيود اللفظ , لكي لا نبقى أمةً تخشى من غلاف كتاب , بينما تلتهمها نيران الواقع.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...
- مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الألي ...
- مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في ...
- مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .
- مقامة الغياب : تراتيل الصمت والتحمل .
- مقامة رومانسية الوفاء : قراءة في نص (( سيروي الزمان )) لساجد ...
- مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُربا ...
- مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق ب ...
- مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .
- مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ ا ...
- مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟
- المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين ال ...
- مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .
- مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .
- مقامة شذرات الرهبنة .


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) العراقي.