أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أسطورة المدني .














المزيد.....

مقامة أسطورة المدني .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 16:56
المحور: الادب والفن
    


مقامة أسطورة المدني :
كان ذلك قبل ثلاث وأربعين سنة , عندما نشر السيد عبد الحليم المدني ديوانه (( خطوط على جدران الزمن )) الذي وزعه على حضور ملتقى مقهى ابو رقية مؤخرا , وبنص مستل من هذا الديوان يحمل شحنة شعرية عالية , وينتمي إلى قصيدة النثر الحديثة التي تعتمد على تكثيف الصورة , وتراسل الحواس , ومزج المقدّس بالمبتذل (( أو اليومي )) لخلق حالة من الاغتراب الوجداني والروحي , يقول : (( تقول الأسطورة : خرجت من قعر عيون الرب زنبقة بيضاء , تستمطر ذاك الجدب , تعطي الق الأيام بهاء وصلاة في غسق صيفي , لتقيم بأرض محروقة قداسا لمسيح مصلوب , يخرج من قاع البحر يحمل انجيلا وبخورا اعقاب سكائر في ركن الغسق الصيفي , ملاحظة اخرى : أقرأ في اليوم الأول من زمن الأقلاع ببحر التيه مرثية عشق همجية , القيت سلاحي ورفعت يدي أقرأ لحن الله الأول (( مثل قمر كانت خيوط عيني فضية )) , يظهر جليا ان صاحبنا من الشعراء الذين أبدعوا في كتابة قصيدة النثر بمهارة وإتقان من خلال‎ ‎جملته الشعرية التي تكون ‏ثاقبة في المعنى والدلالة , وبلغة رشيقة شفافة‎ ‎لكنها مشيّدة بالمعاني الجدلية .

تلك هي السريالية والغموض الشفيف , عندما لا يعطيك النص معنى مباشراً , بل يتركك تسبح في مناخ من الصور المتلاحقة (( بحر , غسق , زنبقة , سكائر , قمر )) , والمناخ النفسي الذي يسيطر على النص بمسحة من الحزن النبيل , الاغتراب , والبحث عن السكينة وسط الخراب (( الأرض المحروقة , بحر التيه )) , ثم الموسيقى الداخلية , بالرغم من أنها قصيدة نثر , إلا أن تكرار بعض الألفاظ (( مثل الغسق الصيفي )) , واختيار الكلمات الرنانة (( قداس , مرثية , التيه )) يخلق إيقاعاً باطنياً هادئاً يشبه الترتيل.

أسطورة الخلاص والواقع المشوّه , هذا الجزء مبني على مفارقة صادمة بين المثالية الأسطورية والواقعية المتهالكة , فالرمزية الدينية والجمالية - البداية النورانية - تبدأ الصورة بـ (( عيون الرب )) , (( زنبقة بيضاء )) , (( صلاة )) و(( المسيح المصلوب )) , هذه الرموز تحيل إلى الطهر , التضحية , ومحاولة انبعاث الحياة في (( أرض محروقة )) , وهي رمز للخراب الروحي أو الأوطان المدمرة , والزنبقة البيضاء هنا هي رمز الخلاص الروحي الذي يحاول (( استمطار الجدب )) , في حين ان المفاجأة الشعرية تأتي في الختام , المسيح المخلص لا يخرج من السماء بل (( من قاع البحر )) , ولا يحمل فقط إنجيلاً وبخوراً , بل يحمل أيضاً (( أعقاب سكائر )) , في (( ركن الغسق )) الذي يكسر قدسية المشهد فجأة لتهبط بنا إلى واقع إنساني مرير ومُتعب , أن هذا المزج هو جوهر )) الواقعية النفسية )) لشاعر يكتب من وسط الخراب - الأرض المحروقة - حيث لا يجد المبدع مفراً من التدخين على رصيف الخيبة , وكأن الكاتب يريد القول إن الخلاص نفسه بات ملوثاً برائحة القلق البشري , أو أن (( المقدس )) قد هبط ليعيش تفاصيل الإنسان المعاصر الضائع والمدخن والمثقل بالهموم , إنها صلاة لم تعد تقام في الكنائس بل في (( ركن )) معتم من أركان العزلة.

زمن الإقلاع والتبتل الوجودي ينقلنا من الأسطورة العامة إلى التجربة الذاتية , تجربة الاستسلام الجميل والتحول الروحي , (( زمن الإقلاع )) يوحي بالبداية أو التخلي - ربما الإقلاع عن الماضي أو عن عادات قديمة - لكن هذا الإقلاع يبدأ في (( بحر التيه )) , مما يعكس ضياعاً وحيرة , والقراءة هنا ليست ترفاً , بل هي (( مرثية عشق همجية )) , الهمجية التي تعني الفطرية , البدائية , والقوة العاطفية الجارفة غير الخاضعة لقوانين العقل , ثم الاستسلام الروحي (( ألقيت سلاحي )) , وإلقاء السلاح يعقبه رفع اليدين - إما للدعاء أو للاستسلام - الشاعر هنا يتخلى عن أدوات الحرب أو الدفاع , ليواجه الوجود بقلب عارٍ, هذه اللحظة من الضعف البشري هي في الحقيقة قمة السمو , حيث يتحول الاستسلام إلى رغبة في قراءة ((( لحن الله الأول )) .

باختصار , النص هو محاولة لإيجاد (( الجمال والمقدس )) في قلب (( الخراب واليومي )) , ورحلة ذاتية للتطهر عبر الاستسلام للحب أو للقدر , بعد تعب الحروب النفسية أو الواقعية , والصورة البصرية الختامية (( مثل قمر كانت خيوط عيني فضية )) تشبيه شديد العذوبة , وقد تشير (( خيوط العين الفضية )) إلى الدموع التي تلمع تحت ضوء القمر , أو نظرات التأمل الصافية والمليئة بالضوء بعد رحلة بكاء أو تجلٍّ روحي , لقد تحول الإنسان بعد إلقاء سلاحه إلى كائن نوراني يشبه القمر في فضيته وصفائه.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التب ...
- مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...


المزيد.....




- الفنانة السورية فايا يونان تعلن خطوبتها: -أجمل من أي صورة رس ...
- زاخاروفا تعليقا على حفل كاني ويست: أبواب روسيا مفتوحة لجميع ...
- التربية السورية توضح آلية تدريس اللغة الكردية.. تفاعل متباين ...
- من ساحات الحرب إلى عامه الـ105.. حكاية بطل روسي شهد قرنا من ...
- -كأن شيئاً لم يكن-.. قراءة في تجربة مسرحية مصرية تمزج بين تش ...
- السعودية حاضرة بقوة.. 10 آلاف شاب من 191 دولة يشاركون في مهر ...
- المجري بيتر ناداس.. رحيل كاتب جعل الذاكرة جسداً والتاريخ حيا ...
- رحيل يايوي كوساما عن عمر 97 عامًا.. فنانة حوّلت الهلوسات إلى ...
- بعد 20 عاما في المنفى.. الموسيقار الإيراني محسن نامجو يعود إ ...
- التعليم العالي: طالبة من جامعة عين شمس تحصد المركز الأول عال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أسطورة المدني .