أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .















المزيد.....

مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 09:50
المحور: الادب والفن
    


في مقاربة أدبية لاذعة للكاتب أدهم الشرقاوي , يضعنا أمام مقارنة صادمة بين ثبات الغريزة الحيوانية وانتكاس العقل البشري , يخلص الكاتب إلى أن أزمة الإنسان المعاصر ليست في نقص معارفه , بل في ضياع قِيَمه ومبادئه , مستحدثاً مصطلحاً ساخراً يختصر هذا التردي الأخلاقي والسلوكي وهو: (( الجحشنلوجيا- أوعلم تحول الإنسان إلى جحش)) ويستدل على هذا التناقض بلفتة تاريخية عميقة : (( لقد دعا نوحٌ عليه السلام الحيواناتِ مرة واحدة فركبت السفينة مطيعة , بينما قضى 950 عاماً يدعو البشر فاختاروا الغرق )) , والمسألة باختصار , غريزة سليمة خيرٌ من عقل مريض , فالإنسان يقوده العقل , والحيوان تحركه الغريزة , ومنذ بدء الخليقة , حافظت الحيوانات على فطرتها دون زيف , أما البشر , فحين تمرض عقولهم وتفسد ضمائرهم , يأتون بأفعالٍ تأنف الحيوانات نفسها عن ارتكابها.

من مجمع العلوم إلى علم الانتكاس البشري , يمتلئ العالم بالعلوم الأكاديمية الرفيعة , السيكولوجيا: علم النفس , والأيكولوجيا: علم البيئة , والبيولوجيا: علم الأحياء , والسيسيولوجيا: علم الاجتماع , أما (( الجحشنلوجيا )) , فهو العلم الوحيد الذي لا تُمنح شهادته من الجامعات , بل هو (( اجتهاد شخصي )) وسلوك يمارسه الفرد طواعية , هذا الوعاء يتسع للجميع دون تمييز طبقي أو معرفي , فقد يشترك فيه الحاكم مع العامل , والأستاذ الجامعي مع الحرفي , والمهندس مع البقّال , فلا يخدعنك بريق الثياب الأنيقة , ولا تفتنك الشهادات الأكاديمية , فـ (( الجحشنلوجيا )) ممارسة وتطبيق لا علاقة لها بالمظهر أو المرتبة العِلمية .

تتجلى (( الجحشنلوجيا )) في الواقع المعاصر في صور شتى تضرب مفاصل المجتمع والأسرة والقيم , مثل عقوق وضياع أسري عندما يُضرب الأب وتُهان الأم , وعندما يبيع الأب ابنته لمن يدفع مهراً أعلى , أو يحرم الأخ أخواته من الميراث , وممارسة السحق لإنسانية المرأة , عندما تُختزل المرأة من شريكة عمر وإنسان كرمه الله , إلى مجرد جارية أو وعاء للإنجاب أو قطعة أثاث في المنزل , ثم فساد النخبة والضمائر, عندما يقف المفتي مع السلطان ضد الحق , أو يكتب المشرف الأكاديمي رسالة التخرج لطالبه مقابل حفنة دولارات , وكذلك خيانة المهن عندما يصف الطبيب دواءً غير مناسب للمريض لمجرد نيل عمولة من شركة الأدوية , أو يبيع المهندس ذمته للمقاول , وتزييف الوعي والإعلام عندما تُزور الحقائق ويتحول الإعلام إلى بوق ومصفق للسلطة , وسقوط الإنسانية الدولي عندما تُباد الشعوب على الهواء مباشرة والعالم (( المتحضر )) يشاهد بدم بارد دون أن يرف له جفن , والجهل المركب والسطحية عندما يعرف الجيل الجديد عن مشاهير الفن والرياضة (( مثل ميسي وشاكيرا ونجوم برامج الهواة )) أكثر مما يعرفون عن الصحابة والرموز التاريخية وشهداء الأمة , وفساد المؤسسات عندما لا تنال وظيفة أو سريراً في مستشفى إلا عبر (( الواسطة والمحسوبية )) , وأخيرا وليس آخرا الاقتتال العبثي عندما تقتتل الفصائل وتزهق الأرواح وكلا الطرفين يرفع راية (( الله أكبر )) .

يبقى السقوط الأكبر , والشرف الأسمى في شهادة (( الجحشنلوجيا )) محجوزاً لأولئك الذين يدمرون أوطانهم ويهدمون مجتمعاتهم , ثم يخرجون على الناس بمبررات واهية وشعارات رنانة , يزعمون أنها (( الوطنية )) , ولكنها في الحقيقة (( الجحشنلوجيا )) بإمتياز , انها التفاتة ذكية جداً وقراءة تسبر غور الواقع , فنقل هذا المفهوم الساخر واللاذع من إطاره الاجتماعي العام إلى المشهد السياسي العراقي بعد عام 2003 , هو في حقيقته وضعٌ للأصبع على الجرح النازف , وتحليل سيسيولوجي وسياسي يتماشى تماماً مع طروحات الدكتور علي الوردي في تشريح (( المنظومة المتهرئة )) , وإذا أردنا إسقاط مفهوم (( الجحشنلوجيا السياسية )) على واقع العراق في العقود الأخيرة , سنجد أن هذا (( العلم المبتكر )) قد وجد بيئة خصبة جداً , وتحول من سلوك فردي إلى (( مؤسسة ومنهج حكم )) تُدار به البلاد.

تتجلى مظاهر (( الجحشنلوجيا السياسية )) في عراق ما بعد 2003 بأبهى صورها , في المحاصصة المقيتة واستبدال الكفاءة بالولاء عندما يُنحى التكنوقراط وأصحاب الكفاءات والشهادات الحقيقية جانباً , ويُسلّم القرار السياسي , والوزارات , والدوائر السيادية إلى شخوص لا يملكون من الإدارة إلا الولاء للحزب أو الطائفة أو المكون , وكذلك تدمير الهوية الوطنية لحساب المكونات عندما ينسى الساسة أنهم أبناء وطن واحد اسمه العراق , ويتحول الخطاب إلى (( مظلومية المكون )) و(( حصة الطائفة )) و(( امتيازات القومية )) ليصبح تمزيق النسيج الاجتماعي ورقة رابحة في الانتخابات , ثم ظاهرة نهب الثروات تحت غطاء (( الوطنية )) و(( النضال )) عندما تتبخر مئات المليارات من دولارات النفط في مشاريع وهمية , وتفتقر مدن عريقة كبغداد والبصرة وبعقوبة إلى أبسط مقومات البنية التحتية والكهرباء والماء الصالح للشرب , بينما تتضخم ثروات (( أمراء الطوائف )) في عواصم الإقليم والعالم , فهذه هي الجحشنلوجيا السياسية المغلفة بالوطنية الزائفة.

ولو تابعنا هذه المظاهر لوجدنا سريان ظاهرة التبعية والارتهان للخارج عندما يُدار المشهد السياسي بريموت كنترول من خلف الحدود , ويصبح السياسي مستعداً لرهن قرار بلاده الاستراتيجي واقتصاده وأمنه القومي لإرضاء هذه العاصمة الإقليمية أو تلك القوة الدولية , ضارباً بعرض الحائط سيادة الوطن كرمى لكرسيه , و(( واعظ السلطان )) بثوب جديد عندما يتحول رجل الدين , أو المثقف , أو الإعلامي , من منبر للحق وإرشاد الأمة , إلى (( مشرعن )) لفساد الحاكم , يبرر سرقاته , ويفتي بقدسية فصيله , ويخدر عقول العوام بوعود غيبية بينما يقتات هو على فتات موائد السلطة , والسلاح المنفلت والاقتتال الأخوي عندما يُرفع السلاح بوجه ابن الوطن الواحد , وتتحول الشوارع إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية والمكاسب الاقتصادية تحت مسميات وعناوين براقة , وكلا الطرفين يدعي أنه يحمي (( المذهب )) أو (( الوطن )) , وتجهيل الأجيال وتخريب التعليم عندما يتحول النظام التعليمي الذي كان يشار له بالبنان في القرن الماضي , إلى سوق لبيع الشهادات , وتزوير الأطاريح , وتسييس الجامعات , وإغراق المدارس بالفكر الغيبي على حساب العلم الحديث , لإنتاج جيل يسهل قياده وتوجيهه , فهذه الجريمة هي جوهر الجحشنلوجيا السياسية.

الخلاصة العراقية إن (( الجحشنلوجيا السياسية )) في مشهد ما بعد 2003 نجحت في تحويل الفساد من (( جريمة يخجل منها صاحبها )) إلى (( شطارة وقوة يُجاهر بها )) , والشاطر هُوَ ذَاكَ الَّذِي يَقِفُ عَلَى أَطْلَالِ الوَطْنِ الَّذِي مَزَّقَهُ بِفِعْلِهِ , وَشَرَّدَ أَهْلَهُ بِنَهْبِهِ , ثُمَّ يَرْتَدِي كَامِلَ أَنَاقَتِهِ , وَيَخْرُجُ فِي التِّلْفَازِ صَارِخاً : (( تَحْيَا الوَطَنِيَّةُ )) , فَهَذَا لَيْسَ بِوَطَنِيٍّ وَإِنْ حَلَفَ بِمَاءِ زَمْزَمَ , بَلْ هُوَ حَامِلُ الدُّكْتُورَاهِ الفَخْرِيَّةِ فِي (( الجَحْشَنْلُوجْيَا السِّيَاسِيَّةِ )) بِامْتِيَاز , وَمَا لَنَا أَمَامَ هَذَا المَشْهَدِ النَّكِد , إِلَّا أَنْ نَعُوذَ بِاللهِ مِنْ عَقْلٍ مَرِيضٍ يَسُوس , وَمِنْ جَهْلٍ مُرَكَّبٍ يَسْكُنُ النُّفُوس .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...
- مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الألي ...
- مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في ...
- مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .
- مقامة الغياب : تراتيل الصمت والتحمل .
- مقامة رومانسية الوفاء : قراءة في نص (( سيروي الزمان )) لساجد ...
- مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُربا ...
- مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق ب ...


المزيد.....




- رحيل «مرسول الحب».. المغرب والعالم العربي يودعان الهرم الموس ...
- بانفجار ضخم.. فيلم -7Dogs- يحطم رقمين قياسيين قبل عرضه المُر ...
- مغامرات خارج الزمن.. طفلة قطرية تهزم العمى بأنامل الخيال
- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل في قطاع السينما بعد توقيعه ...
- كاثرين دينوف.. أيقونة مهرجان كان السينمائي الخالدة التي لا ي ...
- تضارب في الروايات بشأن أسبابه.. انفجار غامض قرب مطار كسلا يخ ...
- مهرجان كان السينمائي مرآة للآراء السياسية
- ذاكرة الشاشة المصرية: كيف شكلت البرامج الثقافية وعي الأجيال؟ ...
- باربرا سترايساند تعتذر عن عدم حضور تكريمها بمهرجان كان السين ...
- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل سينما بعد توقيعهم عريضة ضد ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .