أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .















المزيد.....

مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 10:13
المحور: الادب والفن
    


نشر الأستاذ عقيل كاظم التميمي قراءة لمشهد من فيلم ((عسل أسود)) , حيث كان البطل ((أحمد حلمي)) جالساً على متن الطائرة , يتألم من وجع مفاجئ , جاءت المضيفة وسألته , ماذا بك ؟ حاول أن يتمالك نفسه , لكنها اتصلت بالطيار لتبلّغه أن هناك مسافر مريض , سألها الطيار: من أي جنسية؟ قالت له : (( شكله مصري )) ردّ : (( اعطيه أي مسكن )) لكن حلمي كان سامع المكالمة , بهدوء , وبأنفاس متقطعة , أخرج جواز سفره الأمريكي , نظرة المضيفة تغيّرت فجأة , ارتبكت , اتصلت بالطيار مرة ثانية , وقالت له إن المريض أمريكي , وفي لحظات , تغيّر كل شيء , أعلن الطيار عبر مكبر الصوت , شدوا الأحزمة سنضطر للهبوط في أقرب مطار لإنقاذ حياة أحد الركاب , مشهد مؤلم ليس فقط بسبب المرض , بل لأن الإنسانية أصبحت تخضع لمراتب وجنسيات , كأنك حتى لو كنت بين السحاب , قرب الله , تبقى محتاج (( جواز )) يثبت أنك تستحق الرحمة , والدنيا فيها حاجة حلوة.

هذا المنشور يضع الإصبع على واحد من أعمق المشاهد السينمائية دلالة في السينما المصرية الحديثة , وفيلم (( عسل أسود )) لم يكن مجرد فيلم كوميدي , بل كان تشريحاً اجتماعياً ونفسياً لواقع مرير يعيشه المواطن العربي عموما , والمصري خصوصاً , والمفارقة الإنسانية عن تراتبية القيمة البشرية , لأن المشهد يختزل واقعاً عالمياً مؤسفاً, عن تسليع الإنسانية وتصنيفها وفقاً لـ (( اللون الأخضر - جواز السفر الأمريكي )) , فقبل الجواز شكله مصري كانت كافية للحكم عليه بالصبر وتناول (( مسكن )) عادي , وكأن الألم عند المخرج المحلي أقل وطأة , أو كأن قدرة تحمله للاستصغار مبررة , وبعد الجواز المريض أمريكي تحولت فجأة إلى حالة طوارئ تستدعي تغيير مسار طائرة كاملة وهبوطها الاضطراري , وهبوط الطائرة هنا ليس لإنقاذ (( جسد يتألم )) , بل لإنقاذ (( حصانة سياسية وقانونية )) يمثلها هذا الجواز.

أجمل وأقسى ما في المشهد هو أن طاقم الطائرة (( الطيار والمضيفة )) هم على الأرجح من نفس جنسية البطل (( مصر أو دولة عربية )) , وهنا تكمن المفارقة الكبرى , لأننا نحن من نصنع جلادينا , ونحن من يقلل من قيمة بعضنا البعض , والتمييز هنا لم يأتِ من (( أجنبي )) ضد (( عربي )) , بل جاء من (( ابن البلد )) ضد (( ابن البلد )) , الطيار لم يتردد في إهمال الوجع عندما ظن أنه من أبناء جلدته , ولكنه ارتجف خوفاً واهتماماً عندما علم أنه يحمل الجنسية الأمريكية , هذا يعكس (( عقدة الخواجة )) المتجذرة , حيث تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بمدى قوّة الدولة التي تحميه , لا بآدميته.

إن رمزية (( بين السحاب قرب الله )) , التعليق الذي أضافه الأستاذ عقيل في نهاية المنشور يُضفي لمسة فلسفية رائعة, كأنك حتى لو كنت بين السحاب , قرب الله , تبقى محتاج (( جواز )) يثبت أنك تستحق الرحمة , ففي السماء , حيث تتلاشى الحدود الجغرافية وتصغر الأرض بما رحبت , يظن الإنسان أنه تحرر من قيود البشر والسياسة ليصبح في حضرة الإنسانية المطلقة , لكن المشهد يصدمنا بأن (( الحدود والطبقية )) قد صعدت مع البشر إلى السماء , وأن صكوك الغفران والرحمة أصبحت تُطبع في دوائر الهجرة والجوازات , ثم تأتي عبارة (( الدنيا فيها حاجة حلوة )) التي تعبر عن السخرية المرة , حيث استخدم الفيلم أغنية (( فيها حاجة حلوة )) كخلفية لرحلة البحث عن الهوية , والمفارقة هنا هي السخرية المرة , فالحاجة الحلوة في تلك اللحظة لم تكن طيبة الناس أو شهامتهم , بل كانت (( القدرة الحمائية والسياسية )) لجواز السفر الذي يحميك من ظلم بني جلدتك.

لقد لخص المخرج والكاتب في دقيقتين أزمة (( الهوية والاغتراب )) , إنها صرخة صامتة تقول , متى يصبح الإنسان كافياً بذاته لكي يُحترم؟ متى تكون دموع الوجع وصرخات الألم كافية لهبوط طائرة , دون الحاجة للنظر إلى النسر الذهبي المطبوع على غلاف الجواز؟ هذا المشهد يُعد (( السهل الممتنع )) في دراما الكوميديا السوداء , والمنشور يفتح الباب لمراجعة الذات , كيف نتعامل نحن مع بعضنا البعض في مؤسساتنا , ومطاراتنا , ومستشفياتنا ؟ هل نحترم (( الإنسان )) أم نحترم (( المظهر والمنصب والجنسية ؟)) .

المشهد لا يدين المضيفة أو الطيار كأفراد , بل يدين (( الوعي الجمعي المهزوم )) الذي يربط القيمة الإنسانية بمدى قدرة الدولة التي ينتمي إليها الفرد على (( البطش والتأثير )) , وجواز السفر هنا ليس مجرد وثيقة سفر , بل هو (( درع سلطوي )) , والطيار لم يتحرك دافعاً إنسانياً , بل تحرك بدافع الخوف من المساءلة الدولية , وهناك شعورفي العقل الباطن للأنظمة والمؤسسات في العالم الثالث بأن (( ابن البلد )) متسامح مع الألم , أو لا يملك (( ظهيراً )) يحاسب على التقصير في حقه , بينما مواطن الدول الكبرى خلفه ترسانة قانونية ودبلوماسية تجعل الخطأ معه مكلفاً للغاية , هذا يمثل انتقال (( علاقات القوة المستعمرة )) إلى العقلية الإدارية الحديثة.

البطل (( شريف المهاجر )) يعيش تمزقاً هوياتياً جسده الفيلم بدقة , فهو يحمل ملامح بلده , ودمه , وروحه (( شكله مصري )) , ولكنه لا يحصل على الرعاية إلا بصفته الغريبة (( أمريكي )) , وهذا يطرح تساؤلاً سوسيولوجياً مريراً , هل يجب على الإنسان أن يتنازل عن جزء من هويته الأصيلة , أو يتلفع برداء أجنبي , لكي يحظى بالحد الأدنى من الكرامة في وطنه ؟ إنها مفارقة الاغتراب , أن تكون غريباً في قمرة الطائرة المتجهة إلى وطنك , ولا ينقذك من الإهمال إلا صك الغربة ذاته , تلك هي ازدواجية (( المواطنة )) والاغتراب النفسي .

نجد فيما تقدم تقسيماً للأجساد البشرية , الجسد (( المستباح )) والجسد (( المحصن )) ,الجسد المحلي , يُنظر إليه تاريخياً في مجتمعاتنا - نتيجة تراكمات من الاستبداد والأزمات الاقتصادية - على أنه جسد (( صبور, حمال أسية , يتحمل المسكنات )) , والجسد الغربي , يُنظر إليه كجسد (( مُعقم , رفيع القيمة , لا يجوز أن يتألم )) , هذا الفرز الثقافي داخل المشهد يوضح كيف تسللت الطبقية الاستعمارية إلى وعينا الداخلي , حتى أصبحنا نرى أجسادنا أقل استحقاقاً للراحة الفورية من أجساد الآخرين , وتلك مفارقة التراث الإنساني العربي , فهذا الواقع الذي ينقده المنشور يتناقض بشكل حاد مع القيمة الأخلاقية التي تأسست عليها الثقافة العربية والإسلامية في عصور ازدهارها , حيث كانت (( إغاثة الملهوف )) قيمة مطلقة لا تسأل عن هوية المستغيث أو جنسيته , والمشهد يُظهر كيف انحسرت هذه المنظومة الأخلاقية الكونية أمام (( بقرَطة )) الإنسانية , حيث أصبحت الاستجابة للاستغاثة تتطلب قراءة (( البيانات الحيوية )) وجهة الإصدار أولاً.

إن قوة هذا المشهد , والسبب في أنه ما زال حياً ويُستشهد به كما فعل الأستاذ عقيل , تكمن في أنه تعرية حادة للمسكوت عنه , الفيلم لم يقدم عدواً خارجياً يضطهدنا , بل أظهر كيف تحولت (( الجنسية والوثيقة )) إلى جدار عازل يمنع الإنسان من رؤية أخيه الإنسان , إنها دعوة , من خلال هذه المقامة , لإعادة الاعتبار للإنسان الفرد , الإنسان العاري من الألقاب والوثائق وجوازات السفر , والاعتراف بأن (( الألم وحق الحياة )) هما القاسم المشترك الأعظم الذي لا يجوز تصنيفه أو تجزئته .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .
- مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .
- مقامة قراءة في شذرات القيلولة .
- مقامة أسطورة المدني .
- مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التب ...


المزيد.....




- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
- دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج ...
- “سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في ...
- بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل ...
- نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
- ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها ...
- مصر.. تامر حسني يعلن وفاة والده الفنان المعتزل حسني شريف
- كارول سماحة تطلق كليب -يا حظي-.. وتدخل عصر الذكاء الاصطناعي ...
- كيجي.. عمارة خشبية صُنعت بالفأس واشتهرت ببنائها -من دون مسام ...
- الناطور ينفي والخاني يطالب بتوضيحات.. جدل في الوسط الفني الس ...


المزيد.....

- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .