أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .














المزيد.....

مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 13:18
المحور: الادب والفن
    


يأتي العيدُ مجدداً , يطرق الأبوابَ مستأذناً في الدخول , لكنه يقف حائراً على عتبة وطنٍ غيّر الاحتلالُ ملامحه , وترك في كل زاوية منه ندبة , كُلُّ عَامٍ وَنَحْنُ نُحَاوِلُ أَنْ نَبْتَهِجَ , وسطَ بلادٍ أثقلتها الكآبة , وشرخَتها الانقسامات , حتى غدا الفرحُ فيها غريباً , والتفاؤلُ ضرباً من الوهم , كُلُّ عَامٍ وَالْجَهْلُ يَحْكُمُ طُقُوسَنَا , حيث يساقُ الكثيرون كالقطيع , يصفقون لمن استعبدهم , ويرددون شعاراتٍ لا يفقهون خلفياتها , ويهللون لجلاديهم في مفارقةٍ تدعو للبكاء والضحك في آنٍ واحد , كُلُّ عَامٍ وَنَحْنُ نَبْحَثُ عَنِ الْحُبِّ , ذاك الذي اضمحلَّ وتوارى خلف جدران الأنانية والمصالح الضيقة , بعد أن كان يعمر القلوب ويداوي الجراح.

يأتي العيدُ مجدداً , يدور في فلك المواعيد والرزنامات , لكنه حين يمرّ ببلادنا , يخلع بهجته عند الحدود , فلا يجد وراءها سوى هياكل أوطانٍ نخرها الاحتلال , ومجتمعاتٍ استعذبت القيود حتى نسيت طعم الحرية , إنها (( معايدة )) ترفض النفاق السائد , وتأبى أن تضع مساحيق التجميل على وجه واقعٍ مشوه , في بلادٍ كبّلها الغريب وخذلها القريب , كُلُّ عَامٍ وَبِلادُنَا تَغْرَقُ فِي كَآبَتِهَا المُرَّة , هذا الوطن الذي كان يوماً منبعاً للضوء , بات اليوم أسيراً تحت وطأة احتلالٍ لم يسلب الأرض وفقط , بل سطا على المستقبل , وشتت الهوية , وزرع الخوف في الأزقة , العيدُ هنا لا يجد بيوتاً يملؤها الفرح , بل يجد جدراناً متعبة , وأمهاتٍ يتدثرن بالصبر , وشوارعَ تفتقد الأمان , وذاكرةً جماعيةً مثقلةً بالخذلان والفقد.

نحكي عن وعيٍ مُغيَّب , وقَطيعٍ يُسَاق , كُلُّ عَامٍ وَالجَهْلُ يَحْتَفِلُ بِانْتِصَارِهِ النَّمُوذَجِيّ , في العيد , تتبادل الجموع التهاني المكررة , ويمارسون الطقوس بآليةٍ مفرغة من المعنى , يتصرفون كالقطيع الذي يتبع الراعي حتى وإن كان يقودهم إلى المقصلة , إنه الجهلُ المقدس الذي يجعل المظلوم يبرر للظالم , ويدفع الضحية للتصفيق للجلاد , لقد نجح الاحتلال في هندسة العقول , وتحويل الشعوب إلى أدواتٍ تطحن نفسها بنفسها , في مشهدٍ تراجيدي يثير الشفقة والاشمئزاز معاً.

انها عواطف جفّت , وحُبٍّ اضمحلّ , كُلُّ عَامٍ وَالْحُبُّ يَلْفِظُ أَنْفَاسَهُ الأَخِيرَة , لقد جفت الينابيع التي كانت تغذي الأرواح , في زمن الضنك والخوف , تراجعت القيم الإنسانية , واضمحل الحب ليحل محله منطق البقاء للأشرس , والأنانية المطلقة , والمصالح الضيقة , حتى العلاقات الإنسانية لوثتها الحسابات , وصار العيدُ مناسبةً للمظاهر الكاذبة والابتسامات الباهتة التي تُخفي وراءها قلوباً قاسية غادرها الدفء.

انها مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا , خَارِجَ السِّيَاقِ و(( تَتِمَّةُ الِانْكِسَارِ )) , ولكي نصوغ هذا الامتداد الموجع ليكون قلباً للمعايدة , وحين نأتي على ذكر الحب في هذا الزمن , ندرك الفاجعة الأكبر: حَتَّى الحُبُّ أَصْبَحَ سِيَاقُهُ خَارِجاً عَنِ السِّيَاقِ , لقد غدا الحبُّ في بلادنا غريباً , متسللاً , كمن يرتكب جريمةً أو يهرب بوعيه , كيف للحب أن ينمو في تربةٍ سمّمها الاحتلال , وسقاها جهل قطيع يقدس كاهنه , ويرتاد الموت ؟ الحب كـ (( تَكْلِفَةٍ )) لا تُحتمَل في واقعٍ يطحن الإنسان لأجل رغيف الخبز والأمان , صار الحب عبئاً عاطفياً ومادياً يعجز عنه المنهكون , الحب كـ (( لُغَةٍ مَهْجُورَةٍ )) عندما تتبلد العقول بفعل الجهل الممنهج , تجفّ الأرواح , تصبح المشاعر الصادقة عملةً ملغاة , ويُستبدل بالحب علاقاتٌ نفعية , وزيجاتٌ ميكانيكية , وصداقاتٌ تحكمها المصلحة والخوف , الحب كـ (( فِعْلِ تَمَرُّدٍ )) , أن تحب في مجتمعٍ كهذا , يعني أنك تسبح عكس التيار الجارف , يعني أنك تملك قلباً لم يستطع المحتل كسر رِقّته , ولم ينجح الجهل في تدجين وعيه , إنّ كينونة الحب اليوم أصبحت شاذة عن (( السياق العام )) , فالقطيع لا يعرف الحب , بل يعرف التبعية والغرائز الجماعية , والمحتل لا يزدهر إلا حيث تموت الرأفة وتنمو الأنانية.

وحين يصبح الحب نفسه خارجاً عن السياق , فإننا لا نتحدث عن أزمة سياسية أو اقتصادية فحسب , بل عن انهيار وجودي كامل , ففي مناخٍ محكوم بالاحتلال والجهل , يتحول الحب من غريزة بقاء إنسانية ونبع للدعم , إلى (( رفاهية )) لا مكان لها , أو شذوذ عن القاعدة الجافة التي تفرضها البلادة الجماعية , إن هذه المعايدة ليست دعوة لليأس , بل هي مرآةٌ صادقة نضعها أمام مجتمعٍ يهرب من حقيقته , هي تحيةٌ لقلةٍ قليلة من الأحرار الذين لم تلوثهم لوثة القطيع , ولم تنطلِ عليهم ألاعيب المحتل , وما زالوا يقبضون على جمر الوعي والحب في زمن الرماد , (( كُلُّ عَامٍ وَأَنْتَ بِوَعْيِكَ.. فَهِيَ النَّجَاةُ الوَحِيدَةُ المُتَبَقِّيَة )) , إنها عيديةٌ خارجةٌ عن سياق النفاق الجماعي , صرخةٌ في وجه واقعٍ مأزوم , تذكيرٌ بأن العيد الحقيقي لن يكتمل إلا بوعي الشعوب , وانقشاع الظلم , وعودة الروح لوطنٍ يستحق الحياة , ورغم كل شيء , أرجو لكَ ولعقلك الحر ثباتاً ونوراً في هذا الظلام.

كُلُّ عَامٍ وَأَنْتَ (( خَارِجَ السِّيَاقِ )) تَحْمِلُ قَلْباً قَادِراً عَلَى الحُبِّ , رَغْمَ أَنَّ الحُبَّ فِي بِلادِنَا بَاتَ تهمةً , أو معجزةً , أو مأساةً أُخْرَى تُضَافُ إِلَى قَائِمَةِ الأَحْزَانِ.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...
- مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الألي ...
- مقامة خريف العمر أم ربيع الروح ؟ : تأملات في نص (( امرأة في ...


المزيد.....




- إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو ...
- ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى ...
- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...
- المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق ...
- -بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا ...
- هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي ...
- تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب ...
- أزياء عربية تصدّرت مشهد الموضة في مهرجان كان السينمائي
- قراءات أدبية: لديوان حصاد العصافير: الشاعر يتأمل حصاد حياته ...
- الجزيرة تحصد 12 جائزة في مهرجان نيويورك للتلفزيون والأفلام 2 ...


المزيد.....

- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .