أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة إلى خريطة العالم .














المزيد.....

مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة إلى خريطة العالم .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 09:58
المحور: الادب والفن
    


انفتحت قريحة د. تحسين الأفندي في جلسة الصالون هذه الجمعة عن حكاية رحلة حج الملك منسى موسى , حاكم إمبراطورية مالي (1312-1337م) , كانت رحلته عام 1324م واحدة من أشهر الرحلات التاريخية التي لفتت أنظار العالم لثراء إمبراطوريته , واستمرت أكثر من عام , معتبرةً لحظة فارقة في تاريخ الغرب الأفريقي , خصوصا الموكب الملكي المهيب عندما انطلق بموكب ضخم يضم أكثر من60 ألف شخص , في قافلة ضخمة شملت آلاف العبيد والخدم والحاشية , يرتدون الحرير ويحملون الذهب على ظهور الإبل, وقد ذكرت المصادر أنه حمل معه حوالي 80 جملًا , يحمل كل منها ما بين 50 و300 رطل من الذهب الخالص , والكرم المفرط حين تم إنفاق وتوزيع هذا الذهب بسخاء طوال الطريق , مما نشر صيت مالي عالمياً قبل وصوله إلى الوجهة.

تُعد رحلة الحج هذه واحدة من أشهر اللقاءات التاريخية بين الحكام الأفارقة والمماليك , وتشير الروايات إلى قصة مثيرة حول لقائه بالسلطان الناصر محمد بن قلاوون , والصراع البروتوكولي حيث كان بروتوكول البلاط المملوكي يفرض على أي زائر أن يقبل الأرض أمام السلطان , ورفض منسى موسى ذلك كونه ملكاً عزيز النفس , مؤكداً أنه لا ينحني إلا لله , والحل الوسط , عند دخوله المجلس , أوجد مخرجاً ذكياً , فلم يقبل الأرض للسلطان , بل سجد وأعلن بصوت مرتفع: (( أنا أقدم الطاعة لله الذي خلقني )) , وتقدير السلطان لمكانته وتقواه , عندما تنازل ابن قلاوون عن الشرط , بل وقام (( بنصف نهضة )) لاستقباله وأجلسه بجانبه , وأغدق عليه بالتشريفات والخيول المسرجة.

ثم عرج الدكتور الأفندي على تفصيل مذهل , وهي قصة استدانة منسى موسى من التجار المصريين في طريق عودته 1324-1325م , والتضخم الكبير , أذ أدى إنفاقه الهائل وتوزيعه للذهب في القاهرة إلى حدوث تضخم وهبوط في قيمة الذهب لأكثر من 12 عاماً , ونفاد السيولة بسبب بذخه المفرط في الصدقات , ونفدت الأموال التي بحوزته عند العودة , فاستدان مبالغ كبيرة بفوائد عالية من كبار التجار , ومنهم تاجر يلقب بـ (( ابن الكويك )) الذي عاد معه إلى مالي لاسترداد أمواله مضاعفة , وتذكر بعض المصادر أنه حاول (( سحب )) الذهب من السوق عبر الاقتراض لتقليل المعروض وإصلاح ما أفسده كرمه في الاقتصاد المصري.

لم تكن مالي مجرد مخزن للذهب في ظل حكم منسى موسى , بل كانت منارة حضارية , والتوسع الجغرافي حيث شملت الإمبراطورية 24 مدينة رئيسية (( مثل تمبكتو وجاو )) وامتدت بنحو 2000 ميل لتصل إلى ساحل موريتانيا الحالي , ووفرة موارد الدولة التي اعتمدت الثروة على مناجم الذهب والملح الوفير, بالإضافة إلى السيطرة على طرق التجارة المتجهة شمالاً نحو تونس وسبتة , والنهضة الثقافية عندما جلب معه من الحج فقهاء وعلماء ومهندسين (( مثل الأندلسي إبراهيم الساحلي )) مما ساهم في بناء جامعة ومسجد جينجيريبر في تمبكتو , وتحويلها إلى مركز عالمي للمنح الدراسية والثقافة , وذلك الإرث الخالد , فهو لم يستعرض في رحلته حجم ثروته الشخصية فحسب , بل لفت انتباه العالم في العصور الوسطى إلى قوة ورفعة إمبراطورية مالي , تاركاً شاهدا لازال قائما من التنمية الثقافية والمعمارية التي لا تزال آثارها باقية حتى اليوم.

لم تكن رحلة منسى موسى مجرد استعراض للثراء , بل كانت بعثة استكشافية لجلب العقول , فقد نجح في إقناع الشاعر والمهندس الأندلسي أبي إسحاق الساحلي بمرافقته إلى مالي , وبفضل هذا التعاون , شهدت تمبكتو ولادة نمط معماري فريد عُرف بـ (( العمارة السودانية - الساحلية )) , حيث استبدل الساحلي الهياكل التقليدية بالطوب اللبن والقشور الخشبية البارزة , وبنى (( القصر الملكي )) ومسجد (( جينجيريبر )) الشهير , وانشاء العمارة الأندلسية في قلب الأدغال , هذا التحول جعل من مالي حلقة وصل ثقافية , تزاوجت فيها روح الأندلس وجماليات شمال أفريقيا مع عمق القارة السمراء , لتتحول مالي من إمبراطورية قوة إلى حارة علم وقبلة للدارسين.

لقد كانت أصداء هذه الرحلة من القوة بحيث تجاوزت حدود العالم الإسلامي لتصل إلى قلوب القارة الأوروبية في العصور الوسطى , ولأول مرة في التاريخ , ظهرت صورة الملك منسى موسى في (( الأطلس الكتالوني )) عام 1375م , وهو جالس على عرشه بوقار , يرتدي تاجاً من الذهب ويحمل في يده اليمنى سبيكة ذهبية ضخمة , وفي اليسرى صولجاناً ملكياً , هذا التوثيق الخرائطي لم يكن مجرد رسم , بل كان اعترافاً رسمياً من (( رسامي الخرائط )) في ذلك الزمان بأن قلب أفريقيا يضم إمبراطورية لا تقل شأناً عن ممالك أوروبا والشرق , مما دفع المغامرين والتجار لاحقاً للبحث عن (( المدينة الذهبية )) في تخوم الصحراء الكبرى.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...
- مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الألي ...
- مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في ...
- مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .
- مقامة الغياب : تراتيل الصمت والتحمل .
- مقامة رومانسية الوفاء : قراءة في نص (( سيروي الزمان )) لساجد ...
- مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُربا ...
- مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق ب ...
- مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .
- مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ ا ...
- مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟


المزيد.....




- تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين
- هذا الموسيقي السوري الأمريكي يعيد تقديم الموسيقى العربية الك ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن سخرية قصص سناء الشّعلان في جامعة عمر ...
- في -مذكرات طفلة لم تشهد الحرب-.. اليمن بعين الكاتبة رغدة جما ...
- غموض يحيط بانفجار بيت شيمش.. والإعلام الإسرائيلي يشكك بالروا ...
- معرض كتاب الرباط 31.. نجاح تنظيمي تخدشه حوادث -منع- وجدل حول ...
- مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م ...
- مباراة -يد الله-... وثائقي في مهرجان كان السينمائي يعيد إحيا ...
- -اللغة العربية هي لغتنا-: موقف حارس الجيش الملكي يشعل مواقع ...
- من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00 ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة إلى خريطة العالم .