أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فيض خير اضطرار الروح .














المزيد.....

مقامة فيض خير اضطرار الروح .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 10:48
المحور: الادب والفن
    


مقامة فيض خير اضطرار الروح :

يستمر المندلاوي الجميل في تقليب رواية : مذلون ومهانون , للكاتب الروسي الكبير((دوستويفسكي )) , حيث التقط مايسميه بالجوهرة الانسانية التالية : (( الاناس الطيبون لاينتظرون أن يحسن اليهم أحد كي يحسنوا اليه , بل يندفعون الى عمل الخير والاحسان بكل ماأوتوا به من قوة وعظمة )) , أختيار يعكس ذوقاً رفيعاً في أحساس بالأدب الإنساني العميق , وسطور تختصر مجلدات في علم النفس الأخلاقي , وهذه المقولة تلخص جوهر فلسفة فيودور دوستويفسكي الأخلاقية والنفسية , وهي القلب النابض لفلسفته , والتي تجلت بوضوح في هذه الرواية , إنها تؤكد أن الإنسان الطيب هو (( مصدر )) للنور وليس مجرد (( مرآة )) تعكس النور الذي يأتيها من الآخرين , ان الاندفاع نحو الخير بقوة وعظمة , رغم الألم الشخصي , هو أسمى تجليات الإنسانية.

يفكك دوستويفسكي الفكرة التجارية أو النفعية للأخلاق , ويرى أن الإنسان الطيب الحقيقي لا يتعامل بمبدأ (( المقايضة )) أو (( رد الجميل مقدماً )) , الخير عنده ليس رد فعل على معاملة حسنة , بل هو (( فعل أساسي )) ينبع من الداخل دون انتظار مقابل , حتى وإن كان هذا المقابل هو مجرد التقدير , وذلك هو الاندفاع العفوي والقوة الداخلية , فعبارة (( يندفعون إلى عمل الخير, بكل ما أوتوا من قوة وعظمة )) , تشير إلى أن عمل الخير لدى هؤلاء البشر ليس واجباً ثقيلاً يؤدونه باحتراس , بل هو طاقة حيوية دافقة , والقوة والعظمة هنا لا تعنيان النفوذ أو السلطة المادية , بل تعنيان العظمة الروحية , فالقدرة على العطاء في عالم مليء بالجفاء والقسوة (( وهو العالم الذي يبرع دوستويفسكي في تصويره )) تتطلب شجاعة نفسية هائلة وعظمة في النفس.

لو تتبعنا سياق الرواية (( مذلون ومهانون )) , لوجدنا انهذه المقولة تأتي في قصة تمتلئ بشخصيات تعاني من الظلم الاجتماعي , الفقر , والانكسار النفسي , والمفارقة التي يطرحها الكاتب هي : رغم أن هؤلاء الناس (( مذلون ومهانون )) من قِبل المجتمع والظروف , إلا أنهم يملكون (( عظمة )) داخلية تجعلهم قادرين على الإحسان , إنهم لا ينتظرون أن يُحسن العالم إليهم (( لأن العالم قسَا عليهم بالفعل )) , ومع ذلك يصرون على نشر الخير , وهذا الإصرار هو خط دفاعهم الأخير للحفاظ على إنسانيتهم , لينطبق عليهم التعليق الفلسفي والواقعي الذي يقول : (( إن عظمة الإنسان لا تقاس بما يملكه , بل بما يمنحه حين لا يملك شيئاً )) .

في عالمنا المعاصر , كما في عصر دوستويفسكي , يميل الكثيرون إلى مشروطة العلاقات (( سأكون جيداً معك إذا كنت جيداً معي )) , هذه المقولة تكسر هذا النمط وتدعو إلى الأخلاق المطلقة التي لا تتأثر بسلوك الآخرين , وتطرح الخير كعلاج للمهانة , ويبدو أن دوستويفسكي يريد القول إن (( عمل الخير )) هو الوسيلة الوحيدة التي يستطيع بها الإنسان المذلّ والمهان أن يستعيد كرامته وعظمته أمام نفسه وأمام الإله , عندما تحسن إلى من أساء إليك أو إلى عالم لم ينصفك , فأنت تنتصر أخلاقياً على هذا العالم.

عندما نبحث في التراث الإنساني , وفي مقدمته التراث العربي والإسلامي (( سواء كان أدبياً , أو فلسفياً , أو صوفياً )) نراه حافلا بالعبارات والحكم التي تلتقي تماماً مع (( جوهرة )) دوستويفسكي , وهذا التوارد يثبت أن الينابيع الإنسانية الكبرى تلتقي دائماً عند تمجيد (( الخير المطلق )) الذي لا ينتظر مقابلاً , وحيث يكون فعل الخير نابعاً من ذات الإنسان وصيانةً لإنسانيته , (( صل من قطعك , وأحسن إلى من أساء إليك )) , وهذا هو التجسيد الأسمى لعدم انتظار الإحسان , فالخير هنا لا يواجه الجفاء بالانكفاء , بل يندفع لكسر دائرة القطيعة , وفي التوجيهات المأثورة نجد تحذيراً صريحاً من مشروطة الخيركما ورد في رواية الحديث المشهورة - في سنن الترمذي - (( لا تكونوا إمعة , تقولون : إن أحسن الناس أن تحسنوا , وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم )) , هذا (( التوطين )) للنفس هو عينه (( الاندفاع الذاتي )) الذي تحدث عنه دوستويفسكي .

تذكرت حكمة الإمام علي بن أبي طالب في تشخيص طبيعة الأحرار وأصحاب النفوس العظيمة في العطاء : (( صَنِيعَةُ المَعْرُوفِ تَصُونُ الشَّرَفَ , وَتَدُرُّ الأَجْرَ )) , وفي موضع آخر يربط بين عظمة النفس والقدرة على العطاء دون شرط : (( العَفْوُ عِنْدَ القُدْرَةِ نَظِيرُ المَعْرُوفِ بِلَا سَبَبٍ )) أي بلا دافع خارجي أو مصلحة , وكذلك قول المقنع الكندي وهو يصف كيف يندفع للإحسان لقومه رغم جفائهم , وهي قمة العظمة الروحية في مواجهة المهانة : ((وإن زجروا عَيْصاً عليّ زجرتُه, وَإِن بَروا لَحمي بَنَيتُ لَهُم لَحما , وَإِن هَبَطوا غَوراً لِأَمرٍ يَسُؤني , هَبَطتُ لَهُم غَوراً لِأَمرٍ لَهُم نَمى )) , والعَيْص هو الأصل والشجر الملتف كناية عن القرابة الشديدة , وفي الفلسفة الصوفية - حب الخير لذات الخير - حيث أخذ الفكر الصوفي هذا المفهوم إلى آفاق ميتافيزيقية (( ورائية )) عميقة , حين يُصبح العطاء والإحسان فيضاً وجودياً يخرج من الإنسان كما يخرج النور من الشمس , كما يُعرف القشيري في رسالته (( الفتوة )) بأنها : (( أن لا ترى لنفسك فضلاً , وأن تحسن إلى من أساء إليك , وتجود بما تملك دون انتظار شكر )) .

ولو قرأنا في الفيض الوجودي لمتصوفة فلاسفة مثل ابن عربي , لرأينا أن (( الإنسان الكامل )) يكون كالغيث , يقع على البر والفاجر , والاندفاع للخير عندهم ليس قراراً عقلياً نفعياً , بل هو (( اضطرار روحي )) , لأن النفس الطيبة لا تطيق إلا أن تفيض بما فيها من طهر , إن هذا التطابق بين أديب روسي عاش في القرن التاسع عشر , وبين حكماء الشرق وفلاسفته عبر العصور , يؤكد أن (( معدن الخير )) واحد , لا يتغير بتغير الجغرافيا أو العصور , والنفوس العظيمة وإن عانت من الضيم , تظل تفيض بالجمال لأنها لا تملك في داخلها سواه.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .
- مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .
- مقامة قراءة في شذرات القيلولة .
- مقامة أسطورة المدني .
- مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التب ...
- مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...
- مقامة جناية السياسة على الأدب : تولستوي في فخ (( البعث )) ال ...


المزيد.....




- الكويت تخفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني وتطلب مغادرة دبلوماس ...
- مئوية إدريس الشرايبي.. سيرة روائي شرح أعطاب الاستعمار بالفرن ...
- الشاعر السيريالى عبدالرؤوف بطيخ ضيفا على نادى أدب دمنهور برئ ...
- منشأة -الكهف- العملاقة للفنان الفرنسي جي آر في باريس تبدو مت ...
- بعد فوزها بجائزة دولية.. وجدان أبو شمالة: كتابي دعوة أخلاقية ...
- مدعومة من ترامب.. فنانون ينسحبون من حفلات بمناسبة الذكرى الـ ...
- من -موسكو الصغرى- إلى شاشة السينما..-باغي عينكاوة-.. مقهى يح ...
- موجة من الموسيقى القاتمة تسيطر على إصدارات نجمات البوب هذا ا ...
- -ليست مجرد مهنة-.. مكتبات الخرطوم تعاود نشاطها رغم ندوب الحر ...
- وفاة الممثلة المصرية سهام جلال عن 54 عامًا


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فيض خير اضطرار الروح .