أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة قراءة في شذرات القيلولة .














المزيد.....

مقامة قراءة في شذرات القيلولة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 11:19
المحور: الادب والفن
    


نشر أبراهيم البهرزي نصا بعنوان (( طرائف القيلولة )) , تضمن ثلاثة مقاطع , الأول : (( تبدو الحرية فكرة جميلة حين تُقرأ , لكنها في الواقع غرفة فارغة , لا أحد يخبرك ماذا تفعل بعد أن تُغلق الباب خلفك , تقف وحدك , وتفهم متأخرًا أن الاختيار شكل آخر من العزلة )) , والمقطع الثاني : (( العبث لا يصرخ , يجلس قربك بهدوء , ينتظر أن تنتهي من تبرير حياتك , ثم يبتسم كمن سمع هذه القصة ألف مرة )) , ويختم بالمقطع الثالث : (( أضحك أحيانًا , ليس لأن شيئًا مضحكًا حدث , بل كي أختبر متانة القناع , السخرية آخر ما يتبقى حين تفشل المعتقدات في أداء دورها )) .

قيلولة البهرزي , ليست مجرد نومٍ في منتصف النهار , بل هي تلك المنطقة البرزخية الفاصلة بين الوعي واللاوعي , حيث تستيقظ الأسئلة المزعجة وتتعرى الحقائق , فتحت هذا العنوان المخادع والمفارِق (( طرائف القيلولة )) , نحن لا نقف أمام نكات عابرة أو طرائف خفيفة , بل أمام تأملات وجودية شديدة العمق ومغلفة بوعي حاد وسخرية سوداء , وبشذرات ثلاث , يعرّي البهرزي الواقع دون صراخ , وبعبارات مكتوبة بلغة مكثفة وشاعرية , ميزتها أنها تحمل نبرة تصالح بارد مع المأساة الوجودية , وتسميتها بـ (( طرائف القيلولة )) هي ذروة السخرية , فبينما يتوقع القارئ استراحة خفيفة , يجد نفسه في مواجهة مرآة تكشف قلقه الوجودي الأكثر عمقاً.

تحتوي الشذرة الأولى على(( فخ الحرية )) , عندما يقول : (( تبدو الحرية فكرة جميلة حين تُقرأ , لكنها في الواقع غرفة فارغة )) , هاهو ينتقل من تمجيد الحرية كشعار (( رومانسي )) إلى تشريحها كعبء وجودي , فلطالما كانت القواعد والقيود مريحة لأنها تمنح الإنسان خريطة جاهزة للمشي عليها , أما عندما تنال حريتك الكاملة , وتغلق الباب على نفسك , تجد روحك في مواجهة (( الفراغ )) , ولو دخلت الى المعنى العميق ستراه يتقاطع مع الفلسفة الوجودية , تحديداً سارتر في فكرة (( الإنسان محكوم عليه بالحرية )) لأن الحرية تعني المسؤولية المطلقة عن كل قرار , وهذا هو منبع القلق والوحشة , أنت لست حراً مع الآخرين , أنت حر تماماً حين تكون وحيداً , مما يجعل الاختيار مرادفاً للعزلة.

نأتي لثاني شذرة (( هدوء العبث )) او المراقب الصامت , حين يقول : (( العبث لا يصرخ , يجلس قربك بهدوء , ينتظر أن تنتهي من تبرير حياتك )) , وتصوير العبث هنا عبقري , فهو ليس حالة من الفوضى الصاخبة أو الجنون الصارخ , بل هو كائن هادئ , واثق , وصامت , نحن نقضي حياتنا في اختراع مبررات , وأهداف , ومعانٍ لأفعالنا (( العمل , النجاح , العلاقات )) لنهرب من حقيقة ((عبثية الوجود )) , وابتسامة العبث هي ضربة قاضية للمثالية البشرية , إنه كالحكيم الصامت الذي يراك تبني قصوراً من الرمل , يعلم أنها ستزول , لكنه يتركك تكمل قصتك الشغوفة (( التي سمعها ألف مرة )) من قبلك , مدركاً أن الحقيقة الوجودية واحدة في النهاية.

والشذرة الثالثة (( اختبار القناع )) والسخرية كآلية دفاع , كما يظهر في قوله : (( أضحك أحيانًا , ليس لأن شيئًا مضحكًا حدث , بل كي أختبر متانة القناع )) , أذن الضحك هنا ليس تعبيراً عن السعادة , بل هو أداة فحص وصيانة لـ (( البرستيج الوجودي )) أو القناع الاجتماعي الذي نواجه به العالم , البهرزي يضحك ليتأكد أن درعه الوجداني لم يتشقق بعد أمام ضربات الخيبة , والمعنى العميق (( السخرية آخر ما يتبقى حين تفشل المعتقدات )) فعندما تسقط الأيديولوجيات , والوعود الكبرى , والمعتقدات التي كانت تعطي للحياة طمأنينة , لا يتبقى للإنسان سوى (( السخرية السوداء )) كوسيلة أخيرة للنجاة وتخفيف الألم , السخرية هي الترياق ضد الانهيار الكامل.

في المحصلة , يعرّي البهرزي الوجود البشري دون صراخ , وينسج من خطوط القيلولة العابرة شباكاً لاصطياد الأسئلة الكبرى , صائغاً قلقه في عبارات مكثفة تقطر شاعريّة , تمتاز بنبرة تصالح بارد مع المأساة , إن تسمية هذه التأملات بـ ((طرائف القيلولة)) هي ذروة الكوميديا السوداء , فبينما يلوذ القارئ بالسرير بحثاً عن استراحة خفيفة وهرباً من هجير الواقع , يجد نفسه مستيقظاً في برزخ المساءلة , يواجه مرآة تكشف قلقه الوجودي الأكثر عمقاً , ليصحو من قيلولته محملاً بوعي جديد , وعيٌ يرى في السخرية الملاذ الأخير , وتكمن المفارقة المدهشة في العنوان ذاته , إذ تحولت ((الطرائف)) إلى مباضع جراح تفكك الأوهام , ليتفاجأ القارئ الذي تنحنح طلباً لفاصل من التسلية , بأنه يقف عارياً أمام مرآة الوجود , يتأمل قناعه , ويختبر متانة عزلته .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة أسطورة المدني .
- مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التب ...
- مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.


المزيد.....




- -في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش ...
- بابل الرقمية.. كيف أنهى الذكاء الاصطناعي حاجز اللغة في الاتص ...
- من فوضى الألوان !! ..
- مسئولون أمنيون إسرائيليون ينتقدون حديث نتنياهو عن تجاوز اللي ...
- الفلسطيني «يموت» والإسرائيلي «يُقتل».. كيف تصنع اللغة انحياز ...
- إِخْترْنَا لَك نصّ سِيريالى (حين صِرْت سُؤالاً) الشاعرمحمداب ...
- مصر.. فيديو فنانة استعراضية يُعتدى عليها بغرفة فندق والأمن ي ...
- فيلم وثائقي ساحر يكشف التفاوت المناخي في الخليج الفارسي  
- متحدث الخارجية الإيرانية: لا ينبغي لأي من الأطراف الغربية اس ...
- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة قراءة في شذرات القيلولة .