أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدودة وراء الحدود.















المزيد.....

مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدودة وراء الحدود.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 21:56
المحور: الادب والفن
    


في محطة استراحة المندلاوي الجميل , نُشِرَ مقتطفٌ من رواية (( ارض السواد )) للمرحوم عبد الرحمن منيف وتحت عنوان : حكمة بالغة ولكن : (( الوالي العثماني داود باشا رجل غريب على ارض الرافدين , وحاكم اجنبي بل ومغتصب في ولايته على ارض ليست بارضه , اصدر حكما باعدام القائد العسكري (( سيد عليوي الملقب بالاغا )) , حقق له نصرا باهرا في معارك الفرات الأعلى ضد البدو , ثم توجس من القائد فنقله الى الشمال , وصار يحصي عليه انفاسه , فجمع معلومات عن اتصالاته منها اتصاله بالقنصل الانكليزي ريتش , وقد تلقى منه اموالا , جاء القنصل ليشفع للاغا عليوي عند الوالي داود باشا وينقذه من الاعدام , قال داود باشا (( كان يمكن ان اسامحه , ان اعفوعنه , لولم تمتد يده الى خارج الحدود , ولدي من الادلة الكثير )) .

يحمل هذا الجزء المستقطع من رواية (( أرض السواد )) للمبدع الراحل عبد الرحمن منيف إسقاطاً سياسياً وتاريخياً شديد العمق , ورغم أن الحادثة تدور في العهد العثماني - عهد الوالي داود باشا - إلا أنها تلخص (( ديناميكية العمالة )) واللعبة السياسية في العراق , وتكاد تكون مرآةً كاشفة للوضع الحالي , حيث يحتوي النص على مفارقة وجودية وسياسية تحكم العلاقة بين السلطة , والعمالة , والقوى الخارجية , فالمفارقة الأولى , هي ان أجنبي يحاكم خائناً , والأكثر مرارة هي أن الوالي داود باشا نفسه (( رجل غريب وحاكم أجنبي ومغتصب )) , ومع ذلك , يجد نفسه في موقع (( حامي حمى الديار )) الذي يحاكم قاضياً أو قائداً عسكرياً بتهمة الخيانة العظمى , والثانية هي في ذلك البطل التكتيكي والخائن الاستراتيجي, فالقائد (( عليوي الآغا )) حقق نصراً باهراً في الفرات الأعلى , مما يعني أنه يمتلك الكفاءة والشعبية , لكن خطأه القاتل كان توهمه بأن قوته المحلية تحميه إذا ما تحالف مع الخارج (( القنصل الإنجليزي ريتش )) , والثالثة معادلة (( مد اليد خارج الحدود )) , وهي الجملة المفتاحية لداود باشا التي تختصر فلسفة الحكم (( حتى وإن كان حكماً غاشماً )) , السلطة قد تغتفر القتل , أو الفساد الداخلي , أو التمرد العسكري , لكنها لا تغتفر مطلقاً الارتباط بالسفارات الأجنبية , لأن مد اليد للخارج يعني نقل أوراق اللعبة من الصراع المحلي إلى الصراع الدولي , وهو خط أحمر يهدد وجود النظام نفسه.

اذا اردنا الإسقاط على ((عملاء الاحتلال )) والوضع الحالي في العراق , ننظر إلى واقع اليوم , نجد أن عبارة (( مد اليد خارج الحدود )) تتكرر بحذافيرها , ولكن بأشكال وأدوات معاصرة , مثل شرعنة الاستقواء بالخارج (( تعدد القناصل )) , حيث في زمن رواية منيف , كان هناك قنصل إنجليزي واحد (( ريتش )) يمد يده بالمال والشفاعة , أما في عراق اليوم , فقد تحول البلد إلى ساحة مفتوحة (( لمد الأيادي )) نحو عواصم إقليمية ودولية متعددة , المفارقة هنا أن بعض القوى السياسية الحالية لم تعد تخجل من هذا الارتباط , بل أصبحت تعتبر (( الاحتماء بالسفارات )) أو الحصول على الدعم الخارجي (( مالياً وسياسياً وعسكرياً )) مصدر قوة ومشروعية لفرض إرادتها في الداخل.

ثم هناك وهم (( الحماية الأجنبية )) وسقوط العملاء , لقد جاء القنصل الإنجليزي ليشفع لعليوي الآغا , لكن شفاعته لم تمنع إعدامه , وهذا درس تاريخي يتكرر دائماً , المحتل أو القوى الخارجية لا تحمي عملائها إلى الأبد , بل تستخدمهم كـ (( أدوات وظيفية )) في المشهد العراقي الحالي , وقد رأينا عبر السنوات الماضية كيف أن شخصيات وقوى سياسية ظنت أنها محمية بحصانة (( خارج الحدود )) , وعندما انتهت صلاحيتها السياسية أو تقاطعت مصالح الكبار , تم التخلي عنها أو تصفيتها سياسياً , أو رفع الغطاء عنها لتواجه مصيرها , وعن صراع الإرادات على أرض الرافدين , فأن عبد الرحمن منيف يصف داود باشا بأنه (( حاكم أجنبي على أرض ليست بأرضه )) , واليوم , يعاني العراق من تداخل النفوذ الخارجي الذي يتصرف في القرار العراقي وكأنه (( الوالي الأجنبي الجديد )) , الصراعات السياسية الحالية في بغداد غالباً ما تكون صدىً لـ (( توجس )) القوى المهيمنة من أي قوى محلية تحاول التغريد خارج السرب , أو ربط خيوطها مع أطراف خارجية منافسة.

حكمة داود باشا الضائعة في العراق الحالي , وعبارته (( كان يمكن أن أسامحه , لو لم تمتد يده إلى خارج الحدود )) , وهي القاعدة الذهبية لبناء أي دولة ذات سيادة , مأساة العراق الحالي هي غياب هذه القاعدة , فالفساد , والسلاح المنفلت , وفشل مؤسسات الدولة , كلها ناتجة عن أن (( الأيادي الممدودة خارج الحدود )) أصبحت هي الأصل وليس الاستثناء , ولا توجد سلطة مركزية قوية قادرة على محاسبة من تمتد يده للخارج , لأن السلطة نفسها أحياناً تكون نتاجاً لتلك الأيادي الممدودة.

لو تأملنا شخصية (( سيد عليوي )) , نجد أنه يمثل نموذجاً متكرراً في النخب السياسية التي عاصرت الاحتلال وما تلاه , هذا النموذج يعاني من فصام حاد , فهو في الداخل يرى نفسه بطلاً - حقق نصراً في الفرات الأعلى - ويطالب الجماهير بالولاء له بناءً على هذا التاريخ أو الإنجاز الموضعي , وفي الخارج يشعر في أعماقه بـ (( عقدة نقص )) تجاه القوة الدولية المهيمنة (( القنصل ريتش )) , فيظن أن المال الأجنبي أو التزكية من وراء الحدود هي صك الغفران والخلود السياسي , وفي العراق اليوم , نجد هذا الفصام متجسداً , تجد من يتحدث عن السيادة والوطنية في خطاباته , لكن (( حباله السرية )) ممتدة إلى عواصم أخرى , لقد أصاب هؤلاء وهمٌ قاتل بأن (( القنصل )) يملك مفاتيح البقاء , غافلين عن حقيقة تاريخية , الخارج لا يتبنى أشخاصاً , بل يتبنى مصالح , وإذا انتهت مصلحة القنصل , يُساق (( الآغا )) إلى حتفه السياسي أو الجسدي دون أن يرف للأجنبي جفن.

إذا استعرنا روح التحليل السوسيولوجي العراقي (( الذي طالما فكك ثنائية البداوة والحضارة وأخلاق السلاطين )) , نجد أن المفارقة في النص تكمن في غياب الطهرانية الأخلاقية عن الطرفين , داود باشا ليس حاكماً وطنياً يدافع عن دستور أو سيادة وطنية نابعة من إرادة الشعب , إنه والٍ عثماني يدافع عن (( حوزة حكمه )) ونفوذه الشخصي , وعليوي الآغا ليس ثائراً من أجل الحرية , بل هو قائد عسكري مدّ يده للمال الأجنبي ليقوي مركزه , وهذا يفسر تماماً المشهد الحالي في العراق , الصراع المحتدم الآن ليس صراعاً بين (( مشروع وطني خالص )) و(( مشروع عميل )) , بل هو في كثير من الأحيان صراع بين (( أجندات خارجية متعددة )) على أرض الرافدين , كل طرف يرى خيانة الطرف الآخر ولا يرى خيانته , تماماً كما رأى الوالي الأجنبي خيانة القائد العسكري , غياب (( المعيار الوطني الواحد )) جعل تهمة العمالة أداة للتسقيط السياسي بدلاً من أن تكون خطاً أحمر لحماية الدولة.

في شرح قاعدة مد اليد وعلاقتها بمفهوم الدولة , نفهم لماذا قال داود باشا (( لو لم تمتد يده إلى خارج الحدود؟ )) لأن امتداد اليد للخارج يعني خلخلة (( احتكار العنف والقرار )) الذي يجب أن تنفرد به السلطة - حتى وإن كانت سلطة احتلال أو ولاية - ان ما جرى في العراق بعد عام 2003 هو هدم هذا المفهوم من أساسه , الاحتلال جاء بـ (( مفهوم المكونات )) , وشرعن فكرة أن يكون لكل فئة أو حزب (( عمق إقليمي )) أو (( ظهير دولي )) , فما النتيجة ؟ تحول العراق من دولة تحاسب من يمد يده للخارج , إلى ساحة أصبحت فيها (( اليد الممدودة للخارج )) هي شرط الدخول في العملية السياسية , وأصبح (( القناصل )) المعاصرون يتدخلون في تفاصيل تشكيل الحكومات , وتعيين المفاصل الحساسة , بل وفي صياغة التوجهات الاقتصادية والثقافية.

ان عبرة استراحة المندلاوي هذه تقول : إن الوالي الأجنبي (رغم قسوته وغربته) كان يفهم ألفباء السياسة والحكم أكثر من القادة المحليين الذين استهواهم مال القنصل وشفاعته , وإن (( أرض السواد )) لم تكن مجرد رواية تاريخية عن بغداد والعراق في القرن التاسع عشر , بل كانت نبوءة سياسية خطّها قلم عبد الرحمن منيف ليقول لنا : إن الوجوه تتغير , والقناصل تبدلوا من (( ريتش )) إلى أسماء أخرى , والولاة تغيرت أزياؤهم , لكن (( الآفة )) التي تنخر في جسد العراق بقيت واحدة , وهم الاستقواء بالخارج على حساب الداخل , إن ما وصفه عبد الرحمن منيف بـ (( الحكمة البالغة )) يمثل التراجيديا العراقية المستمرة , (( عليوي الآغا )) ليس مجرد شخصية تاريخية , بل هو رمز لكل سياسي أو قائد عسكري يظن أن المال الأجنبي أو شفاعة (( القنصل )) يمكن أن تبني له مجداً مستداماً على حساب وطنه , والوضع الحالي في العراق يؤكد أن البلد لن يستعيد عافيته إلا إذا قُطعت تلك (( الأيادي الممدودة خارج الحدود )) , وأدركت النخب السياسية أن الاحتماء بالداخل والشعب هو الضمانة الوحيدة , وأن (( القناصل )) – مهما بلغت قوتهم – يرحلون في النهاية وتبقى الأرض لأصحابها.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...
- مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الألي ...
- مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في ...
- مقامة داخل حسن : حميد سعيد في ذِكر شجيّ الناصرية .
- مقامة الغياب : تراتيل الصمت والتحمل .
- مقامة رومانسية الوفاء : قراءة في نص (( سيروي الزمان )) لساجد ...
- مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُربا ...


المزيد.....




- -فجأة- فيلم ياباني عن المسنين ينافس على السعفة الذهبية
- تجارب رقمية وإصدارات تربوية.. كتب الأطفال تخطف الأضواء في مع ...
- مهرجان كان السينمائي-رامي مالك على السجادة الحمراء مع فيلم - ...
- مقاومة بالضوء.. محاولات لبعث السينما اليمنية من تحت الركام و ...
- لم يكن تعاونه الأول مع المخرج محمد دياب.. ماجد الكدواني ضيف ...
- نصوص سيريالية مصرية مترجمة للفرنسية(مخبزُ الوجود) الشاعر محم ...
- -أسطول الصمود-يكشف هشاشة الرواية الإسرائيلية!
- مهرجان كان السينمائي- فيلم -الرقيب-: عن جنون العسكرة في عصرن ...
- مهرجان كان: المخرج الإسباني ألمودوفار يصف ترامب وبوتين ونتان ...
- مع عميد الصحافة الاستقصائية محمد خاتم.. كيف يتحول التحقيق ال ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدودة وراء الحدود.