أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريزة في (( عشية هبوط آدم )).















المزيد.....

مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريزة في (( عشية هبوط آدم )).


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 11:18
المحور: الادب والفن
    


أعجبني نص (( قصتان قصيرتان )) , من أصدار د. عبد الحليم المدني (( عشية هبوط آدم )) , نحن هنا أمام نصّين يشكلان معاً ما يشبه اللوحة الثنائية في الفن التشكيلي , حيث تكمل اللوحة الثانية ما بدأته الأولى , وتشتركان في نفس الأجواء , الشخصيات , والصدمة الختامية , فقصة (( استفزاز )) في بناءها الدرامي والخدعة السردية , مبنية على (( مخاتلة القارئ )) , فلقد استخدم الكاتب بذكاء لغة الرومانسية والغزل والأدب الإنساني (( العينان المدهشتان , رحلة تأمل طفولية , السخرية , اللعبة الصباحية )) , طوال النص , ليوقع القارئ في (( فخ )) إسقاط المشاعر الإنسانية على المشهد , ليتخيل رجلاً يلاحق امرأة جميلة في حديقة , ثم ليأتي كسر التوقع وصدمة المفارقة في عبارة (( كانت أجمل ما شاهد من قطط في حياته )) , هذه الجملة الختامية هي محرك المتعة في القصة القصيرة جداً , لقد نسفت كل البناء الإنساني الذي تشكّل في ذهن القارئ , وأعادت تأطير الحركات, (( الدوران حول الشجرة , الهرولة , اللهاث , نظرة السخرية )) لتصبح حركات طبيعية لقطة تلعب مع إنسان , أو قطة تستفز قطاً آخر , وهذا ما سيتضح في القصة الثانية .

في القصة الثانية (( غيرة )) عن الصراع وتعميق الغريزة , يتضح أن الراقب والمُراقَب (( بفتح القاف )) ليسوا بشراً أيضاً , الكاتب هنا ينسج خيوط (( الغيرة )) الغريزية في عالم الحيوان , ولكن بلغة مشحونة بالصراع الإنساني التراجيدي (( شاربيه , تقاطع وجهه , التوسل , المعركة الفاصلة )) , لنجد أولاً , تحول الغيرة من رغبة في (( خوض معركة من أجل الأنثى )) إلى (( رغبة في الانتقام منها )) لمجرد الشك في أنها تعرف القط الآخر , وثانياً , القفلة المتمثلة في جملة (( أبرز مخالبه , وأنقض عليها مزمجرا )) والتي كشفت هويتهما الحيوانية تماماً , وأعادتنا عبر (( العينين المدهشتين )) إلى قطة القصة الأولى , وذكاء الكاتب في توحيد العوالم , وجعل القصتين يكملان بعضهما , فالأولى رصدت الإعجاب واللعب , والثانية رصدت الصراع والغيرة والملكية.

النصان يقدمان تجربة قرائية ممتعة جداً , تعتمد على التلاعب بوعي القارئ وإسقاطاته النفسية , حيث نجح الكاتب في تحويل مشهد (( قطط في الشارع )) إلى ملحمة درامية مشحونة بالعواطف (( الإعجاب , التحدي , الغيرة , الغدر )) , وهو ما يحسب له في التقاط التفاصيل العادية وتحويلها إلى أدب يثير الدهشة , وتلك هي آلية (( القناع والرمزية الحيوانية )) , فأن اللجوء إلى عالم القطط لم يكن مجرد رغبة في مداعبة القارئ بالمفاجأة , بل كان آلية دفاع نفسية , استخدمها اللاوعي لدى الكاتب , في علم النفس الأدبي , عندما يمر الكاتب بتجربة اجتماعية حساسة , تحيط بها (( تابوهات )) أو ضغوط مجتمعية وصراعات عاطفية حادة , فإنه يقوم بـ (( الإزاحة )) , أي نقل الصراع الإنساني بأكمله وصبه في قالب حيواني (( القطط )) , هذا القناع يمنح الكاتب (( الحرية الكاملة )) للتعبير عن مشاعر الغيرة , التحدي , والعدائية دون ملاحقة اجتماعية أو لوم مباشر.

يكاد القاريء يشعر ان القطط في النص ليست حيوانات تمسرحت لتشبه البشر, بل هي مشاعر بشرية حارقة وحقيقية جداً (( مغامرة , تحدٍّ , غيرة , تملك , تدمير )) ضاق بها جسد الكاتب الإنساني , فاستعار لها أجساد القطط ومخالبها لتتحارب نيابة عن شخوص بشرية على الورق , والنص بهذا المعنى هو وثيقة اعتراف سايكولوجية مغلفة بالرمز , تُظهر كيف يرى الكاتب نفسه (( مغامراً ومستفِزاً )) , وكيف يرى الصراع الذي شهده أو عاصره , وإن توظيف (( التورية )) بمفهومها البلاغي الأوسع , أو ما يُعرف في النقد الحديث بـ (( المخاتلة والدلالة المزدوجة )) , هو المفتاح السحري الذي يربط بين البنية الفنية للقصة وبين الواقعة التي نعيشها كما الكاتب.

إن الكاتب هنا يمارس لُعبة إبداعية معكوسة , فبينما يبدو في الظاهر أنه يرفع الكائن الحيواني إلى مصاف الإنسان عبر (( أنسنة )) تصرفاته , هو في الحقيقة يعود بالصراع الإنساني (( الغيرة , التملك , الصدام بين رجلين على امرأة )) إلى راديكاليته الغريزية الأولى , وبذلك تصبح (( التورية )) هنا أداة حماية فنية وسيكولوجية , تتيح للكاتب إدانة الوحشية والشك والمطاردة , والتعبير عن أزمة (( الاختراق )) لنسق اجتماعي قائم , مستعيناً بمخالب القطط ليداري بها جراح التجربة الإنسانية.

صباح الزهيري .

قصتان قصيرتان
1. أستفزاز
كانت تسير امامه تسبقه بخطوات قليلة , فاجأته العينان المدهشتان في ذلك الصباح الدافيء , زرقة السماء في خضرة الغابات المنسية , في بياض الثلج , ألوان امتزجت فأخرجت موجة من الأضواء والألق , ولدهشته توقف عن سيره , ليبدأ رحلة تأمل طفولية .
هي كانت تسير , لم تحسب حسابا لهذا الذي توقف عن سيره , بل لم تكن تشعر بوجوده لولا التفاتة سريعة منها ¸ صعدت اليه العينان بألوانها وصخبها , توقفت قليلا , تأملته بدقة , رمقته بنظرة ساخرة , قرأ في عينيها السخرية , فأستفزته بقوة , فتقدم نحوها .
أسرعت بالمسير محاولة تجاهله , وأذ سبقته بمسافة , توقفت , ثم التفتت , رأته يسرع خلفها , فأسرعت , ثم التفتت , متوقفة , لازالت السخرية تطل من عينيها .
قرر ان يلاحقها مهما كانت النتيجة , أسرع الخطى وحين رأته , لاذت بشجرة انتصبت في المكان منذ مائة عام , دارت حولها فأستدار , ركض فركضت , دارت ثانية حول الشجرة العملاقة , فأستدار .
لذّت لها هذه اللعبة الصباحية , هي تدور حول الشجرة , وهو يهرول خلفها , تقف يقف , تركض يركض .
أصابه التعب , تصاعدت انفاسه , بدأ اليأس من الوصول اليها يسري في خلاياه , رفع راية الأستسلام في داخله , توقف , ولهاثه يطل من عينيه , توقفت نظرت اليه , السخرية تطل من عينيها المدهشتين , تأملته , ثم سارت بهدوء .
كانت اجمل ماشاهد من قطط في حياته .
2. غيرة
سارت خلفه بهدوء , تطأطيء رأسها مستسلمة لهذا الذي يسير أمامها , لاتلتفت لما حولها ولمن حولها .
ربما كان حبيبها (( فكر في نفسه )) , ربما اخوها , ابوها , لا , لا , هو حبيبها بالتأكيد , يبدو ذلك من مشيتها المتغطرسة ولفتاته المستوفزة , وشكّه المريب , وغيرته المطلة من عينيه , وعصبيته التي تبدو جلية من تقاطع وجهه , وأهتزاز شاربيه , ونظراته المتحفزة لدخول معركة , قرر ابتداء أن يكون المنتصر فيها .
رفعت رأسها قليلا حين أحست بأن هناك من يدقق النظر فيها , ولاحظت تقطع أنفاسه , وهو يتأملها بخبث , رمقته بتوجس , كان يسير على مسافة من جانبها الأيسر , يبتسم بأستفزاز واضح , يثير فيها مشاهد مفزعة , عما سيحصل لو ان صاحبها المتقدم في سيره لاحظ مايدور , التفتت اليه , مرسلة نظرة تحذير واسعة , لكن أصراره زاد على التشبث بملاحقتها , وربما دخول معركة من أجلها مهما كانت النتائج , أقترب منها و توقفت , رفعت له عيناها , توسلت اليه , دون ان تنطق , ابتعد , أبتعد أرجوك , أتوسل اليك لاأريد أية مشاكل , لكن توسلاتها بعثت في نفسه قوة مضافة , ليسير الى هدفه , هي تستحق المعركة , وتستحق ان يقاتل من أجلها .
أحس صاحبها اخيرا ان هناك من يتابعهما , توقف , نظر فيما حوله بغضب , وجد ذلك الذي يحاول أختراقه , تأمله بدقة , أحتدمت الدماء في أطرافه , وتحفز لمعركة فاصلة , نظر الى صاحبته ليجعلها خلفه حين تبدا المعركة .
فجأة.
قرأ في عينيها أنها تعرفه , تعرف هذا الذي يريد أختراق مسيرتهما , تحول نحوها بوحشية , أبرز مخالبه , وأنقض عليها مزمجرا بصوت مرعب , كانت هي نفسها , القطة التي رآها أمس , بعينيها اللتين أمتزجت فيهما زرقة السماء وخضرة الغابات وبياض الثلج .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .
- مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .
- مقامة قراءة في شذرات القيلولة .
- مقامة أسطورة المدني .
- مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التب ...
- مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...
- مقامة خوال الروح وعمام الهيبة : في مديح العزوة والمدنية .
- مقامة موال أنت وأنا : فلسفة الفقر النبيل في حنجرة فيروز.
- مقامة جناية التعميم على لغة (( الهيام )) : رد على د. ليلى ال ...


المزيد.....




- ربيع للقلب المنهك.. حين يلون الأرجوان إسطنبول
- النقابات الفنية في مصر ترد على أزمة فيلم -برشامة- برفض -التك ...
- من القاعدة إلى داعش.. قصة الجذور الفكرية المثيرة للجدل
- الكويت تخفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني وتطلب مغادرة دبلوماس ...
- مئوية إدريس الشرايبي.. سيرة روائي شرح أعطاب الاستعمار بالفرن ...
- الشاعر السيريالى عبدالرؤوف بطيخ ضيفا على نادى أدب دمنهور برئ ...
- منشأة -الكهف- العملاقة للفنان الفرنسي جي آر في باريس تبدو مت ...
- بعد فوزها بجائزة دولية.. وجدان أبو شمالة: كتابي دعوة أخلاقية ...
- مدعومة من ترامب.. فنانون ينسحبون من حفلات بمناسبة الذكرى الـ ...
- من -موسكو الصغرى- إلى شاشة السينما..-باغي عينكاوة-.. مقهى يح ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريزة في (( عشية هبوط آدم )).