أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع العراقي .














المزيد.....

مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع العراقي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 11:20
المحور: الادب والفن
    


مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع العراقي .

(( آنه المفطوم من سم العرابيد ويعلمني الغشيم على الحيايه ؟ , مرات التشلبه الناس عل الناس كل غايتهم يصعدون بايه , وعدهم عادي كلش من يطيحون لان طاحو بما فيه الكفايه ))

هذا بيت شعري شهير دارمي من الأدب الشعبي العراقي , يختزل فلسفة عميقة في التعامل مع الأزمات , والخبرة المتراكمة التي تولد من رحم المعاناة , ويُضرب للرد على من يحاول تعليم الشخص أو استغفاله في أمرٍ هو خبير فيه وتجاوزه منذ زمن , والعرابيد , جمع (( عربيد )) ,وهو نوع من أكبر وأخطر أنواع الأفاعي السامة , والفطام تجاوز مرحلة الخطر والمناعة ضد السم , أي أنه محصن واعتاد على ما هو أعظم , أما الغشيم فهو الشخص الجاهل أو قليل الخبرة , والحيايه جمع (( حية )) الأفعى , والمغزى يقول الشاعر لقد تجاوزتُ مرحلة التأثر بلدغات الأفاعي الكبيرة والخطيرة , فكيف يأتي اليوم شخصٌ قليل الخبرة (( الغشيم )) ليُعلمني كيف أتعامل مع الأفاعي الصغيرة؟ ويُستخدم هذا البيت في مواقف الكبرياء وإثبات الخبرة والدراية العميقة في الحياة .

يعكس البيت الأول (( آنه المفطوم من سم العرابيد )) ذروة (( المناعة )) التي يكتسبها الإنسان أو المجتمع بعد النجاة من كوارث عظمى , (( العرابيد )) هنا تمثل الأزمات الوجودية والخطيرة , وعندما يقول الشاعر إنه (( مفطوم )) على سمها , فهو يعلن أنه تخطى مرحلة الخوف أو التهديد , وأصبح يمتلك (( مصل مضاد )) لكل أنواع الغدر والمؤامرات , والتهكم هنا يقع على (( الغشيم الطارئ أو المستجد )) الذي يعتقد أن بإمكانه خداع شعب أو شخص عركته المحن , أما التكملة (( مرات التشلبه الناس عل الناس)) تنتقل هنا القصيدة من مرحلة (( الخبرة والتحصين )) إلى مرحلة التشخيص الاجتماعي والسياسي و (( التشلبّه )) التسلق هو وصف دقيق للوصولية والانتهازية , الشاعر يضع إصبعه على جرح الهوان الاجتماعي , أولئك الذين يستغلون أكتاف الآخرين للصعود (( باية )) درجة واحدة , ولم يعد يهمهم السقوط الأخلاقي لأنهم (( طاحوا بما فيه الكفاية )) فقدوا كرامتهم وقيمتهم مسبقاً , فلم يعد لديهم ما يخسرونه .

الشارع العراقي اليوم , وبسبب التاريخ الطويل من الأزمات المركبة , يعيش تماماً تفاصيل هذين البيتين , ويمكن إسقاطهما على مستويات عدة , فالوعي الشعبي مقابل (( الغشامة السياسية )) المفطوم من سم العرابيد , والواقع لقد مرّ الشعب العراقي عبر العقود الأخيرة بأقسى أنواع (( العرابيد )) حروب مدمرة , حصار اقتصادي خانق , طائفية مقيتة , إرهاب (( داعش )) , وفساد بنيوي , كل هذه الأزمات (( السموم )) منحت المواطن العراقي البسيط (( رادار وعي )) واكتفاء وتجربة تجعله يقرأ النوايا مسبقاً , وعندما تأتي قوى سياسية ناشئة أو وجوه قديمة بثياب جديدة , أو حتى قوى خارجية (( الغشيم )) , وتحاول إطلاق شعارات رنانة , أو ممارسة (( ألاعيب سياسية )) مستهلكة (( الحيايه )) لكسب الولاءات أو إثارة الفتن , يجيبهم لسان حال العراقي اليوم: (( نحن فطمنا على سموم العرابيد , فلا تحاولوا تعليمنا أو خداعنا بـ (( حيايه )) المؤامرات الصغيرة , فقد فهمنا اللعبة بالكامل.

ظاهرة الانتهازية وتدوير الوجوه (( التشلبّه على الناس )) , شهد النظام السياسي والاجتماعي في العراق بعد عام 2003 صعود طبقات كاملة عبر (( التسلق )) التشلبّي , أشخاص بلا تاريخ سياسي أو كفاءة , تسلقوا على جراح ومآسي الشعب والأزمات الأمنية ليصلوا إلى (( باية )) السلطة أو النفوذ أو المال العام , وينطبق الشطر الثاني بدقة مذهلة على الفاسدين والوصوليين في المشهد العراقي , الشاعر يقول ((عدهم عادي كلش من يطيحون )) وفي الواقع العراقي , نرى بوضوح كيف أن بعض الشخصيات أو الجهات السياسية لا تخجل من الفضائح , ولا تبالي بـ (( السقوط الأخلاقي )) أو فقدان السمعة , لأنها أساساً (( طاحت بما فيه الكفاية )) وفقدت رصيدها القيمي , وكل همها هو البقاء في السلطة ولو على حساب دماء وآلام الناس.

يظل الكبرياء العراقي شامخا في مواجهة الصدمات , فرغم كل هذا السقوط لبعض النخب (التشلبّه) , يظل البيت الأول يمثل العراقي الصلب , الإنسان الذي ورث من تاريخ بلاده القدرة على امتصاص الصدمات , العراقي لا يُستغفل بسهولة اليوم , ولديه كبرياء يمنعه من الانصياع لمن هم أقل منه فهماً وتاريخاً وعمقا , وخلاصة القول ان هذا النص هو مرآة لـ (( العراق المعاصر)) إنه يمثل صرخة كبرياء من شعبٍ تجرّع من السموم ما يكفي لجعله محصناً ضد الألاعيب , وفي نفس الوقت هو تشخيص مرير لطبقة انتهازية تظن أنها تتذاكى على شعبٍ هو في الحقيقة يعلم غايتها , ويرى سقوطها , ويتعامل معها من موقع الخبير العارف بالعرابيد والحيايا.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .


المزيد.....




- معاون وزير الخارجية الإيرانية ورئيس وفد المفاوضات الفنية كاظ ...
- لأول مرة.. جائزة -شوم- الروسية تطلق فئة خاصة لترشيح الإقليم ...
- موسكو.. RT تنظم حفلا خيريا لأسر العسكريين في يوم الذكرى وال ...
- باكستان تعلن استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران الأس ...
- رحيل الفنان الروسي القدير ميخائيل نوجكين عن 89 عاما
- بمشاركة نجوم الأوبرا والمواهب الشابة.. انطلاق فعاليات مهرجان ...
- بمشاركة كبرى المتاحف.. تمديد معرض -العائلة - روح روسيا- في ت ...
- باكستان تكشف موعد استئناف المحادثات الفنية بين أميركا وإيران ...
- مصور عراقي يحول رمال الصحراء في ليوا بأبوظبي إلى لوحات فنية ...
- الخارجية الباكستانية: استئناف المحادثات الفنية بين أمريكا وإ ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع العراقي .