أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التبعية .














المزيد.....

مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التبعية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 12:49
المحور: الادب والفن
    


يقتبس المندلاوي الجميل من رواية (( طريق التبغ )) للكاتب الأمريكي إرسكين كالدويل ما يحمل عمقاً فلسفياً ونفسياً شديد الحساسية , ويعبر بدقة عن الصراع الأبدي بين الفطرة (( الأرض )) والحداثة (( المصنع/المدينة )) : (( اهم ما تتميز به الارض عن المصانع , المصانع تشبه السيارات بعض الشبه - انها صالحة لقضاء فترة من الوقت يلهو بها الانسان , ولكنها لا تزوده بالحب الذي تغدقه الارض عليه , فالارض تسهر بشكل من الاشكال على مصلحة الناس الذين يبقون اقدامهم عليها , وحين يقف الناس طول الوقت على الالواح الخشبية المنصوبة في الابنية , ويمشون في الشوارع المفروشة بالاسمنت , فعندئذ تفقد الارض اهتمامها بالانسان )) , اي انه يريد ان يقول بأن المصانع والمدن تمنحنا الرفاهية والسرعة , لكن الأرض وحدها هي من تمنحنا الهوية والسكينة , فعندما نستبدل التراب بالأسمنت , لا نغير فقط مكان وقوفنا , بل نغير طبيعة مشاعرنا وانتمائنا.

يقارن كالدويل هنا بين الروابط العاطفية مقابل المادية الجافة , أو بين علاقة (( منفعة مؤقتة )) وعلاقة (( انتماء أبدي )) , فالمصنع كالسيارة , أداة , آلة , وسيلة لتحقيق غاية (( الإنتاج أو التنقل )) , وهي علاقة ميكانيكية جافة , تنتهي بانتهاء الغرض منها أو بـ (( اللهو )) بها لفترة , المصانع لا تملك روحاً لتمنحها للإنسان , في حين تبدوالأرض كأم , عندما يضفي علىها كالدويل صفات بشرية حانية - تزوده بالحب , تسهر على مصلحة الناس - اي ان الأرض في وعي الكاتب - وفي وعي المجتمعات الزراعية عموماً - ليست مجرد تراب , بل هي كائن حي يبادل الإنسان العطاء بالعطاء , ويمنحه شعوراً بالأمان والاستقرار والجذور.

تلخص عبارة (( وحين يقف الناس طول الوقت على الألواح الخشبية , ويمشون في الشوارع المفروشة بالأسمنت )) مفهوم الاغتراب الإنساني في عصر الآلة الذي أنتجته الثورة الصناعية , عندما عزل الإنسان نفسه عن التربة الطبيعية بطبقات من الأسمنت والخشب المصنوع , وانقطعت (( الكهرباء العاطفية )) بينه وبين الطبيعة , فالأسمنت يمثل حاجزاً مادياً ونفسياً , يحمي الحذاء من الاتساخ , لكنه يحرم الروح من التواصل مع مصدرها الأول , ليستتبعه العقاب الصامت (( تفقد الأرض اهتمامها بالإنسان )) , وهنا تكمن الخاتمة المرعبة برمزيتها , الكاتب لا يقول إن الأرض تنتقم من الإنسان بتدميره , بل يقول إنها (( تفقد اهتمامها به )) , وهذا (( الجفاء الصامت )) من الأرض هو أقصى درجات العقاب , حيث يجد الإنسان الحديث نفسه وحيداً في مدن إسمنتية عملاقة , محاطاً بآلات صماء , فاقداً للسند الروحي الذي كانت توفره له الأرض عندما كان يحرثها بيديه ويسير عليها حافي القدمين.

تتناول رواية (( طريق التبغ )) بالأساس مأساة المزارعين الفقراء في الجنوب الأمريكي الذين تمسكوا بأراضيهم حتى وهي تجف , رافضين الذهاب للمصانع لأنهم يدركون غريزياً أن المصنع سيسلبهم إنسانيتهم , وهو طرح ينفذ مباشرة إلى عمق الفلسفة السياسية والاجتماعية , وبما يتيح لنا إسقاط ثنائية (( الأرض / المصنع )) التي صاغها كالدويل على جدلية (( السلطة الوطنية / سلطة الاحتلال والعملاء )) في العراق فالروابط الروحية والبنيوية في الحالتين تتشابه إلى حد مذهل , فالسلطة الوطنية كـ (( الأرض ,علاقة الأمومة والامتداد الطبيعي )) , وفي سياق النص , الأرض هي التي (( تسهر على مصلحة الناس )) و(( تغدق عليهم الحب )) , والامتداد الطبيعي السلطة الوطنية - في مفهومها الفلسفي النقي - وهي إفراز طبيعي للتربة المجتمعية , تماماً كما تنبت الشجرة من الأرض , هي تملك رابطاً عاطفياً وتاريخياً مع الشعب , وتستمد شرعيتها من هذا الانتماء المشترك , وحتى وإن تعثرت السلطة الوطنية أو قست في بعض المراحل , فإن مصيرها يظل مرتبطاً بمصير شعبها , إن جفت الأرض جاع الجميع , هناك (( سهر )) غريزي على المصلحة العامة لأن البقاء مشترك.

سلطة الاحتلال والعملاء كـ (( المصنع )) من حيث المنفعة الميكانيكية والجفاء العاطفي , المصنع في الاقتباس أداة (( صالحة لقضاء فترة من الوقت يلهو بها الإنسان , لكنها لا تزوده بالحب )) , وسلطة الاحتلال والعملاء تتعامل مع الوطن كـ (( مصنع )) أو حقل استثماري مغلق , العلاقة هنا ليست علاقة حب أو انتماء , بل علاقة إنتاج واستهلاك وتجميع أرباح , والمحتل والعميل لا يربطهما بالبلد رابط روحي , الوطن بالنسبة لهما عبارة عن خطوط إنتاج وثروات وموقع استراتيجي (( مواد خام )) يجب استنزافها قبل أن تنتهي (( فترة الصلاحية )) أو ينتهي (( اللهو )) , وكلاهما الأسمنت والعملاء يبدوان كأدوات لعزل الإنسان عن وطنه , وعندما يوضع الخشب والأسمنت , تفقد الأرض اهتمامها بالإنسان, وفي السياسة الطبقة الحاكمة العميلة أو سلطة الاحتلال تصنع عازلاً إسمنتياً وسياسياً ونفسياً بين المواطن وأرضه , يوضع (( أسمنت )) القوانين الجائرة , والتبعية الاقتصادية , وتشويه الهوية الوطنية , وعندما يُجبر المواطن على السير فوق هذا (( الإسمنت السياسي )) المفروض عليه , فإنه يدخل في حالة اغتراب سياسي , يشعر أن بلده لم يعد يعرفه , أو كما قال كالدويل: (( تفقد الأرض اهتمامها بالإنسان )) لتصبح العلاقة بين المواطن وأرضه علاقة وحشة واغتراب , لأنه يعيش في وطن يُدار بعقلية الآلة الجافة والشركات العابرة للحدود , لا بعقلية الدفء الوطني.

خلاصة القول , الاحتلال والعملاء يحوّلون الأوطان من (( أرض وكائن حي يمنح الهوية والأمان والامتداد التاريخي )) إلى (( مصنع كبير, مساحة ميكانيكية باردة للربح والنفوذ , بلا قلب وبلا ذاكرة )) , إنها مقاربة بالغة الدقة تنقل فلسفة الرواية من صراع اجتماعي-اقتصادي في الجنوب الأمريكي , إلى صراع وجودي - سياسي تعيشه الأمم المحتلة والمستلبة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...
- المَقَامَةُ النَّبِيلَة فِي الفَرْقِ بَيْنَ الذُّبَابَةِ وَا ...
- مقامة الوجع العراقي : أتيناهُ على الهَرَم.. وقاسمنا الضِيزى ...
- مقامة الرائحة : أريج اليقين , قراءة في فلسفة الرائحة ونضال ك ...
- مقامة سيكولوجية الوزة : فانتازيا الغيب في زمن الدرونز.
- المقامةُ الفاصلة بين السياسةِ والمَزبلة : رسالة نذيرة قبل تش ...
- المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلع ...


المزيد.....




- 7نصوص هايكو(حنين) مترجمة للفرنسية :الشاعرالسيريالى محمدعقدة. ...
- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...
-  فيلم وثائقي: حين يصبح حياد سويسرا مادة للكوميديا الساخرة
- المشتقات النفطية العراقية: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في ب ...
- إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو ...
- ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى ...
- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...
- المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق ...
- -بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا ...
- هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التبعية .