أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الخل الممتنع .














المزيد.....

مقامة الخل الممتنع .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 10:21
المحور: الادب والفن
    


الشعراء العذريون , ومن سار على نهجهم من المفكرين , رأوا في (( التمنع والهرب )) صوناً لجمال العاطفة , يقول جميل بثينة في وصف هذا التهرب الذي يحفظ الوداد دون تصريح يُفسده : (( يَموتُ الهَوى مِنّي إِذا ما لَقيتُها وَيَحيا إِذا فارَقتُها فَيَعودُ , وَقَد لُمتُ نَفسي يا بُثَينَ عَلَيكُمُ لَوامِةَ نَفسٍ لَيسَ لَها جَلودُ )) , وهو يشير هنا إلى المفارقة , بأن اللقاء يفرض الصمت والوجوم - الموت الظاهري للهوى خوفاً وحذراً - بينما يشتعل الوجد في الغياب , وفي فلسفة (( الخل الممتنع )) في أدب ابن حزم الأندلسي في كتابه الشهير (( طوق الحمامة في الأُلفة والأُلَّاف )) , أفرد باباً كاملاً لـ (( التعفف )) و(( طي السر )) , وتحدث عن الحبيب الذي يتملص من الاعتراف إبقاءً على المروءة وحفظاً للعهود , ويقول (( أعظم الحب ما كان في الله , وما طُوِيَ تحت أستار العفة , فإن كتمان السر دليلٌ على وفور العقل وشرف النفس )) , ويُؤثر عن بعض أهل الهوى في التراث قوله في الحبيب الممتنع صمتاً : (( أقربُ ما أكون منكِ , أبعدُ ما أكون عنكِ , نلتقي بالقلوب ونفترق بالظنون )) .

تلك هي حالة صاحبنا الثمانيني وصديقته السبعينية , يشكو أنها تقتضب في حواراتها معه, تتهرب من مماهاته , تشعره بحبها , وتتملص من الأعتراف , ويكاد ما بينهما لايعدو الا نفثات روح ورغبات مستحيلة , وذلك هو التنازع بين سطوة العاطفة وقيد الواقع , وبين البوح والامتناع , هو من أعمق ما تصادفه الروح في رحلتها , عندما تصبح المشاعر (( رغبات مستحيلة )) ونفثات روحية تطوقها الالتزامات والسنون , يتحول الصمت والتهرب إلى درع حماية , لا جفاءً , بل خوفاً على نقاء ما كان , وإجلالاً لواقع لا يمكن تجاوزه , وتعبير عن أصالة هذه الحالة الوجدانية , فالهروب والاقتضاب ليس خيانة للعاطفة , بل هو في العرف التراثي أرفع درجات (( الصيانة )) لحبٍّ وُلد في زمنٍ معقّد.

تبقى نفثاتٌ على جدار الصمت , فما بينهما سبعون عاماً من العمر, وسبعون كوكباً من الذكريات , وحشدٌ من العوائل والالتزامات التي نمت حولهما كأشجارٍ عتيقة , ضربت جذورها في أرض الواقع , فلا هما يملكان اقتلاعها , ولا هي تترك لهما فضاءً ليحلقان معاً كإطارٍ لوحةٍ قديمة لا يملكان نقض غزلها , وفوق هذا كله , سرٌّ يرفض أن يموت , ويرفض أن يولد في العلن , فهما قطبان لروحٍ واحدة , التقيا في خريف العمر , لنكتشف أن الربيع الذي بداخلنا أتى في الأوان الخطأ , أو ربما في أبهى أوانٍ مأساوي ممكن.

مرة كتب لها : (( أراكِ تقتضبين في الحديث , تختصرين الكلمات كمن يمشى على حبلٍ مشدودٍ بين البوح والفرار , كمن يزن الكلمات بميزان شحيح , تتهربين من مرآتي , وتفرّين من مماهاتي , خوفاً من أن تلتقي النظرة بالنظرة , فيسقط القناع الأخير الذي نستر به عجزنا أمام هذا (( المستحيل )) , تخافين الجمل الطويلة لأنها قد تزلّ وتفضح ما انطوت عليه الضلوع , تفرّين من مماهاتي , وتتهربين من تلك المرآة الروحية التي أرفعها أمامكِ , فالنظر فيها يعني الاعتراف , والاعتراف زلزالٌ يهدد هذا السكون الهش الذي نتحصن خلفه , أعلمُ , بل أشعر بكِ , تحبينني خلف هذا السور العالي من الصمت المفتعل , وتملّصكِ من الاعتراف ليس جحوداً , بل هو طريقتكِ اللائقة في حماية ما تبقّى منا , إنه الحب الذي يعرف حدوده , فيختار أن يظلَّ نبضاً خفياً , ونفثةَ روحٍ حائرة , بدلاً من أن يصبح مواجهةً لا نملك أدواتها , نحن عالقون في تلك المنطقة الرمادية الفاتنة والموجعة معاً , حيث المشاعر أعمق من أن تُنكر, وأعقد من أن تُعاش , لكن , ما أشدَّ وضوحكِ في تملصكِ, إنني ألمح حبكِ يفيض من شقوق هذا الصمت المفتعل , أراه في ارتباك الحروف , وفي الإسراع بإنهاء الحوار , وفي تلك الالتفاتة الحذرة التي تسعى للفرار قبل أن تلتقي النظرة بالنظرة , فتنكشف النوايا , تملّصكِ من الاعتراف ليس جفاءً ولا إنكاراً , بل هو عفة الكبرياء , وطريقتكِ اللائقة في صون ما بيننا من التبدد , أنتِ تخافين على هذا الطهر الروحي من تدنيس الحقيقة العارية , وتفضلين أن يظلَّ سراً معلقاً بين السماء والأرض )) .

ما بينهما لا يعدو إلا نفثات روحٍ حائرة , ورغبات مستحيلة , يسرقانها من زحام الأيام وهما يعلمان أنهما لن يملكانها يوماً , إنه الجوع الصوفي الذي لا يبتغي الامتلاك , بل يكتفي بالوجد , فما أجمله وما أقصاه ؟ انها رغبةٌ تولد من رحم المستحيل , تعيش على حافة الكلمة , وتموت قبل أن تنطق بها الشفاه , لتستوعب تلك التناقضات الوجدانية , حيث يصبح الصمت لغة بحد ذاته , وتتحول العفة إلى جمر متقد تحت الرماد , انها مرافئ صمت وهج المستحيل , انهما يعيشان تلك المفارقة الموجعة , عواطف شابة جامحة , وظروف شائخة صارمة , يحبان بقلوبٍ بكر , ويتصرفان بحكمة الشيوخ , يسيران على ذلك الخيط الرفيع بين نداء القلب وقيد الواجب , يلتقيان بلا موعد في مساحات الفكر , ويفترقان بلا وداع عند بوابات الواقع البارد.

الشاعر العباسي العباس بن الأحنف , الذي كان إماماً في شعر وجد الروح والتعفف , صوّر تماماً حالة (( الرغبة المستحيلة )) والاضطرار إلى الهروب والاقتضاب في الكلام خشية الرقباء (( أو قيد الواقع والعائلة )) , حيث يقول : (( أُضاحِكُها وَخَوفي مِنهُ بادٍ كَما ضَحِكَ السَقِيمُ مِنَ الأَنِينِ , وَأَمنَعُ طَرفِيَ النَظَرَ المُداوى إِلَيها خَشيَةَ المُتَوَسِّمِينَ )) , ويقول أيضاً في ذات المعنى من اللقاء المقتضب الشبيه بنفثات الروح : (( وَتَكلِمُنا الشِفاهُ بِغَيرِ صَوتٍ فَتَفهَمُ مِثلَما فَهِمَ المَعِينُ )) , فسلامٌ على هذا العذاب العذب , وسلامٌ على التمنع الذي يزيد الرفعة , والصمت الذي يقول كل شيء دون أن ينطق بكلمة واحدة , سيظل الشيخ هنا , على ضفة المستحيل , يرقب إيجازها ليقرأ منه مطولات العشق التي تخفيها , وسلامٌ على حبٍّ يكتفي بأن يكون دافئاً كالذكريات , وعصياً كالمستقبل.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .
- مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .
- مقامة قراءة في شذرات القيلولة .
- مقامة أسطورة المدني .
- مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التب ...
- مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...


المزيد.....




- وفاة الفنان المصري عبدالعزيز مخيون عن 83 عاما
- برك سليمان: استهداف المكان وسرقة الرواية
- أم كلثوم في الساعة السادسة والنصف بتوقيت سجون الاحتلال
- من قال لا لفيلم -نعم-؟ انسحاب ناداف لابيد من مهرجان مرسيليا ...
- في مالمو / السويد تقيم معرض للفنان التشكيلي هادي الصكر
- -بعيون شابة-.. بغداد تحتفي بأفلام توثق قصص الأهوار والتغير ا ...
- كوثر بن هنية: السينما سياسة والغرب يستهلك مآسي الجنوب
- الملكة صوفيا تصنع التاريخ أمام ليون الرابع عشر باستعادة امتي ...
- تضارب في الروايات الإسرائيلية عقب عملية تسلل واشتباك على الح ...
- -دليل جرائم القتل من فتاة صالحة- 2.. موسم أكثر نضجا يعيد اكت ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الخل الممتنع .