أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .














المزيد.....

مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 00:05
المحور: الادب والفن
    


في مِحراِب الفكرِ الذي شَيّد أركانه الدكتور المندلاوي , نجدُ أنفسنا أمام جدليةٍ أزليةٍ تُحيلُ الوجعَ إلى وهج , وتجعلُ من الأنينِ ترنيماً للخلود , حين استدعى المندلاوي عبارة الشاعر الفرنسي (( ألفريد دي موسيه )) المنقوشة على جدارِ الزمانِ بباريس: (( لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم )) , لم يكن يفتحُ نافذةً على الأدبِ الغربي فحسب , بل كان يجسّر الهوة بين وعيٍ كونيّ وفطرةٍ شرقيةٍ غارقةٍ في مكابدة الوجود , إنها دعوةٌ للتأمل في سيكولوجية العظمة , حيث لا يغدو الألمُ مجردَ طارئٍ بيولوجي , بل هو المختبرُ الحقيقي الذي يُصهر فيه المعدن الإنساني ليخرج تِبْرًا خالصاً.

يطرح نص المندلاوي رؤية فلسفية عميقة حول سيكولوجية العظمة , والعلاقة الجدلية بين المعاناة والإبداع , و(( الألم كمختبر للعظمة )) , وتستند العبارة المنقوشة على تمثال (( دي موسيه )) إلى فكرة أن الرخاء قد يصنع السعادة , لكنه نادراً ما يصنع (( العمق )) , والألم كمحرك للوعي في المعاناة التي تجبر الإنسان على التساؤل والبحث عن أجوبة وجودية , بينما الاستقرار قد يؤدي إلى الركود الذهني , وحول تجاوز الذاتحيث العظمة هنا لا تعني الشهرة , بل تعني القدرة على تحويل (( الوجع الذاتي )) إلى (( نتاج إنساني )) يتجاوز حدود الفرد ليلهم الملايين .

في كيمياء النفس , الوجع كمادة خام للإبداع , إن القوة الكامنة في الألم لا تكمن في (( الوجع )) لذاته , بل في كونه قوة دافعة تكسر قشرة الذات السطحية لتصل إلى أعماق الوعي , إن العظمة التي يتحدث عنها النص هي تلك التي تنجح في عملية (( التسامي النفسي )) , حيث يعجز الإنسان العادي عن احتمال الضغط فيتحطم , بينما يقوم (( المبدع العظيم )) بإعادة تدوير هذا الضغط ليحوله إلى طاقة تعبيرية , هنا يبرز الألم كشرطٍ للمعرفة , فالسعادة المفرطة غالباً ما تمنحنا إجابات جاهزة , أما الألم العظيم فهو الذي يطرح الأسئلة الكبرى , وهو الذي يجبر الروح على أن تتسع لتستوعب التناقضات البشرية , محولاً الصرخة الذاتية إلى سمفونية إنسانية خالدة.

وفي الميتافيزيقيا الشرقية والبعد الثقافي لعبارة (( الشرق والوجع الفطري )) , يشير طرابيشي إلى (( فطرة الشرق)) في معرفة هذه الحقيقة , وهذا تحليل سوسيولوجي لافت , حول تاريخ من المحن , ربما يعود هذا الفهم الفطري في الشرق إلى تاريخ طويل من الحروب , الأزمات , والتحولات الكبرى التي جعلت من (( الصبر على الألم )) فضيلة مركزية , وهناك الميتافيزيقيا الشرقية في الأدب والتصوف الشرقي , يُنظر للابتلاء غالباً كـ (( تصفية للمعدن الإنساني )) , والألم ليس عقاباً , بل هو (( نار )) تخلص الذهب من الشوائب , ونجد قداسة الابتلاء في أن الوجع في الوعي الجماعي الشرقي ليس مجرد قدرٍ عابر , بل هو (( طقس عبور )) نحو الحكمة , ففي الموروث الصوفي والأدبي الشرقي , يُنظر إلى المحنة بوصفها (( منحة )) مغلفة بالصعاب , حيث القلب لا ينفتح إلا إذا انكسر , هذا الفهم الفطري جعل من (( الإنسان الشرقي )) كائناً صبوراً بطبعه , يرى في الصبر نضجاً وفي المعاناة تزكيةً للنفس , إنها رؤية ترى الوجود كـ (( فرنٍ )) لصقل الأرواح , مما جعل الإبداع الشرقي يتسم بنبرة حزينة لكنها شامخة , نبرة تدرك أن الضوء لا يدخل إلى الكيان الإنساني إلا من خلال تلك الشقوق التي أحدثتها الجراح.

دعونا نتسائل , هل الألم شرط إلزامي ؟ رغم بلاغة المقولة , إلا أنها تحتمل النقاش من منظور علم النفس الحديث , فهناك فرق رفيع بين (( الألم الذي يصنع صاحبه )) وبين (( الألم الذي يكسره )) , لذا فأنها ليست قاعدة مطلقة, لأن الكثير من الآلام العظيمة قد تؤدي إلى الانكسار أو الضياع بدلاً من العظمة , ما لم تتوفر (( المرونة النفسية )) والبيئة الحاضنة للإبداع , وبخصوص تمجيد المعاناة , أحياناً يُستخدم هذا الفكر لتبرير القهر أو القبول بالواقع المرير بحجة أنه (( سيصنع منا عظماء )) , وهو فخ يجب الحذر منه.

النص يعكس رؤية نخبوية وتراجيدية للحياة , فهو يرى أن الجمال الحقيقي والعظمة الخالدة لا تولد إلا من رحم (( المخاض )) العسير , جورج طرابيشي , بربطه بين الفكر الغربي (( دي موسيه )) والوجدان الشرقي , يحاول أن يقول إن الإنسانية تلتقي في نقطة واحدة , أن الدموع هي الزيت الذي يضيء قنديل العبقرية , فلا أعتقد انه يمكن للإنسان أن يصل إلى قمة نضجه الفكري والروحي في حياة هادئة تماماً وخالية من (( الآلام العظيمة )) .

ختاماً , إنّ ما نادى به (( جورج طرابيشي )) في قراءته لـ (( عصفور من الشرق )) , وما عززه (( المندلاوي )) في طرحه , يضعنا أمام الحقيقة العارية : إنّ الإنسانية , رغم تباين جغرافيتها , تلتقي عند وحدة المعاناة , فإذا كان الفكر الغربي قد صاغ الألم في قوالب فلسفية , فإن الوجدان الشرقي قد عاشه (( ناراً )) للتطهير وصقلاً للروح , وبين هذا وذاك , يبقى الألمُ سيفاً ذو حدين , فإما أن يكون الزيت الذي يُضيء قنديل العبقرية كما أشرنا , وإما أن يكون معولاً للهدم , لكن الثابت الأكيد , أنه لا نضجَ يكتملُ في الظلال الباردة , فالقممُ العالية لا تُطالُ إلا عبر ممراتِ المخاض العسير , وكأنّ العظمةَ ضريبةٌ باهظةٌ لا تُدفعُ إلا من أرصدةِ القلوبِ المتعبة .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...
- مقامة الجرح المبتسم : بيان الصمود الصامت واطلالة الألم الألي ...


المزيد.....




-  فيلم وثائقي: حين يصبح حياد سويسرا مادة للكوميديا الساخرة
- المشتقات النفطية العراقية: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في ب ...
- إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو ...
- ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى ...
- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...
- المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق ...
- -بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا ...
- هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي ...
- تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب ...
- أزياء عربية تصدّرت مشهد الموضة في مهرجان كان السينمائي


المزيد.....

- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .