صباح حزمي الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 10:08
المحور:
الادب والفن
رَوَى الحَارِثُ بنُ هَمَّام قَالَ:
كُنْتُ أَعْهَدُ العِرَاقَ سَفِينَةَ شَرْقٍ مَاهِرَة , وَمَنَارَةَ عِلْمٍ زَاهِرَة , حَتَّى دَهَتْهُ دَاهِيَةُ الِاحْتِلَال , وَأَقْبَلَتْ جُيُوشُ القِيلِ وَالقَال , فَهَدَمَتْ مَاهُوَ قَائِم , وَجَعَلَتْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا فِي مَأْتَمٍ دَائِم , وَيْلَمُّهَا مِنْ نَكْبَةٍ لَمْ تُبْقِ وَلَمْ تَذَرْ, حِينَ تَسَلَّطَ عَلَى دَفَّةِ الحُكْمِ رَعَاعُ البَشَر , مِمَّنْ رَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَنْ يَكُونُوا (( ذُيُولاً )) لِأَسْيَادِ الشَّرْقِ وَالغَرْب , فَأَوْرَدُوا البِلَادَ مَوَارِدَ الهَلَاكِ وَالحَرْب.
مَجْلِسُ المَحْزُونِ وَوَصْفُ المَنُون , دَخَلْتُ بَغْدَادَ بَعْدَ طُولِ غِيَاب , فَوَجَدْتُ بَاصَ الوَطَنِ الخَشَبِيَّ قَدْ تَهَاوَى وَأَصَابَهُ الخَرَاب , وَإِذَا بِأَقْوَامٍ غُرَبَاء , لَا يَفْقَهُونَ فِي السِّيَاسَةِ وَلَا الحَيَاء , قَدْ اعْتَلَوْا مَقَاعِدَ الصَّدَارَة , وَأَمْسَكُوا مَقْوَدَ الإِدَارَة , فَقُلْتُ لِأَحَدِ الجَالِسِينَ وَالنَّحِيبُ يَخْنُقُه , وَالهَمُّ بِالْحَسْرَةِ يُحْرِقُه: (( مَا بَالُ هَؤُلَاءِ القَوْمِ يَقُودُونَ بِلَادَ الرَّافِدَيْن , وَقَدْ جَعَلُوهَا بَيْنَ دَيْنٍ وَبَيْنِ بَيْن؟ )) فَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاء , وَقَالَ وَعَيْنَاهُ تَفِيضَانِ بِالبُكَاء : (( يَا هَذَا , أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ البَاصَ قَدْ بِيْعَ فِي سُوقِ النِّخَاسَة , وَأَنَّ الحُكْمَ صَارَ مَزْرَعَةً لِلنَّجَاسَة ؟ لَقَدْ حَشَرُوا شَعْبَ الأَمْجَادِ وَالمَبَادِئ , فِي قَاعِ البَاصِ فِيمَا يُسَمَّى (( خَانَة الشَّوَاذِي )) .
الإسْقَاطُ المُرّ: قِرَاءَةٌ فِي صُنْدُوقِ المَظَالِم.
فَتَأَمَّلْتُ الرَّابِطَ العَجِيب , بَيْنَ خَانَةِ البَاصِ وَالوَاقِعِ العَصِيب , فَإِذَا بِنَا نَرَى المَعَانِي تَنْعَكِسُ كَمَا يَلِي :
• مَقَاعِدُ الصَّدَارَةِ لِلذُّيُول: جَلَسَ فِي مُقَدِّمَةِ الحَافِلَةِ (( المَنَاصِب وَالوِزَارَات )) مَنْ ارْتَضَى أَنْ يَكُونَ لِلأَجْنَبِيِّ صَنِيعَة , فَمَلَأُوا جُيُوبَهُمْ بِالسَّرِقَاتِ الرَّفِيعَة , وَتَرَكُوا لِلشَّعْبِ الدُّخَانَ وَالغُبَار.
• عَزْلُ الشَّعْبِ فِي الخَانَة: أَمَّا نُخَبُ الوَطَنِ وَشَبَابُهُ وَفُقَرَاؤُهُ , فَقَدْ أُلْقُوا فِي (( الخَانَةِ المَكْشُوفَةِ )) بِصُنْدُوقِ البَاصِ الخَلْفِي , بِلَا حِمَايَةٍ مِنَ الهَجِير , وَلَا أَمَانٍ مِنَ المَصِير , يَعِيشُونَ بِقَسْوَةٍ وَبِلَا حُقُوق , يَفْتَرِشُونَ مَعِيشَةَ الضَّنْكِ وَالعُقُوق.
• تَسْمِيَةُ الشَّوَاذِي : لَمْ تَعُدْ التَّسْمِيَةُ لِلْحَيَوَانَاتِ الأَلِيفَةِ كَمَا الأَوَّل , بَلْ صَارَ السَّاسَةُ يَنْظُرُونَ إِلَى عِظَامِ الرِّجَالِ وَالحَرَائِرِ كَأَنَّهُمْ (( قُرُودٌ )) فِي قَفَص , يَسْخَرُونَ مِنْ صُرَاخِهِمْ حِينَ يَطْلُبُونَ المَاءَ وَالكَهْرَبَاء , وَيَرْمُونَ لَهُمْ فُتَاتَ المَكْرُمَاتِ فِي المَوَاسِمِ وَالِانْتِخَابَات.
• الازْدِحَامُ عَلَى المَوْت: حِينَمَا تَضِيقُ بِالنَّاسِ سُبُلُ الكَرَامَة , يَزْدَحِمُونَ فِي تِلْكَ (( الخَانَةِ )) البَائِسَة , فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْقُطُ فِي قَوَافِلِ الهِجْرَة , وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْضِي بِنِيرَانِ الفِتْنَةِ وَالغُدْرَة.
1. قطاع الطاقة والكهرباء (( مُحرّك الباص المحروق )).
• الإسقاط: المحرك يلتهم ملايين الدولارات من الوقود (( الميزانيات الانفجارية )) , لكنه لا يُنتج حركة , بل يبعث الدخان العقيم في وجوه الركاب القابعين في الخانة المكشوفة.
• الواقع: جعلوا من الظلام تجارة , تُصرف مليارات الدولارات على المحطات الوهمية والعقود الفاسدة , والهدف إبقاء العراق عاجزاً طاقوياً , وتابعاً مستورداً للغاز والطاقة من دول الجوار لإرضاء الأسياد , بينما يعيش المواطن جحيم الصيف في (( خانة الشواذي )) .
2. قطاع التعليم والجامعات (( مَدرسة المشاغبين وتزوير الشهادات )).
• الإسقاط: (( معاون السائق )) المُجند من قبل الحزب , يبيع تذاكر العبور والشهادات لمن هبّ ودبّ داخل الباص , بينما يُطرد العلماء وأصحاب العقول إلى خارج الحافلة أو يُلقون في أسفل الخانة.
• الواقع: تحول التعليم من منارة تاريخية إلى مرتع للمحاصصة , فُتحت الدكاكين الأهلية (( الجامعات التجارية )) التابعة للأحزاب , وجرى تزوير الشهادات العليا للسياسيين والذيول ليتبوؤوا بها أعلى المناصب , وتغلغل الفكر الطائفي في المناهج , مما أفرغ التعليم من رصانته العلمية وجعل (( الجهل المقدس )) هو القائد.
3. قطاع الصحة والمستشفيات (( صندوق الإسعافات الملغوم )).
• الإسقاط: صندوق الإسعافات الأولية في الباص يحتوي على أدوية منتهية الصلاحية ومغشوشة , وضعت لتموت الرعية بصمت , ومن يمرض من الركاب يُلقى به في الخانة الخلفية دون عزاء , في حين يُعالج السائق ومريدوه في أفضل المشافي خارج البلاد.
• الواقع: سيطرة مافيات الأحزاب (( المكاتب الاقتصادية )) على مذكرات استيراد الأدوية , وتحول المستشفيات الحكومية إلى أماكن تفتقر لأبسط مقومات النظافة والطبابة (( ومجازر للحرائق كما حدث في مستشفيات الخطيب والحسين سابقاً )) , أصبح المواطن مجبراً على بيع ما يملك ليتعالج في المستشفيات الأهلية أو السفر للخارج , لأن قطاع الصحة أُحيل إلى استثمار حزبي قذر.
4. الاقتصاد والتجارة (( تأمين الباص المنهوب وتهريب الوقود )).
• الإسقاط: باص يغرق في الديون , وخزان وقوده مثقوب يُهَرّب منه النفط علناً إلى حافلات الأسياد المجاورة , بينما يُطالب الركاب في الخانة بدفع أجور مضاعفة (( ضرائب وجبايات )) لتغطية السرقات.
• الواقع: تدمير الصناعة والزراعة المحلية بالكامل لجعل العراق سوقاً استهلاكياً 100% لبضائع دول الجوار الرديئة , يُضاف إلى ذلك (( مزاد العملة )) في البنك المركزي الذي غدا القناة الرسمية لتهريب الدولار وغسيل الأموال لصالح دول وميليشيات خارج الحدود , في حين يعاني الشعب من الغلاء والبطالة وفقر حال ميزانية الدولة رغم ثرائها النفطي .
5. قطاع القضاء والأمن (( المكابح المعطلة والسيطرات الوهمية )).
• الإسقاط: مكابح (( فرامل )) الباص لا تعمل إلا إذا أراد السائق دهس أحد الركاب المعترضين في الخانة , أما إذا سرق أحد الذيول محتويات الباص , تعطّلت المكابح واختفى المفتش .
• الواقع: تحويل القضاء إلى أداة لتصفية الخصوم وحماية الفاسدين من الحيتان الكبيرة (( قانون عفا الله عما سلف , وتسويات سرقة القرن )) , وفي الجانب الأمني , تحولت السيطرات والأجهزة الأمنية في بعض مفاصلها إلى بؤر للابتزاز وخدمة أجندات الفصائل , حيث يُعتقل البريء بالشبهة والمخبر السري , ويَسرح القاتل والمُهرّب الحزبي بحصانة تامة.
إضافة للمقامة (( سجع لوصف القطاعات )) : (( وأسفاً على بلدٍ غدا فيه الطبُّ مَنيَّة , والتعليمُ أُمْنِيَّة , والكهرباءُ خَطِيْئَة , والتجارةُ سَرِقَةً عَلَنِيَّة , غَشُّوا الدَّوَاء , وَقَطَعُوا المَاء , وَأَطْفَأُوا الضِّيَاء , وَجَعَلُوا القَضَاءَ حِبَالَ مَشَانِقَ لِلْفُقَرَاء , وَحِصْناً مَنِيعاً لِلأَشْقِيَاء , كُلُّ ذَلِكَ لِتَبْقَى (( خَانَةُ الشَّوَاذِي )) تَعُجُّ بِالنَّحِيب , وَيَبْقَى الذَّيْلُ فِي رَغَدٍ عَجِيب )) .
قَالَ الحَارِثُ بنُ هَمَّام :
فَلَمَّا سَمِعْتُ مِنْ هَذَا المَحْزُونِ مَا سَمِعْت , وَعَلَى حَالِ دَارِ السَّلَامِ بَكَيْتُ وَتَفَجَّعْت , أَدْرَكْتُ أَنَّ عِرَاقَ الحَضَارَةِ المَجِيدَة , صَارَ حَافِلَةً خَشَبِيَّةً فَرِيدَة , سَائِقُهَا عَمِيل , وَمُفَتِّشُهَا دَخِيل , وَقَدْ عَاثَ فِيهَا الذُّيُولُ فَسَاداً لَمْ تَشْهَدْ لَهُ المَمَالِكُ مَثِيل , وَأَسَفَاً عَلَى بَلَدٍ غَدَا فِيهِ:
• الِاقْتِصَادُ نَهْباً وَمَزَاداً لِلْعُمْلَةِ المَهْرُوبَة.
• وَالطَّاقَةُ ظَلَاماً دَامِساً وَمِلْيَارَاتٍ مَسْلُوبَة.
• وَالطِّبُّ مَنِيَّةً وَتِجَارَةً بِأَجْسَادِ البَرِيَّة.
• وَالتَّعْلِيمُ أُمِّيَّةً بِشَهَادَاتٍ مُزَوَّرَةٍ شَقِيَّة.
• وَالقَضَاءُ حِبَالَ مَشَانِقَ لِلْفُقَرَاء , وَحِصْناً مَنِيعاً لِلأَشْقِيَاء.
لَقَدْ غَشُّوا الدَّوَاء , وَقَطَعُوا المَاء , وَأَطْفَأُوا الضِّيَاء , كُلُّ ذَلِكَ لِتَبْقَى (( خَانَةُ الشَّوَاذِي )) تَعُجُّ بِالمَظْلُومِينَ مِنَ الرَّعِيَّة , وَيَبْقَى الذَّيْلُ فِي رَغَدٍ وَعُبُودِيَّة.
لَكِنَّنِي نَظَرْتُ إِلَى وُجُوهِ القَابِعِينَ فِي تِلْكَ الخَانَةِ المَكْشُوفَة , فَرَأَيْتُ تَحْتَ رَمَادِ الصَّبْرِ جَمْراً , وَفِي سَكَتَاتِهِمْ ثَوْرَةً وَأَمْراً , وَعَلِمْتُ أَنَّ هَذَا المَحْرَكَ المُهْتَرِئَ لَا بُدَّ أَنْ يَنْفَجِر , وَأَنَّ قِطَارَ التَّارِيخِ لَا يَرْحَمُ مَنْ أَمِنَ وَتَجَبَّر , وَسَيَأْتِي اليَوْمُ الَّذِي يَنْفَضِخُ فِيهِ الصُّنْدُوق , وَيَسْتَرِدُّ لُيُوثُ الرَّافِدَيْنِ كُلَّ حَقٍّ مَسْرُوق , وَيُطْرَدُ الشَّوَاذِي وَالذُّيُولُ إِلَى مَزَابِلِ الدَّهْر , بِلَا بَاكٍ عَلَيْهِمْ وَلَا مَجْبُورِ كَسْر.
(( فَسُبْحَانَ مَنْ يُدِيلُ الدُّوَل , وَيُغَيِّرُ الأَحْوَالَ فَلَا تَمَلّ )) .
صباح الزهيري .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟