أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .














المزيد.....

مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 11:13
المحور: الادب والفن
    


يطرح (( المندلاوي الجميل )) سؤالاً يصفه بالملحّ , مستذكراً فيه منصة مهرجان المربد السنوي عام 1972 في قاعة الموصل الشعرية , حين اهتزت القاعة لشاعر من اليمن ألهب الحاضرين بقصيدة (( أبو تمام وعروبة اليوم )) والتي يقول في مطلعها الشهير: (( ماذا أُحَدِّثُ عن صنعاء يا أَبَتِي؟ مَليحَةٌ , عاشقاها: السِّلُّ والجَرَبُ )) , هذا البيت للشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني , الذي عارض فيه رائعة أبي تمام (( السيف أصدق إنباءً من الكتب )) , واصفاً صنعاء بالمرأة الجميلة (( المليحة )) التي نهشها الفقر والأوجاع , مشبهاً حالها بحال (( وضاح اليمن )) الذي مات مظلوماً في صندوقه بلا ثمن , ورغم ذلك (( لم يمت في حشاها العشق والطرب )) , ومن رحم هذه الذاكرة , ينطلق سؤال المندلاوي ليدق ناقوس الواقع: (( أبقيت صنعاء محصورة في مدلولها الجغرافي , أم توسعت وانضمت إليها عواصم أخرى في التوصيف بعد الربيع العربي والحروب والغزو؟ )) .

لم يكن سؤال المندلاوي الملحّ مجرد تساؤل عابر , بل كان نبوءة ومكاشفة واجهت الواقع العراقي بمرآته الحقيقية بعد عام 2003 , فحين تساءل إن كانت (( صنعاء )) قد تمددت جغرافياً , كانت بغداد هي أولى العواصم التي فتحت ذراعيها لتتلقى هذا التوصيف البليغ وتتجرع الكأس ذاته , لقد تحول العراق بعد التغيير والغزو إلى مسرحٍ حيّ لمقاومة (( السل والجرب )) بمفهومه السيبراني والسياسي والاجتماعي , فبغداد , تلك (( المليحة )) التي طالما تغنى بها الشعراء , لم تكن بعيدة عن مصير شقيقتها اليمنية , إذ سرعان ما تكالبت عليها الأوجاع , ونخرت في جسدها الأمراض ذاتها التي وصّفها البردوني , لتصبح التوأم الروحي لصنعاء في ثنائية الجرح الممتد والجمال المقاوم.

ان إسقاط هذا النص البليغ على واقع العراق بعد عام 2003 يمثل مقاربة مؤلمة لكنها دقيقة جداً , فبغداد , وجميع المدن العراقية , تماهت مع (( صنعاء البردوني )) في تفاصيل الفاجعة والجمال معاً , وكأن البيت الشعري كُتِب ليعبر عن جرح ممتد عابر للحدود الجغرافية , ومثلما كانت صنعاء (( مليحة )) البردوني , فإن العراق هو سليل الحضارات , وبلد النهرين , والثروات , والثقافة (( المربد , شارع المتنبي , الشعر , والفن )) , ولكن بعد عام 2003 , تحول هذا الجسد المليح إلى فريسة لـ (( سلّ وجرب )) من نوع آخر , السلّ السياسي والفساد الذي نخر عظام الدولة ومؤسساتها , وحوّل بلداً يسبح على بحيرات من النفط إلى بلد يعاني من نقص الخدمات الأساسية , والبطالة , وتهالك البنى التحتية , وجرب الطائفية والإرهاب الذي نهش النسيج الاجتماعي العراقي لسنوات ( من حرب أهلية , وتفجيرات , وصولاً إلى اجتياح داعش )) , وهي أمراض (( حكّت )) جسد الوطن وأدمته , وشوهت ملامحه الجميلة بخراب البصرة والموصل والأنبار وبغداد.

في قصيدته , يُشبه البردوني حال صنعاء بحال (( وضاح اليمن )) الذي مات مدفوناً ومظلوماً في صندوق , وبعد 2003 , تحول المواطن العراقي إلى (( وضاح )) متكرر: الإنسان العراقي (( المثقف , الخريج , العامل , والشاب الطامح )) وجد نفسه محاصراً داخل (( صندوق )) من المحاصصة , والفقر , والاغتيالات , وتكميم الأفواه , ففي أحداث تشرين وما بعدها , جيل كامل من الشباب العراقي صرخ بوجه الظلم ومات (( بلا ثمن )) في ساحات الاحتجاج , باحثاً عن وطن سُرق منه , تماماً كما دُفن وضاح بسبب صمته أو بسبب سطوة السلطة.

ورغم الحروب والحصار والمفخخات , لم يمت (( العشق والطرب )) في حشا العراق هذا هو الجزء الأكثر إشراقاً وتطابقاً مع الحالة اليمنية , فرغم كل المآسي بعد 2003 , بقيت المقاهي الثقافية في بغداد ممتلئة , واستمر المبدعون العراقيون في الكتابة والرسم وعزف العود وسط الركام , وتجلى هذا العشق في تلاحم العراقيين في الأزمات , وفي إصرارهم على الحياة , الفرح , وحب كرة القدم , والاحتفال بالجمال رغم كثرة الجنائز , إنها (( سخرية الحياة )) العراقية التي تقهر الموت بالابتسامة.

وإجابةً عن سؤال المندلاوي , نعم , لقد توسعت (( صنعاء )) ولم تعد محصورة في مدلولها الجغرافي , فبعد 2003 , انضمت بغداد إليها كشقيقة كبرى في المعاناة , لقد أصبح (( أبو تمام )) المعاصر يقف مذهولاً ليس أمام صنعاء فقط , بل أمام بغداد التي عارضت كل قصائد الفخر التاريخية , لتكتب بدمائها واقعاً جديداً يثبت أن (( الغزو والحروب )) قد يغيرون الأنظمة , لكنهم غالباً ما يتركون الأوطان الجميلة تصارع أمراض (( السل والجرب )) السياسي والاجتماعي , بانتظار أن تعود المعشوقة المليحة إلى كامل عافيتها.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .
- مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .
- مقامة قراءة في شذرات القيلولة .
- مقامة أسطورة المدني .
- مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التب ...
- مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .


المزيد.....




- الروائي محمد تركي الدعفيس: المنفى يخلّف ندوبا والحنين محرض د ...
- بمساعدة الذكاء الاصطناعي.. الموسيقي صامويل سميث يهزم -باركنس ...
- لسان آدم وأصل الحضارة: هل اللغة العربية هي المنطلق الأول للأ ...
- زخاروفا: الاستهداف المتعمّد للمواقع الثقافية أو تدميرها بشكل ...
- الرسوم الدراسية العالقة تحاصر أحلام الخريجين في غزة
- كريم عبدالعزيز يبدأ تصوير فيلم -الفيل الأزرق 3-
- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .