أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .














المزيد.....

مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 16:33
المحور: الادب والفن
    


صاحبنا الثمانيني , المندلاوي الجميل , بدا مغتبطا هذا الصباح , لأنه وهو يفتتح نهاره بقراءة في كتاب (( كأس البلار )) للناقدة السورية نجاح ابراهيم , التي يقول انها شاعرة مكتظة بوهج الحب , حيث راق له بعض اختياراتها : (( وقبلك كنت نسيت الحياة حتى وصلت وكنت القدر , اسفت لحظات تعمدت فيها ان احبك )) , والحقيقة انها شذرة أدبية بديعة , تفيض بروح مألوفة لدينا , تصدم الوعي برقة بالغة , وتختزل في بضعة كلمات فلسفة الوجود والعاطفة معاً .

تحمل هذه العبارة المنتقاة من كتاب (( كأس البلار )) مفارقة وجدانية عميقة , ويمكن تحليلها عبر مستويين , المستوى الأول الانبعاث الوجودي (( القدر والوصول )) حيث تبدأ العبارة باعتراف بالعدمية أو (( نسيان الحياة )) , وهو توصيف دقيق لحالة الركود الروحي التي تسبق التحولات الكبرى في حياة الإنسان , مجيء (( الآخر )) هنا ليس مجرد التغني بالحبيب , بل هو تجسيد لـ (( القدر )) بمفهومه الفلسفي , أي الحدث الحتمي الذي يعيد صياغة الوجود , إنه (( الوصول )) الذي يكسر رتابة الزمن ويعيد للذات صلتها بالحياة , والمستوى الثاني , مفارقة الندم والتعمّد , العبارة الختامية (( أسفتُ للحظاتٍ تعمّدتُ فيها أن أحبك )) ذروة في الروعة الأدبية , الندم هنا ليس ندم الخذلان , بل هو ندم على (( التكلّف )) , الشاعرة تأسف على تلك اللحظات التي حاولت فيها ممارسة الحب بوعي وإرادة وتعمّد , لأنها اكتشفت لاحقاً أن الحب الحقيقي قدر جارف لا يحتاج إلى (( عمد )) أو تمهيد , بل يقع كصاعقة وجودية تطوي ما قبلها.

ثم ماذا تفعل بصاحبنا هذه الشامية الكلبية ؟ كلما قرأ لها , يستعذبه , ويلهمه بهجة وأنشراح , فيروح جذلا مكتظا بما يقرأه , ويبدو ان علاقته بها كعلاقة الثعالبي بأبي الفتح البستي حين وصفها : (( جمعته وإِيَّايَ , لُحمَةُ الأَدَب , التي هي أقوى من قرابةِ النسب )) , وصف يضع يدنا على عمق هذه العلاقة , المندلاوي يجد في قلم هذه الشاعرة (( وطناً مجازياً )) وأخوّة فكرية تتجاوز الحدود الجغرافية بين العراق والشام , إنها قرابة اختيارية قائمة على تماثل الذائقة , حيث يصبح الكاتب والقارئ شريكين في وجدان واحد , واللافت هو تحوّل هذه العلاقة الثنائية (( بين المندلاوي والشاعرة )) إلى حالة جماعية , لأننا نحن قراء المندلاوي , بدأنا نشعر بعلاقة قرابة معها , من كثر مايذكرها ويطريها , وذلك هو عدوى الذائقة .

إن علاقة المندلاوي بكتابات نجاح إبراهيم (( هذه - الشامية الكلبية - نسبةً إلى دمشق وسكانها - بنو كلب - قديماً , أو كإشارة إلى أصالة المنبت الثقافي والشعري الشامي )) ليست مجرد علاقة قارئ بنص , بل هي حالة تماهٍ ثقافي ووجداني تستحق التأمل في أبعادها , فالمندلاوي الذي يبحث عن (( الوهج )) في زمن الركود , والذي يقف في العقد الثامن من عمره المديد , لا يقرأ للنقد الجاف , بل يبحث في كتاب (( كأس البلار )) عن (( وهج الحب )) والانشراح , ففي هذه المرحلة العمرية , تصبح القراءة نوعاً من (( الاسترداد الروحي )) , والنص الشامي المكتنز بالعاطفة يعمل كـ (( محرّك للزمن )) , يعيد للمندلاوي بهجة الصباحات الأولى ويمنحه طاقة وجدانية تتحدى ثقل السنين وتؤكد أن (( الأدب الحقيقي )) يملك قدرة دائمة على تجديد شباب الروح.

هنا تظهر القيمة السوسيولوجية للمندلاوي كناقل ثقافي وصانع ذائقة , فهو لا يحتكر الجمال , بل يفيض به على جلسائه وقرائه , من خلال تكرار ذِكرها وإطرائها , تحولت الشاعرة السورية من (( كاتبة غريبة )) إلى (( قريبة )) تنتمي إلى نفس الدائرة الثقافية والروحية لقرائه , هذا التلاقح هو جوهر المجالس الأدبية الرفيعة , حيث تصبح قراءة شخص واحد سبباً في صياغة وجدان جماعي بأكمله , خلاصة القول , المندلاوي في هذا الصباح لم يكن يقرأ كتاباً فحسب , بل كان يمارس طقساً من طقوس الحياة والابتهاج , مستنداً إلى (( لحمة الأدب )) التي جعلت من كتابات نجاح إبراهيم جسراً يربط بين نسيان الحياة وفجاءة القدر الجميل.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .
- مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .
- مقامة قراءة في شذرات القيلولة .


المزيد.....




- رحيل جيمس بوروز.. مخرج أسطوري صنع ضحكة -الأصدقاء-
- روسيا تعتمد برنامجا لتدريس اللغة العربية في المدارس اعتبارا ...
- سوريا.. الفنان نوار بلبل يقود حراكا شعبيا بمنطقة الصالحية دع ...
- اكتشاف مخطوطات موسيقية جديدة لموزارت في المكتبة الوطنية ببار ...
- الشيخ نعيم قاسم: نواجه كل أنواع التبعية السياسية والثقافية ...
- تعاون روسي صيني لإنتاج فيلم -الحلفاء-
- أصل اللغة الإنسانية: هل هي هبة إلهية أم اختراع بشري؟
- افتتاح معرض -إفريقيا المتلاشية- للمصور والطيار الروسي كازيمي ...
- محاكمة عاجلة لسائق متهم بقتل فنان مصري شهير
- افتتاح معرض -الذاكرة والشجاعة- في أثينا


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .