صباح حزمي الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 15:50
المحور:
الادب والفن
رَوَى الحَارِثُ بنُ هَمَّامٍ قَالَ :
دَخَلْتُ بَغْدَادَ فِي زَمَنٍ كَثُرَ فِيهِ المَقَال , وَقَلَّ فِيهِ الأَفْعَال , فَرَأَيْتُ مَدِينَةً تَسْبَحُ فِي بَحْرٍ مِنَ الأَنْوَار , لَكِنَّهَا تُخْفِي فِي حَشَاهَا أَلْفَ دِثَارٍ وَدِثَار , بَيْنَا أَنَا أَجُولُ فِي أَزِقَّتِهَا العَتِيقَة , أَبْحَثُ عَنْ عَيْنِ الحَقِيقَة , إِذْ بِي بَشَيْخٍ ثَمَانِينِيٍّ يَجْلِسُ عِنْدَ مُفْتَرَقِ الطُّرُق , وَقَدْ خَطَّ الدَّهْرُ عَلَى جَبِينِهِ أَلْفَ خَفْق , فَقَالَ بِنَبْرَةٍ يَصْلَى بِهَا الفُؤَاد : (( كُلُّ شَيْءٍ فِي العِرَاقِ يَلْمَع , لَكِنَّهُ يُخْفِي ظِلَالاً لَا تُحْصَى وَلَا تُجْمَع )) , تَأَمَّلْتُ كَلِمَاتِ الشَّيْخِ , فَإِذَا بِالعِرَاقِ المُعَاصِرِ يَتَجَلَّى فِي أَعْمَقِ صُوَرِ التَّنَاقُض , فَخَلْفَ وَاجِهَاتِ التَّارِيخِ العَرِيقِ المُمْتَدِّ مِنْ سُومَرَ وَبَابِلَ إِلَى بَغْدَادَ العَبَّاسِيَّة , وَخَلْفَ صَخَبِ المُدُنِ النَّابِضَةِ بِالأَمَلِ وَطَاقَاتِ الشَّبَابِ الفَتِيَّة , تَقْبَعُ تَحَدِّيَاتٌ جَسِيمَة , وَمَعَانَاةٌ صَامِتَةٌ أَلِيمَة , هُنَاكَ جَانِبَان : جَانِبٌ مُشْرِقٌ يَسُرُّ النَّاظِرِين , بِثَرْوَةٍ بَكْرٍ وَتَنَوُّعٍ جُغْرَافِيٍّ رَصِين , وَجَانِبُ الظِّلَالِ الخَفِيَّة , حَيْثُ البِنْيَةُ التَّحْتِيَّةُ مَتَهَالِكَة , وَقِطَاعَاتُ المَاءِ وَالكَهْرُبَاءِ فِي شِبَاكِ النَّقْصِ شَابِكَة , وَبِطَالَةٌ مُتَفَشِّيَةٌ بَيْنَ الخِرِّيجِينَ نَتِيجَةَ الِاتِّكَالِ عَلَى رِيعِ النَّفْط , يُضَافُ إِلَيْهَا خَطَرُ المَنَاخِ وَالتَّصَحُّرِ النَّازِلِ كَالسَّوْط , فَكَيْفَ العُبُورُ مِنْ مُرَبَّعِ التَّنَاقُضِ إِلَى الِاسْتِقْرَار؟ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِجُهْدٍ وَطَنِيٍّ وَدُوَلِيٍّ يُعِيدُ الإِعْمَارَ وَيَفْتَحُ الآفَاقَ لِلشَّبَابِ الأَحْرَار؟
صَرْخَةٌ فِي وَجْهِ الصَّمْت : وَفِيمَا أَنَا غَارِقٌ فِي بَحْرِ هَذَا التَّفْكِير , سَمِعْتُ هَاتِفاً يَصْرَخُ بِصَوْتٍ جَهِير , وَيَقُولُ بِقَلَمِ ابْنِ الشَّلْخِ المَحْزُون : (( أَيْنَ يَقَظَتُكُمْ يَا مُثَقَّفِي العِرَاقِ؟ أَمْ أَنَّكُمْ فِي سُبَاتٍ لَا تُفِيقُون؟ كُلَّمَا نَظَرْتُ إِلَى خَارِطَةِ الوَطَنِ الثَّقَافِيَّة , رَأَيْتُ وُجُوهاً كَثِيرَةً , وَأَسْمَاءً لَامِعَةً جَلِيَّة , وَدَوَاوِينَ لَا تُعَدُّ , وَرِوَايَاتٍ لَا تَنْهِي طَلَاسِمَهَا المَدّ , أَرَى جِيلاً كَامِلاً يَتَكَاثَرُ كَأَنَّنَا فِي ذُرْوَةِ النُّهُوض , لَكِنِّي إِذَا التَفَتُّ إِلَى الوَاقِعِ المَرْفُوض , أَدْرَكْتُ الحَقِيقَةَ المُرَّة : هَذَا البَلَدُ لَيْسَ بِحَاجَةٍ إِلَى مُثَقَّفِينَ أُجَرَاء , بَلْ بِحَاجَةٍ إِلَى إِنْسَانِيَّةٍ تَقِفُ فِي وَجْهِ الخَرَابِ وَالبَلَاء )) , لَقَدْ أَصْبَحَ المَاضِي الكَرِيمُ مَهْجُوراً , وَصَارَ المُثَقَّفُ العِرَاقِيُّ دِيكُوراً , يُزَيِّنُ مَرْحَلَةً سِيَاسِيَّةً فَاسِدَة , تَعِيثُ فِيهَا المِيلِيشْيَاتُ , وَتَنْهَشُ أَحْزَابُ السُّلْطَةِ جَسَدَ الدَّوْلَة , بَيْنَمَا تَتَرَاجَعُ الأَخْلَاقُ إِلَى قَاعٍ لَا قَاعَ بَعْدَهُ.
أَيْنَ أَنْتُمْ؟ أَيْنَ أَصْوَاتُكُمْ؟ وَأَيْنَ مَسْؤُولِيَّتُكُمُ الأَخْلَاقِيَّة؟ إِنَّ المُثَقَّفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً فِي ضَمِيرِ الأُمَّةِ , بَاتَ وَهُوَ شَاهِدُ زُورٍ فِي العُتْمَة , كَانَ المُثَقَّفُ يَوْماً ضَمِيراً يَقُودُ الوَعْيَ , وَيَقِفُ فِي وَجْهِ السُّلْطَانِ طَالِباً السَّعْيَ , يَكْتُبُ كَمَنْ يَرْفَعُ السَّيْف , أَمَّا اليَوْمَ , فَقَدْ رَضِيَ الكَثِيرُ بِالوَدَاعَةِ وَالكَيْف , وَبَاتُوا أَسْرَى النَّدَوَاتِ المُمَوَّلَةِ , وَالجَوَائِزِ المَعْسُولَة , أَوِ الشُّرَكَاءِ فِي الصَّمْتِ المُرِيبِ الَّذِي تَشْتَرِيهِ السُّلْطَةُ بِأَبْخَسِ ثَمَن.
ثَقَافَةُ التَّسَوُّلِ وَالامْتِحَانُ التَّارِيخِي : إِنَّهَا ثَقَافَةٌ تَتَسَوَّلُ الشَّرْعِيَّةَ لَدَى الفَاسِدِين , تَبْحَثُ عَنْ رِضَا السِّيَاسِيِّ لَا عَنْ رِضَا المَسَاكِين , تَبْحَثُ عَنْ دَعْمِ الوِزَارَةِ لَا عَنْ دَعْمِ الحَقِّ وَالمَنَارَة , فَحِينَمَا يُسْرَقُ قُوتُ النَّاسِ وَتَصْمُتُون , وَتُبَاعُ المَنَاصِبُ وَتَتَفَرَّجُون , وَيُهَانُ المُواطِنُ وَتَحِيدُون , فَأَنْتُمْ لَسْتُمْ مُحَايِدِين , بَلْ أَنْتُمْ فِي الجَرِيمَةِ مُشَارِكُون , مَاذَا نَطْلُبُ مِنَ المُثَقَّفِ؟ لَا نَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَحْمِلَ السِّلَاحَ , بَلْ نَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ الحَقِيقَةَ صُرَاحاً , أَنْ يَكُونَ مَوْقِفاً لَا نَشِيداً , وَحَقِيقَةً لَا مَجَازاً تَعِيداً , لِكُلِّ صَمْتٍ ثَمَنٌ , وَثَمَنُ صَمْتِكُمْ بَاهِظٌ سَيَقْرَأُهُ الزَّمَن , فَالتَّارِيخُ لَا يَرْحَم , وَمَنْ يَقِفُ اليَوْمَ سَيُذْكَر , وَمَنْ يَصْمُتُ سَيُلْعَنُ وَيُهْجَر.
بَيْنَ التَّرْوِيضِ وَالحُرِّيَّة : حِينَ طَارَتْ هَذِهِ الصَّرْخَةُ فِي الأَجْوَاء , وَقَعَتْ فِي نُفُوسِ النَّاسِ أَيَّمَا وُقُوع , فَانْقَسَمَ المَلأُ بَيْنَ رَادٍّ وَدَامِعٍ مَفْجُوع , قَالَ قَائِلٌ مُدَافِعاً عَنْ أَهْلِ الفِكْر: (( مَهْلاً فَالْمُثَقَّفُ اليَوْمَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدَ زُورٍ بَعْدَمَا مَنَحَهُ النِّظَامُ التَّعَدُّدِيُّ حُرِّيَّةَ الرَّأْيِ وَالنَّقْد , بَعْدَ أَنْ كَانَ يَعِيشُ تَحْتَ وَطْأَةِ نِظَامٍ فَاشِيٍّ يشيعون بأنه يَقْطَعُ الأَلْسُنَ وَالآذَان , وَيَأْخُذُ الرِّقَابَ بِأَدْنَى بَيَان , المُثَقَّفُ لَا يُشْتَرَى بِالمَال , وَلَا يَكُونُ جُزْءاً مِنْ مَشْرُوعٍ خَارِجِيٍّ يَبْتَغِي الِاخْتِلَال , كَمَا فَعَلَتِ الأَجْنِدَاتُ الَّتِي رَكِبَتْ مَوْجَةَ الِاحْتِجَاجِ لِتُخَرِّبَ وَتَسْحَل , بَلْ هُوَ اليَوْمَ يَنْتَقِدُ الحُكَّامَ بِوَعْيٍ , وَيُحَارِبُ الفَسَادَ بِسَعْيٍ )) , فَأَجَابَهُ صَاحِبٌ لَهُ , وَالدَّمْعُ فِي عَيْنِهِ مَسْكُوب : (( دُمْتَ قَلَماً حُرّاً يَكْتُبُ الحَقِيقَةَ المُرَّة , لَكِنَّ المُلَاحَظَ أَنَّ المُثَقَّفَ بَاتَ بَيْنَ التَّرْوِيضِ وَالتَّطْوِيعِ وَالخِذْلَان , كُلٌّ يَصْرَخُ فِي وَجْهِ الآخَرِ مِنْ وَجَعِ الوَطَن , وَلَكِنْ يَا صَدِيقِي , كَأَنَّكَ تُنَادِي فِي وَادٍ , فَيَأْتِيكَ الصَّدَى مُحَمَّلاً بِالفَجِيعَةِ وَالسَّوَاد , النُّخَبُ بَقِيَتْ تَنْظُرُ بِلَا جَدْوَى , مُنْتَظِرَةً دَوْرَهَا لِتَلْتَحِقَ بِالرَّكَائِزِ الَّتِي تُحَرِّكُ رَغَبَاتِ السِّيَاسِيِّ الفَاشِلِ وَاللِّصِّ الغَادِر , وَالمُشْكِلَةُ اليَوْمَ فِي الشَّعْبِ نَفْسِهِ , لَا يَتَحَمَّلُهَا السِّيَاسِيُّ وَحْدَهُ )) .
قَالَ الحَارِثُ بنُ هَمَّامٍ : وَبَيْنَمَا السِّجَالُ مَحْمُومٌ بَيْنَ أَبْنَاءِ الجَلْدَة , الْتَقَيْتُ بِرَجُلٍ سُودَانِيِّ الأَصْل , نَقِيِّ الفَصْل , جَلَسَ فِي مَقْهَىً عِرَاقِيٍّ فِي المَنْفَى البَعِيد , يُدِيرُهُ رَجُلٌ مِنْ (( الكَرَّادَة )) , يَحْفَظُ شِعْرَ الجَوَاهِرِيِّ الصِّنْدِيد , فَقَالَ لِي بِلِسَانٍ دَافِئٍ كَأَنَّهُ يُسْكَبُ الشَّايَ العِرَاقِيَّ السَّاخِن : (( كَتَبْتُ مَا كَتَبْتُ لَا لِأَرْتَدِيَ هُوِيَّةً لَيْسَتْ هُوِيَّتِي , بَلْ لِأَنِّي اقْتَرَبْتُ مِنَ العِرَاقِ فِي مَنَافِي الغُرْبَة , فَوَجَدْتُ أَنَّ الحَرْبَ تُرْوَى هُنَاكَ كَشَأْنٍ مَنْزِلِيٍّ هَشٍّ صَادِق , بَعِيداً عَنْ أَقْنِعَةِ التَّارِيخِ الزَّائِفَة , عَلَى الجِدَارِ صُورَةُ الجَوَاهِرِيِّ يَبْتَسِم , وَالمَقْهَى كُلُّهُ بَقْعَةٌ مِنَ (( الرُّصَافَةِ )) سَقَطَتْ سَهْواً فِي هَذَا المَنْفَى )) , تَابَعَ السُّودَانِيُّ حَدِيثَهُ العَذْبَ قَائِلاً : (( شَهِدْتُ كَيْفَ يَطَأُ الشِّعْرُ الطِّينَ فِي حَنْجَرَةِ امْرَأَةٍ تَبْكِي ابْنَهَا بِالصَّمْت , فَبَغْدَادُ لَا تُحْكَى فِي نَشَرَاتِ الأَخْبَار , بَلْ هِيَ رَائِحَةُ قَهْوَةٍ مَحْرُوقَةٍ فِي بَيْتٍ قَدِيم , لَقَدْ تَعَلَّمَ العِرَاقِيُّ أَنْ يَقُصَّ لِيَرُمَّ الزَّمَن , وَيَقُولَ لِلْغَدِ : (( نَحْنُ لَمْ نَنْكَسِر , لَكِنَّنَا أَطَلْنَا الحِكَايَةَ كَيْ لَا نَنْتَهِي )) , قَصَائِدُ السَّيَّابِ وَ(( أُنْشُودَةُ المَطَرِ )) لَمْ تُكْتَبْ لِلْعَاشِقَات , بَلْ لِوَطَنٍ يَسْكُنُ فِي مَلَامِحِ المَرْأَةِ المُنْهَكَة.
وَجَاشَتِ النُّفُوسُ بِالخِتَام , وَتَنَهَّدَ الرَّاوِي هَمَّام , وَقَالَ : «نَعَمْ , بَغْدَادُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نَهْرٍ وَعِمَارَة , بَغْدَادُ هِيَ نَحْنُ , فِي السَّرَّاءِ وَالخَسَارَة , الجَمَالُ فِيهَا لَا يُشَاهَدُ بِالعُيُونِ البَاصِرَة , بَلْ يُحَسُّ بِالقُلُوبِ الطَّاهِرَة , هِيَ مَدِينَةٌ ذَاتُ قَلْبٍ مَجْرُوح , يَحْتَاجُ أَنْ تَعُودَ الحَيَاةُ إِلَى شَرَايِينِ أَزِقَّتِهِ الَّتِي تَرْتَدِي رَائِحَةَ المَاضِي الصَّبُوح , فَلَيْسَ السُّؤَالُ كَيْفَ نَصِفُ هَذِهِ المَنَارَة , بَلِ السُّؤَالُ الفَصْل : كَيْفَ نُعِيدُ لِبَغْدَادَ الحَيَاةَ وَالنَّضَارَة؟.
صباح الزهيري .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟