أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة وطوق الرقابة.














المزيد.....

مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة وطوق الرقابة.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 10:27
المحور: الادب والفن
    


عصفت أفكار الدكتور فياض شريف في جلسة صالون الدكتور تحسين أفندي لهذا اليوم , وأخذنا حديثه الشيق إلى الفيلم الإيراني (( كعكتي المفضلة )) الذي يغوص في فلسفة الوجود الإنساني في خريف العمر , ويفكك آليات القمع الاجتماعي والسياسي التي تحاول تدجين المشاهد الحميمة والبريئة , متطرقاً لمشاعر الوحدة , والحرية , والحب المؤجل في مرحلة الشيخوخة.

يروي الفيلم بأسلوب هادئ وواقعي , قصة المرأة السبعينية (( ماهين )) , التي تعيش حياة رتيبة في بيتها الواسع بطهران , تحيا فيه وحيدة بلا أنيس منذ أكثر من عشرين سنة , بعد أن تزوجت ابنتها واستقرت في الخارج , وتوفي زوجها وهي في العقد الرابع من عمرها , باتت أيامها متشابهة ومملة , تنفقها في النوم إلى غاية الظهيرة , والتسوق المسائي , وإقامة مأدبة غداء شحيحة لصديقاتها القديمات اللواتي لا تجتمع معهن سوى مرة في السنة تقريبا , وعلى تلك المائدة , تبدأ ثرثرتهن النسائية التي لا تنتهي , فواحدة تتحدث عن أمراضها , وأخرى تتكلم عن الحياة والرفقة الجيدة التي تؤنس الوجود , لتعلو الضحكات والقهقهات لا سيما عند الحديث عن العلاقات العاطفية , عكست تلك الثرثرات مسار كل واحدة منهن , ووضعت منطلقات حياة (( ماهين )) أمام المتلقّي , ليتعرف على اهتماماتها , وأحلامها , وكوابيسها , وعواطفها التي تصبغ أيامها المتشابهة التي تقربها في كل لحظة من أجلها المحتوم.

لكن (( ماهين )) مصممة بشدة على إعادة إحياء حياتها الرتيبة وتذوق عيش أفضل , ففي أحد الأيام , وإثر نقاش مع صديقاتها , تجد شرارة جديدة في قلبها تدفعها لتوسيع جدولها اليومي العشوائي بهدف سري , مقابلة رجل , تقضي وقتها تنقلاً بين طابور المخبز , والحديقة العامة , ومقهى فندق فاخر , وأخيراً في مطعم متواضع يُستبدل فيه المتقاعدون قسائم طعامهم , وهناك , تلتقي صدفة بـ (( فرامرز )) , سائق سيارة أجرة ومحارب قديم , رجل أعزب , متواضع وودود في مثل عمرها , ويتمتع بعقلية مستقلة متمردة مثلها , إذ سبق وتورط في مشكلات مع السلطات المتشددة لعزفه على آلة موسيقية في فرقة زفاف.

يتحول هذا اللقاء العابر إلى أمسية استثنائية مليئة بالمفاجآت والذكريات , تُعيد فتح أبواب الرغبة والحميمية والحياة , في بلد تُقابَل فيه المشاعر الخاصّة بالرقابة والتهديد , يقضي فرامرز وماهين لحظاتهما الخاصة في شقتها , حيث تعرض عليه خبز كعكتها المفضلة , في لحظة تواصل عاطفي عميق ادخرا لها كل أفكارهما ومشاعرهما منذ سنوات العزلة الخاوية , وكأن كل ما في أعماق حياتهما الماضية كان يُفضي بهما الآن إلى الآخر, ثمة شيءٌ ساحر ومؤثر في هذه اللحظات العابرة التي قد لا يحظى بها الكثيرون طوال حياتهم.

ورغم الطابع الإنساني البسيط الذي يحكم الفيلم , إلا أنه تعرّض للمنع في إيران , وواجه صناعه أحكاماً قضائية مغلّظة , وذلك لأن البطلة ظهرت داخل منزلها دون حجاب , واحتوت بعض المشاهد على نبيذ ورقص بين مسنّين , إنّ تفاهة هذا المنع تكمن في أنّ ما يُعاقب عليه ليس خطاباً سياسياً صريحاً , ولا هجوماً على النظام , بل مجرّد مشهد لامرأة تُعدّ كعكة وترغب في مرافقة رجل في عمرها , وهذا ما يفضح هشاشة المنطق الأخلاقي الذي تحتكم إليه الرقابة , إذ لا يتعلّق الأمر بمنع الفجور , بل بمحو إمكانيات الحياة الخاصّة , حتى حين تكون خافتة , مسنّة , ومؤجّلة , ما يرعب السلطة هنا ليس التحدي المباشر , بل هدوء الفيلم , وكونه يُظهر أن البهجة قد تتسرّب من بين طبقات الصمت , وأن الإنسان يظلّ راغباً في الحبّ حتى في ظلّ القمع.

يتسلل النص السينمائي إلى أعمق مناطق الوجع الإنساني , ليلامس تلك اللحظة المرعبة التي يشعر فيها الإنسان بأن قطار الحياة يوشك على بلوغ محطته الأخيرة دون أن يملك في حقيبته سوى الفراغ والصمت , إنها مشاعر (( الشيخوخة المتروكة )) , حيث يتحول البيت الواسع إلى سجن ضيق , وتصبح مكالمات الأبناء المغتربين المبتورة مجرد تذكير إضافي بالهجر والوحدة القاتلة.

تجسد (( ماهين )) صرخة الاحتجاج الإنساني الأخيرة ضد الذبول , إنها الرغبة العارمة في أن تُحِب وتُحَب , في أن تجد من يتقاسم معها دفء التفاصيل , ورائحة الكعك الطازج , وثرثرة الليل , وفي المقابل , يأتي (( فرامرز )) ليحمل المشاعر ذاتها , قلبان متعبان أنهكهما الاغتراب وقمع السلطة والمجتمع , يلتصقان في عِناق أخير لألتقاط أنفاس الحياة.

لكن هذه المشاعر الدافئة تُصفع في النهاية بـ (( الفقد الفجائي )) الصادم , فبعد ليلة مليئة بالبهجة والنبيذ المعتق , يستغرق فرامرز في نوم تحسبه ماهين عميقاً , وعندما تحاول إيقاظه ليتذوق كعكتها المفضلة , تكتشف أنه قد غادر الحياة , ليبقى طعم الفرح مبتوراً , والحسرة جارحة على قسوة الموت الذي جاء ليخطف الحلم في لحظة ولادته , مذكراً إيانا جميعاً بأن أثمن ما نملك في هذا الوجود هو رفيق يؤنس وحشة الدرب , قبل أن تنطفئ الأنوار.

صباح الزهيري






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .
- مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .
- مقامة قراءة في شذرات القيلولة .
- مقامة أسطورة المدني .
- مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التب ...
- مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .
- مقامة الرعي : بين عزة (( أغْمات )) وذل التبعية .
- مقامة حوارات الدراويش : سديم يتنفس بين الأضلع في شطحات المرا ...
- مقامة في حضرة الأفندي : منسى موسى ورحلة الذهب من سجدة الطاعة ...


المزيد.....




- -مدينة من ورق-.. مكتبة في نيويورك تضم 3.5 ملايين صفحة من ملف ...
- فنانة أمريكية تواجه بلوحاتها إقصاء الأمريكيين السود
- 6 شهداء و4 جرحى جراء غارة إسرائيلية على بلدة السكسكية جنوب ل ...
- تفاصيل صادمة حول حريق حاملة الطائرات -جيرالد فورد-: دمار واس ...
- تضارب الروايات حول انفجار تل أبيب: -حنظلة- تزعم اغتيال ضابط ...
- بسبب جدارية تاريخية.. فنان أمريكي يقاضي -فيفا- ويطالب بـ 25 ...
- السينما الفلسطينية في شيفيلد.. مشاريع جديدة وأفلام تنافس على ...
- الروائي محمد تركي الدعفيس: المنفى يخلّف ندوبا والحنين محرض د ...
- بمساعدة الذكاء الاصطناعي.. الموسيقي صامويل سميث يهزم -باركنس ...
- لسان آدم وأصل الحضارة: هل اللغة العربية هي المنطلق الأول للأ ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة وطوق الرقابة.