أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح الهيل غريباً .















المزيد.....

مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح الهيل غريباً .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 13:59
المحور: الادب والفن
    


مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح الهيل غريباً .

علق صديقنا السبعيني بقلبٍ شجيّ , ونفسٍ لوجدِ الماضي تَجيءُ وتَعي : (( كانت والدتي رحمها الله تقول : السعيد كل يوم عنده عيد , ليس عيدا ان لم يناولك من تحب لقائه واحدة من الكليجة المحشوة بالجوز وأخرى من التمر وتدور على الجالسين اقداح الشاي المهيل الذي يعشقه البعض منا مُرا , لقد مُسخت صباحات اعيادنا بعد ان كانت صباحية اليوم الأول وكقانون ثابت ان نغير دشداشة العرفات ونرتدي الجديد من الثياب وصوت التكبيرات تضج بها الشوارع والحارات , هذه الاجيال لم تذق طعم اعيادنا لذلك نشعر بالاغتراب في ايام العيد الحاضرة لأننا ذقنا ما لم يعرفوا مذاقه , لذلك لا يكون لنا عند الصباح شغفا حتى لفتح نافذة من النوافذ خصوصا بعد ليالي الانفجارات التي لا ندري متى ستكون متجهة الينا لا سامح الله , زيارات عائلية تفتقد روح زمان ونكهات من الحلوى بعيدة عن ماء الورد والحوايج , انا لا افهم بالاحتفالات التكنولوجية والرسائل الافتراضية , أريد عيدا حقيقياّ يشعر فيه الهواء بالفرح والنهر بالإمتلاء , أصبحنا نصطنع العيد , كان ينبع من داخلنا والان لم يعد كذلك , كنا نتزين بقيم التعاطف والان نزين واجهات المنازل وقس على ذلك , لأن شديدي الأحساس ينتابهم الخرس اياد العيد .)) .

ولعمري انها مرثية لزمن الجمال , ووثيقة اجتماعية مغلفة بالحنين (النوستالجيا) , إنه يضع يده على الجرح في تحول العيد من (( حالة شعورية )) تسكن الأرواح إلى (( واجهة شكلية )) تزين الجدران والشاشات , يبرزثنائية الداخل والخارج وينجح في المقارنة بين عفوية الماضي - الكليجة , دشداشة العرفات - وتكلف الحاضر - الرسائل الافتراضية , تزيين الواجهات - لغته الحسية غنية بالروائح - الهيل , ماء الورد - والأصوات - التكبيرات - واللمس - الدشداشة الجديدة - اما صدقه العاطفي فنراه في الخرس العيديوهو تعبير ذكي جداً , فالخرس هنا ليس فقداناً للنطق , بل هو صدمة ثقافية وفجوة جيلية جعلت كبار السن يفضلون الصمت وإغلاق النوافذ على المشاركة في (( عيد مصطنع )) , يبقى تلك الأشارة الى البعد الأمني (( ليالي الانفجارات )) التي أضفت واقعية مريرة , توضح كيف تحول الخوف من المجهول إلى حاجز يمنع الفرح.

ارتبط العيد تاريخياً بالجمال الظاهر كعكاس لنقاء الباطن , يروى عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - أنه كان يشتري حُلة للسير (( للعيد والوفود )) , وفي العصر العباسي كان يُسمى العيد (( يوم الزينة )) , والربط هنا يوضح أن تغيير الثياب ليس ترفاً , بل هو (( طقس وقار )) واحتفاء بالحياة , وهو ما افتقده الجيل الحالي الذي استبدل هيبة اللباس بهشاشة الصور الرقمية , كما عُرف العيد بـ (( دار الضيافة )) , وفي العصر الفاطمي والعباسي كانت تُقام (( أسمطة العيد )) - الموائد - وكان يُنظر لمن يغلق بابه في العيد كمن خرج عن الجماعة, ولطالما كان الشعراء يخشون العيد إذا جاء وهم في غربة أو ضيق , وأشهرهم المتنبي في قوله : (( عِيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عِيدُ بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ , أَمَّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُـمُ فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بـيدُ )) , هذا البيت يخدم فكرة (( الاغتراب )) التي طرحها الصديق السبعيني , فالبيداء - الصحراء - اليوم ليست جغرافية , بل هي (( بيداء رقمية )) وتكنولوجية باعدت بين القلوب رغم قرب الشاشات , أصبحنا مزدحمين بالرسائل , وحيدين في الشعور, فاللسان الذي يرسل مئة رسالة (( نسخ ولصق )) هو في الحقيقة لسان أخرس عاطفياً.

لقد كان العيدُ في زماننا يَنْبُعُ من الصدور , قبل أن يلبسَ الوجوهَ والظهور , كانت الوالدةُ -رحمها الله- تقول: (( ألسعيدُ مَن كان كلُّ يومٍ عنده عيد )) , ولم يكن العيدُ عندنا إلا بلقاء الأحبة , ومُناولة كليجةِ الجوزِ والتمرِ بروحٍ مُحبة , ومدار تِلك الأقداح , بشايٍ مُهيلٍ يُداوي الأرواح , فمنّا مَن أدمنَ حلاوتَه , ومِنّا مَن استطابَ في المرارةِ طلاوتَه , فواأسفاه , لقد مُسخت صباحاتُنا , واغتربت أرواحُنا , أينَ - دشداشةُ العرفات - المزهوّةُ بالبياض؟ وأينَ ضجيجُ التكبيرِ الذي يملأُ الفياض ؟ نحنُ جيلٌ ذاقَ ما لم يعرفوا مَذاقَه , فصار الصباحُ عندنا فَقداً نخشى إخفاقَه , حتى غدونا لا نفتحُ نافذة , ولا نرجو من الأيامِ فائدة , فليالينا باتت تترصدُها الانفجارات , وأيامُنا تفتقدُ لروحِ الجماعات , عجبًا لهذا الزمان , احتفالاتٌ تكنولوجية , ورسائلُ افتراضية , ونكهاتٌ غابَ عنها ماءُ الوردِ والـ - حوايج - فغدت كسرابٍ في الفلا هائج , أريدُ عيداً يشعرُ فيه الهواءُ بالحبور, والنهرُ بالامتلاءِ والسرور.

المفارقة أن البيوت قديماً كانت مفتوحة الأبواب بسيطة الأثاث , والآن هي مغلقة الأبواب فخمة الأثاث , أذكرهذه المقولة التي وردت على لسان الوالدة - رحمها الله - لها جذر صوفي وفلسفي عميق , يذكرنا بقول الحسن البصري : (( كل يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد , وكل يوم يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكره وشكره فهو له عيد )) , هذا الاستشهاد يعزز فكرة أن العيد (( حالة روحية )) داخلية , وليس مجرد تقويم زمني , ولكن واأسفاه , لقد مُسخت صباحاتُنا , واغتربت أرواحُنا , أينَ (( دشداشةُ العرفات )) المزهوّةُ بالبياض؟ وأينَ ضجيجُ التكبيرِ الذي يملأُ الفياض؟ نحنُ جيلٌ ذاقَ ما لم يعرفوا مَذاقَه , فصار الصباحُ عندنا فَقداً نخشى إخفاقَه , حتى غدونا لا نفتحُ نافذة , ولا نرجو من الأيامِ فائدة , فليالينا باتت تترصدُها الانفجارات , وأيامُنا تفتقدُ لروحِ الجماعات.

أين نحنُ اليوم من زمنِ - القرطاسِ والقلم ؟ - والمفارقة بين (( دفء الرسالة الورقية )) و (( برود الرسالة الافتراضية )) , حين كان العيدُ يسبقُه سهرُ الليالي بلهفةِ الترقب , كنّا نكتبُ التهانيَ بأصابعَ ترتجفُ حبّاً , ونودعُ الورقَ عطراً يسكنُ القلبَ لُبّاً , فتصلُ الرسالةُ مطويةً بالحنين , تفوحُ منها أنفاسُ الغائبين , وكأنها قطعةٌ من الروح , تداوي بلمستِها الجروح , أما اليوم , فقد غدونا في زمنِ (( الجمادِ الرقميّ )) , والبرودِ التقنيّ , رسائلُ تُرسلُ بضغطةِ زرٍّ عمياء , تُلقى في اليمِّ بلا روحٍ ولا إمضاء , كلماتٌ مكررة , وصورٌ معلبةٌ مُحيرة , تمرُّ على الأبصارِ مرورَ الغريب , لا تهزُّ وجداناً ولا تُقرّبُ بعيداً من قريب , فشتانَ بينَ (( حبرِ الوفاء)) الذي كان يبللُ الورق , وبين ((ضوءِ الشاشات )) الذي سرقَ من العيونِ الأرق , لقد أصبحنا نتبادلُ الأشباحَ في فضاءٍ افتراضيّ , ونسينا أن العيدَ هو تلاقي الأرواحِ بصدقٍ مرضيّ , فواعجباً لجيلٍ يظنُّ أن (( أيقونةً )) صماء , تنوبُ عن قُبلةِ يدٍ أو عِناقٍ تحتَ السماء .

عجبًا لهذا الزمان , احتفالاتٌ تكنولوجية , ونكهاتٌ غابَ عنها ماءُ الوردِ والـ(( حوايج )) , فغدت كسرابٍ في الفلا هائج , أريدُ عيداً يشعرُ فيه الهواءُ بالحبور, والنهرُ بالامتلاءِ والسرور , لقد كنا نتزيّنُ بقيمِ التعاطفِ والمواساة , واليومَ يزيّنونَ واجهاتِ البيوتِ بجمادِ المنحوتات , وقِس على ذلك فداحةَ الخُسران , حتى أصابَ الخرسُ ألسنةَ الشجعان , فصمتنا في العيدِ حزناً على عيدٍ كان , لنردد مع المتنبي زفرتَه الخالدة: (( بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ؟ )) فالتجديدُ الذي شهدناه مَسخَ الجوهر , وأبقى المظهر , لقد غاب (( يوم الزينة )) الذي عرفه الأقدمون , وحلّ محله (( يوم الشاشات )) الذي تاه فيه الضائعون , وكأن لسان حالنا يقول مع الحسن البصري: (( إن العيد طاعةٌ ووصل , لا قطيعةٌ وفصل)).

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...
- مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الألي ...
- مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في ...
- مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .
- مقامة الغياب : تراتيل الصمت والتحمل .


المزيد.....




- رواية -الجوع والعطش-: حين يتحول الرعب الأدبي إلى مرآة لهشاشة ...
- فنان فرنسي يحوّل أقدم جسور باريس فوق نهر السين إلى عمل فني ض ...
- الجهةُ التي بكى فيها الله
- محمد بنيس: جحافل الزمن الرقمي تقودنا للنسيان ولا بديل عن الق ...
- هيفاء وهبي في الريفييرا الفرنسية تستحضر أيقونات السينما بوشا ...
- كريستن ستيورات تكسر-بأحذيتها- قواعد مهرجان كان السينمائي
- ثقافة تخدم الاقتصاد.. كيف أضحت الصناعة الثقافية أفقا للتنمية ...
- كشف تفاصيل علاقته برمضان.. محمد دياب: هذه حكاية فيلم -أسد-
- العين العربية مؤجلة.. ندوة في معرض الدوحة تحفر في علاقتنا با ...
- كتارا تعلن فائزي جائزة كتارا للشعر العربي -أمهات المؤمنين رض ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح الهيل غريباً .