أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إلى رُطب البصري .















المزيد.....

مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إلى رُطب البصري .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 12:49
المحور: الادب والفن
    


أتحفَنا الصديق المندلاوي الجميل بنشرِ قولٍ يُنسَبُ لِتَرجُمان النفس البشرية , الكاتب الإنساني الكبير (( دوستويفسكي )) , جاء فيه : (( لقد شتموني سبعين مرة , ولم تستفزني سوى أخطائهم الإملائية )) , ليعقّب عليه المندلاوي بتساؤلٍ واستذكارٍ وازِنَين : (( ترى ما مستوى الشاتمين ؟ وماذا يترتب على جواب الكاتب إن فعل ؟ أذكرُ أن رجلاً سبَّ شخصيةً محترمة , فقال المحترمُ للشاتم : هذه صحيفتُك فاملأها بما شئت )) , وهو لَعمري طرحٌ عميق , ينمُّ اختيار مقولته وسرد قصته عن ذائقةٍ راقية في فقه النفس وسلوكها , وبابُ الأمانة المعرفية يقضي بالإشارة إلى أن هذه المقولة , وإن دارت في فلك وسائل التواصل منسوبةً لدوستويفسكي (( وتارةً لغيره )) دون توثيقٍ قطعي في مأثور أعماله , إلا أنها تنطوي على عبقريةٍ نفسية تحاكي تماماً مبضعَه في تشريح السلوك البشري .

ما مستوى الشاتمين ؟ من خلال المقولة , يمكننا استنتاج عدة أمور حول مستوى هؤلاء الأشخاص , الخواء الفكري والسطحية , فالشتيمة سلاح العاجز , عندما يفتقر الإنسان للحجة والمنطق لمناقشة الأفكار , فإنه ينحدر إلى مهاجمة الأشخاص , والجهل المركب حيث إنّ خطأهم الإملائي ليس مجرد زلة قلم , بل هو دلالة رمزية على عدم اكتمال نضجهم المعرفي , من لا يجيد صياغة لغته الأم بشكل صحيح , غالباً لا يجيد صياغة أفكاره أو التحكم في انفعالاته , والاندفاع العاطفي الأعمى , لقد شتموا (( سبعين مرة )) , مما يدل على حالة من الهياج الانفعالي والافتقار التام للسيطرة على الذات.

ماذا يترتب على موقف الكاتب وتجاهله للشتيمة ؟ ان رد فعل الكاتب - أو بالأحرى (( اللا فعل )) العاطفي - يحمل دلالات نفسية واجتماعية قوية , ويترتب عليه هزيمة الشاتم نفسياً , فالهدف الأساسي لأي شاتم هو استفزاز الطرف الآخر واستدراجه لمستنقع الغضب لتتساوى الرؤوس , وبرود الكاتب واهتمامه فقط بـ (( الإملاء )) يُشعر الشاتم بتفاهته وبأن سهامه لم تخدش حتى كبرياء الكاتب , وكذلك الترفع والسمو الذاتي , لأن الكاتب يضع حداً فاصلاً بين مقامه ومقامهم , هو يخبرهم بطريقة غير مباشرة , (( أنتم لستم في مستوى يؤهلكم لإيذائي عاطفياً , أنا فقط أنظر إليكم كظاهرة لغوية مشوهة تحتاج إلى تقويم )) , وذلك قلب للطاولة فبدلاً من أن يكون الكاتب في موقف الدفاع عن النفس ضد الشتيمة , أصبح هو في موقف الهجوم والنقد , ليس لشخصياتهم , بل لجهلهم .

قصة (( هذه صحيفتك املأها )) , التي ذكرها المندلاوي عن الرجل المحترم , تتطابق فلسفياً بشكل مذهل مع مقولة الكاتب , الشتيمة تعبر عن قائلها , الرجل المحترم أدرك بوعي عميق أن الكلمات البذيئة لا تلتصق بالمشتوم , بل هي تعكس ما في داخل الشاتم من قُبح , كما يُقال : (( كل إناء بالذي فيه ينضح )) , وهنا تأتي المسؤولية الشخصية بقوله (( هذه صحيفتك )) , هو يذكّر الشاتم بأن كل إنسان يكتب تاريخه وقيمته (( وفي المنظور الديني , صحيفة أعماله )) بلسانه وأفعاله , الشاتم هنا لا يهين إلا نفسه ولا يسود إلا صحيفته , وخلاصة القول , كلا الموقفين يمثلان قمة الذكاء العاطفي , القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على رد الإساءة بمثلها , بل في القدرة على تحييد أثرها , والنظر إلى المسيء بشفقة المترفع أو ببرود المراقب.

لو بحثنا في التراث العربي والإسلامي (( سواء الأدبي أو الفكري أو السلوكي )) لوجدناه يزخر بمواقف مذهلة تُعد نماذج عليا في (( الذكاء العاطفي )) والترفع عن الصغائر , حيث كان الحكماء والشعراء يقلبون الطاولة على الشاتم ببرود وتسامٍ , ففي موضوع النظر إلى الشاتم كأنه (( يملأ صحيفته )) فهو يتطابق تماماً مع موقف الإمام الحسن البصري حين شتمه رجل , فما كان من الإمام إلا أن أرسل إليه طَبَقاً من الرُّطب (( التمر )) وقال له : (( بلغني أنك أهديتَ إليّ حسناتك , فأردتُ أن أكافئك عليها )) , هنا حوّل الإمام الشتيمة إلى خسارة تجارية للشاتم , وربح نفسي وأخلاقي للمشتوم , وكذلك موقف الأحنف بن قيس (( سيد الحِلم عند العرب )) : تَبِعه رجل يشتمه في الطريق , فلما اقترب الأحنف من حيّه (( قبيلته )) , التفت إلى الشاتم وقال له برفق : (( يا ابن أخي , إن كان قد بقي في نفسك شيء فَقُلهُ هنا قبل أن يسمعك سفهاء الحي فيؤذوك )) , هذا البرود والحرص على سلامة الشاتم جعله يذوب خجلاً.

موقف الفيلسوف الكندي (فيلسوف العرب) , كان له جار يكرهه ويشتمه ويسعى في تحريض الناس ضده , فلما مرض ابن ذلك الجار وعجز الأطباء عن علاجه , دخل إليه الكندي وعالجه بعلمه بالطب والموسيقى حتى شُفي الفتى , فاستحيا الجار وبكى , فقال له الكندي ببرود العالِم (( يا جاري , نحن أهل علم , والعلم يدعونا إلى مداواة النفوس والأبدان , لا إلى مجاراتها في الغضب )) .

هناك من كان يرد بردود تجعل الشاتم يندم على فتح فمه , لأن الرد يجرده من أي انتصار , كموقف الإمام الشافعي , قيل له إن رجلاً يذكرك بسوء في غيابك , فتبسم وقال (( إذن قد شغلنا النّاسُ ولم نشغلهم )) وفي بيته الشهير يقول (( قَالُوا سَكَتَّ وَقَدْ خُوصِمْتَ قُلْتُ لَهُمْ ... إِنَّ الجَوَابَ لِبَابِ الشَّرِّ مِفْتَاحُ , وَالصَّمْتُ عَنْ جَاهِلٍ أَوْ أَحْمَقٍ شَرَفٌ ... وَفِيهِ أَيْضاً لِصَوْنِ العِرْضِ إِصْلَاحُ )) , وموقف عمرو بن العاص حين شتمه رجل بالغ في تقبيحه , فنظر إليه عمرو وقال (( لو كنتَ صادقاً فما يضرني قولي , وإن كنت كاذباً فما ينفعك سبك )) , وقد صاغ أبو الطيب المتنبي قانوناً شعرياً يحدد فيه (( مستوى الشاتم )) وعلاقة ذلك بقيمة الشخص المحترم , حيث اعتبر شتيمة النواقص شهادة كمال , وهو تماماً ما يتقاطع مع رؤية دوستويفسكي للخواء الفكري للشاتمين (( وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن نَاقِصٍ ... فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ )) , والخلاصة ان التراث لا يرى في الحِلم والتجاهل ضعفاً , بل يراه (( سيادة )) , فالإنسان الذي يملك زمام نفسه لا يسمح للآخرين - خاصة الجاهلين أو العاجزين - بأن يحددوا مربع معركته , بل يترفع ليظل في منطقته العالية , تاركاً للشاتم سوء صحيفته , أو عار جهله.

ختاماً لهذا الطواف الفكري , يمكننا القول إن مقولة دوستويفسكي (( أو ما نُسب إليه )) وتلك القصة العميقة (( هذه صحيفتك املأها )) تلتقيان مع عيون التراث الإنساني والعربي عند حقيقة نفسية كبرى: أن الكلمة البذيئة مرآة لقائلها لا لواجهتها , إن الترفع عن الصغائر والالتفات عن جهل الشاتمين - سواء بالتركيز على تهافت أدواتهم كأخطائهم الإملائية , أو بتذكيرهم بأنهم لا يفسدون إلا تاريخهم الشخصي - ليس عجزاً عن الرد , بل هو أسمى درجات السيادة الذاتية , هو إعلان صريح بأن وعي الإنسان المحترم ومنزلته الفكرية أرفع من أن يتم استدراجها إلى مستنقعات الغوغاء , لتظل القوة الحقيقية دائماً في ملكة ضبط النفس , وترك الحاقد يعضّ على نواجذ خيبته , مسجوناً في تهافت لغته وضيق أفقه.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .
- مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .
- مقامة قراءة في شذرات القيلولة .
- مقامة أسطورة المدني .
- مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التب ...
- مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...


المزيد.....




- الدبوب -فيني بوخ- يعود إلى الشاشة الكبيرة بفيلم روائي طويل
- ترجمة خاصة | شبهات اختفاء ملايين الشواكل تثير أزمة في قطاع ا ...
- زاخاروفا: تصرفات زيلينسكي ضد اللغة الروسية نازية جديدة
- تحديات إنتاج أفلام الرسوم المتحركة في العالم العربي: رؤية ال ...
- وفاة الفنان البريطاني ديفيد هوكني أحد أبرز وجوه الفن المعاصر ...
- طهران: لا التزامات نووية جديدة.. وترمب يرفض الرواية الإيراني ...
- -هوليوود أفريقيا-.. متحف تاريخ السينما بورزازات المغربية شاه ...
- معرض أربيل الأول للكتاب الكردي.. تعزيز اللغة والثقافة بمشارك ...
- سجن وإبعاد وتهم فضفاضة.. كيف يواجه صحفيو القدس حرب الرواية؟ ...
- المخرج يحيى جابر والممثلة آنجو ريحان في باريس: جنوب لبنان وا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إلى رُطب البصري .