أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .















المزيد.....

مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 09:29
المحور: الادب والفن
    


لم يكن التصريح الأخير للإعلامي السعودي البارز داوود الشريان مجرد اعتراف عابر , بل بدا وكأنه (( صحوة ضمير )) طال انتظارها , أو ربما مراجعة نفسية يفرضها التقدم في السن والوقوف على أعتاب خريف العمر , حين يقترب المرء من السبعين , تتقلص أمامه بريق المناصب وتتلاشى المغريات الزائلة , ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام مرآة الحقيقة , مدفوعاً برغبة ملحة لتطهير الذاكرة , وجاء الاعتراف ثقيلاً كبراءة ذمة متأخرة بعد أن احترق كل شيء , لقد أقر الشريان بممارسة التزييف , وفبركة الروايات , وترويج قصص خيالية حول انتهاكات الجيش العراقي إبان أحداث عام 1990 , قصصٌ صيغت بعناية لشيطنة كل ما هو عراقي , ولم تتوقف تلك الماكنة الإعلامية عند حدود المعركة , بل تحولت إلى نهج يومي استمر طيلة سنوات الحصار الجائر , وصولاً إلى الغزو والاحتلال عام 2003.

لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم : ماذا سيجني العراق وشعبه من هذه الاعترافات المتأخرة ؟ وهل يملك بقية الرواد من صناع الرأي العام الشجاعة ذاتها للمكاشفة , أم أن الحفاظ على (( ماء الوجه )) والمكتسبات القديمة أثمن عندهم من قول الحقيقة ؟ والمفارقة الساطعة هنا تكمن في المقارنة , فبالرغم من سنوات الحرب الثماني الطاحنة بين العراق وإيران , بكل ما حملته من مآسٍ , إلا أن الخطاب الإعلامي الرسمي للبلدين ظل محتفظاً بحدود أدنى من الانضباط ولم يقترب من الخطوط الحمراء للكرامة الوطنية , ولم نشهد إهانة علنية للرموز السيادية كالعلم مثلما فعلت بعض الشاشات العربية التي مزقته أمام الكاميرات بلا خجل , إن هذه التراجعات , وإن كانت تمنح أصحابها راحة نفسية مؤقتة , فإنها تظل بلا قيمة حقيقية لبلد جُرف بالكامل وتجرع مرارة الخراب بسبب تلك الأكاذيب.

وفي أصداء الشارع وقراءة في ردود الأفعال والتعليقات , وجدنا ان هذا الاعتراف قد أثار موجة عارمة من ردود الأفعال المتباينة بين النخب والجماهير العراقية , والتي تراوحت بين الترفع عن هذه الصحوة , والتذكير بحجم المؤامرة , ويرى قطاع واسع من العراقيين أن بلدهم بتاريخه وعمقه القومي ليس بحاجة إلى شهادات متأخرة من (( أبواق )) ساهمت في تدميره ليثبت نظافة سريرته , فالتاريخ كفيل بفرز المواقف الحرة عن تلك المأجورة , وتسمية الأشياء بمسمياتها , حيث استذكرت بعض التعليقات أسماء إعلامية بارزة قادت الملف الإعلامي المضاد للعراق لسنوات طويلة (( أمثال عبد الرحمن الراشد )) , متهمين إياهم باللؤم الممنهج وشراء ذمم الأقلام العربية لعزل العراق في محنته وتشويه صورته , ويرى آخرون أن هذا الاعتراف ما هو إلا غيض من فيض الخذلان الذي تعرض له العراق من محيطه , ومع غياب العدالة الأرضية , تظل القناعة راسخة بأن (( عند الله تجتمع الخصوم )) ,وأن دماء الأبرياء التي سفكت نتيجة التحريض ستلاحق المحرضين في الدنيا والآخرة , بل ذهب بعض المحللين إلى أبعد من ذلك , حيث ربطوا هذه الصحوة المفاجئة بمنظور سياسي وواقعي , معتبرين أن استشعار الخليج اليوم وفي اطار الخوف من القادم واستذكار جدار الصد , معتبرين أن استشعار الخليج اليوم بالخطر الإقليمي المحدق به , هو ما جعل إعلامييه يستذكرون - بندم - كيف أنهم ساهموا في هدم جدار الصد الحقيقي (( العراق )) الذي كان يحمي المنطقة ويوفر لها الأمان لشعوبها .

حين نقرأ في سفر التراث العربي والتحولات الإنسانية , نجد أن (( مراجعة الذات )) في خريف العمر , أو عند الاستفاقة من سكرة السلطة والجاه , هي ظاهرة إنسانية متكررة , وقد حفِل تاريخنا الفكري والسياسي والأدبي بشخصيات مارست (( النقد الذاتي )) وأعلنت ندمها على مواقف سابقة , سواء كانت مواقف فكرية , أو سياسية , أو أقلاماً وظفتها السياسة في مرحلة ما , ويُعد الإمام أبو حامد الغزالي من أصدق من كتب في (( النقد الذاتي )) , فقد كان في أوج مجده الثقافي والسياسي , رئيساً للمدرسة النظامية في بغداد - وهو منصب يوازي رئيس مؤسسة إعلامية وفكرية كبرى بمقاييس اليوم - وكان مقرباً من السلاطين والخلفاء ويوجه الرأي العام العباسي والسلجوقي , وفي سن الرابعة والأربعين , أصابته أزمة نفسية وفكرية حادة , وشعر أن علمه وجاهه لم يكن خالصاً لوجه الحقيقة , بل كان مشوباً بطلب الجاه والمنافسة , فاعتزل الناس , وترك بغداد , وألف كتابه الشهير (( المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال )) , وفيه تشريح دقيق لندمه على سنوات الجاه الشكلي , والبحث عن الحق بعيداً عن بريق المناصب.

وفي العصر الأموي , كان عبد الحميد الكاتب هو (( مهندس البروباغندا )) والخطاب الرسمي للدولة الأموية , وكان يدير الماكنة الإعلامية (( الرسائل السلطانية )) التي تشرعن بقاء بني أمية وشيطنة خصومهم , وكانت المراجعة المتأخرة قبيل سقوط الدولة الأموية , وتحديداً في رسالته الشهيرة إلى الكتاب (( أقرانه )) , وفي وصاياه الأخيرة , حين ظهرت نبرة مراجعة ونوع من الأسى على المبالغات السياسية والتملق للدول , وكيف أن الكاتب قد يبيع حبره لمن غلب , محذراً إياهم من مصارع السوء ومغبة الدخول في دماء الناس بالقول والتحريض.

وعن ندم الشعراء على (( الأقلام المستأجرة )) , حيث كان الشعر في التراث كان بمثابة (( الفضائيات والصحافة )) في عصرنا الحالي , به تُخاض الحروب , وتُشوه سمعة القبائل والدول أو تُرفع , نجد ان أبا العتاهية بعد سنوات طويلة من مدح الخلفاء والملوك ونيل جوائزهم , أعلن توبته وزهده , والتمس (( براءة ذمة )) شهيرة في قصائده الزهدية , معتبراً أن كل ما قاله في مدح الملوك كان كذباً وتملقاً لا قيمة له , وأبو نواس في أواخر عمره , التفت إلى ماضيه الإعلامي والشعري في مجالس اللهو والسياسة , فكتب مستغفراً ونادماً على ما جره قلمه ولسانه من تضليل للناس.

ان المشترك بين هذه الحالات التاريخية وبين (( صحوة الشريان )) أو غيره من صناع الرأي في عصرنا , هو (( عامل الزمن )) , فالإنسان عندما يرى (( الموت أقرب إليه من منصب كبير )) تسقط من عينيه الحسابات الأرضية , فبسبب الخوف من المحاكمة الأخلاقية والتاريخية , يدرك الكاتب أو الإعلامي أن التاريخ لا يرحم , وأن ما كُتب أو قيل بالصوت والصورة سيبقى إدانة طالما لم يتبعه صك اعتراف صريح , والاعتراف في السبعين أو الثمانين هو محاولة أخيرة لإعادة صياغة (( الخاتمة )) الشخصية , ليموت المرء وفي ظنه أنه أرضى ضميره , حتى وإن كان الاعتراف لا يعيد وطناً تهدم ولا دماً سُفك.

خلاصة القول: يبقى العراق , برغم الجراح والطعنات , جداراً منيعاً بأقلامه الحرة ووجوه أبنائه البيضاء , بينما تظل الاعترافات المتأخرة مجرد شهادة إدانة تاريخية مسجلة ضد أصحابها , دون أن تغير من واقع الدَّمار الذي شاركوا في صنعه شيئاً , وكما قيل قديماً في مأثورنا التراثي : (( إن من العقوبة أن يُترك المسيء حتى يرى عاقبة إساءته بنفسه )) , والاعتراف المتأخر هو إقرار بعاقبة تلك الإساءة .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة قراءة في شذرات القيلولة .
- مقامة أسطورة المدني .
- مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التب ...
- مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...


المزيد.....




- المتنبي الخفي.. كيف تصنع الثقافة سوقا موازية وسط بغداد؟
- شاهد.. فنان يحوّل أقدم جسر في باريس إلى كهفٍ هوائيٍّ ضخم
- من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل ...
- -لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ ...
- -في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش ...
- بابل الرقمية.. كيف أنهى الذكاء الاصطناعي حاجز اللغة في الاتص ...
- من فوضى الألوان !! ..
- مسئولون أمنيون إسرائيليون ينتقدون حديث نتنياهو عن تجاوز اللي ...
- الفلسطيني «يموت» والإسرائيلي «يُقتل».. كيف تصنع اللغة انحياز ...
- إِخْترْنَا لَك نصّ سِيريالى (حين صِرْت سُؤالاً) الشاعرمحمداب ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .