أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .














المزيد.....

مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 10:05
المحور: الادب والفن
    


في واحدة من أروع قصصه الساخرة , يروي الأديب التركي عزيز نيسين قصة الفلاح (( حمدي )) وابن آغا القرية , كان الآغا يقود تراكتوره بينما يسير حمدي خلفه يلهث تحت الشمس , فأراد الآغا أن يمارس ساديته ونفوذه , أشار إلى روث بقرة على الطريق وقال : (( يا حمدي , إن أكلت هذا الروث فالتراكتور لك )) , وتحت وطأة الحاجة والطمع في الثروة , قبل حمدي الإهانة وأكل الروث , وبموجب العهد , نال التراكتور , وفي طريق العودة , وتحت وطأة الندم والشعور بالخزي , عرض حمدي على الآغا ذات العرض ليعيد إليه تراكتوره , ولأن الآغا لم يحتمل خسارة ثروته وهيبته , قبل الإهانة ذاتها وأكل الروث واستعاد التراكتور , انتهت الرحلة وعادا إلى القرية , وفي صمت الطريق سأل حمدي آغاه سؤالاً يختصر كل شيء : (( يا آغا , أنا ذهبت حمدي وعدت حمدي , وأنت ذهبت بالتراكتور وعدت به , لكن السؤال : لماذا أكلنا الروث أنا وأنت؟ )) .

هذه القصة الساخرة ليست مجرد حكاية ريفية , بل هي مصفوفة سياسية تنطبق بدقة مذهلة على التصعيد الأخير الذي شهده الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإيران , والذي انتهى بالإعلان عن وقف إطلاق النار , ففي هذه المواجهة , بدا المشهد وكأنه إعادة إنتاج حرفية لرواية نيسين ,الآغا (( الولايات المتحدة )) , دخل الأزمة بسقف طموحات مرتفع وغطرسة واضحة , معلناً رغبته في إسقاط النظام الإيراني أو شل حركته تماماً , وحمدي (( إيران )) , تعامل ببراغماتية (( بقاء )) قاسية , مستعداً لتحمل العقوبات والضربات و((تجرع مرارة التنازل)) في سبيل إحراج الخصم وإثبات عجز قوته المطلقة , وبعد أسابيع من التهديد والوعيد , انتهى المشهد باتفاق لوقف إطلاق النار يعيد الطرفين إلى نقطة الصفر , لم يسقط النظام الإيراني , ولم تتغير موازين القوى الاستراتيجية , بل كان قمة الإنجاز الدبلوماسي هو الاتفاق على إعادة فتح مضيق هرمز وممرات الملاحة , وهي الممرات التي لم تكن مغلقة أصلاً قبل بدء هذه الدوامة العبثية , تماماً كحال الآغا , خسر (( التراكتور )) ثم اضطر إلى تجرع شروط مهينة لمجرد استعادته والعودة إلى (( الوضع القائم )) .

ما الذي تخبرنا به الأزمة ؟ وماهي الدروس المستنبطة ؟ في تحليل الأستراتيجيات القصة تلخص مفهومًا في العلوم السياسية والعلاقات الدولية يُعرف بـ (( المحصلة الصفرية العبثية )) أو (( صراع كسر العظم بلا طائل )) ,او مايسمى معارك (( عض الأصابع )) , حيث تثبت الأزمة أن الحروب التي تفتقر إلى استراتيجية خروج واضحة تنتهي دائماً بتقديم تنازلات متبادلة ومخجلة فقط للحفاظ على ماء الوجه , اذ في الصراعات الدولية المعقدة , غطرسة القوة لا تضمن النصر , فالطرف الأقل إمكانيات قد يمتلك قدرة أعلى على تحمل الألم وإفساد خطط الخصم , ثم هناك كلفة (( الهيبة )) السياسية , تدفع الدول أحياناً أثماناً باهظة من استقرارها , واقتصادها , وهيبتها الدولية , فقط لتصل في النهاية إلى اتفاق كان يمكن توقيعه في اليوم الأول دون رصاصة واحدة , إنها كلفة (( الكبرياء السياسي )) الذي يدفع القادة لاتخاذ قرارات مريرة لمجرد العودة إلى نقطة البداية.

هذه القصة الساخرة للأديب التركي عزيز نيسين هي واحدة من أروع الاستعارات الأدبية التي تُسقط على الواقع السياسي , وتحديداً على العلاقات الدولية والأزمات التي تنتهي بـ (( الوضع القائم )) بعد تكبد خسائر معنوية أو مادية فادحة للطرفين دون تغيير حقيقي في ميزان القوى , ثم نأتي الى السؤال الشعبي المعلق : (( لماذا؟ )) حيث يبقى السؤال الأخلاقي الأكبر معلقاً في رقبة قادة السياسة , وهو السؤال الذي تطرحه الشعوب دائماً بعد كل تصعيد أو حرب , إذا كانت النتائج هي ذات القواعد السابقة , فلماذا خضنا المغامرة وتجرعنا كل هذه الخسائر والمخاوف ؟ الموضوع بلا شك معقد وله أبعاد اقتصادية وجيوسياسية عميقة , وقد يتجدد الصراع مستقبلاً بأشكال أخرى , لكن حتى اللحظة , تبقى الحقيقة الثابتة : الآغا عاد آغا , وحمدي عاد حمدي , ولم يتغير من المشهد سوى مرارة التجربة العبثية.

التعليق الأدق هنا , هو أن الحروب بالوكالة أو الأزمات الدولية كثيراً ما تُخلق لـ (( الاستهلاك المحلي )) أو لاستعراض القوة , الطرفان قد يدخلان في مواجهة تجبرهما على اتخاذ قرارات (( مُرة )) وتنازلات مهينة أمام شعوبهما أو أمام المجتمع الدولي , فقط ليعودا في النهاية إلى نفس نقطة البداية , الأسوأ من ذلك , أن الثمن الحقيقي (( الدماء , الخسائر الاقتصادية , القلق الشعبي )) يدفعه الناس العاديون , بينما يبقى (( الآغا آغا )) و(( حمدي حمدي )) , الا انه لابد من الأخذ بنظر الأعتبار انه في السياسة الدولية , قد لا يمانع (( الآغا )) ولا (( حمدي )) في تكرار التجربة ما دام الجمهور يصفق , وما دامت الخسائر تُقيد ضد مجهول , لكن التاريخ سيبقى يسجل بمرارة ذلك السؤال العالق : إذا كان المشهد سينتهي كما بدأ , فلماذا كان لزاماً على الجميع أن يتجرعوا مرارة القذارة؟ .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .
- مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .
- مقامة قراءة في شذرات القيلولة .
- مقامة أسطورة المدني .


المزيد.....




- -قاعة مسجد وهوى عثماني-.. كيف حوّل روائي فرنسي منزله إلى -إس ...
- اتهامات ودعوى قضائية.. هل سربت نتفليكس فيلم -فورتيتيود-؟
- الغرافيتي.. صوت المتمردين ومرآة المنبوذين
- داخل إحدى دور سينما آيماكس النادرة.. تجربة مشاهدة -الأوديسة- ...
- مخرج ألماني يحذف مشهد تعرّ من أحد أفلامه الشهيرة ويعتذر لمؤد ...
- -بياف 2026- يكرّم نخبة من نجوم الفن والإعلام... وعباس النوري ...
- لماذا تريد الفنانة البريطانية -تشارلي إكس سي إكس- أن يعرف ال ...
- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
- دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج ...
- “سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .