أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أفول الطوفان .















المزيد.....

مقامة أفول الطوفان .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 13:20
المحور: الادب والفن
    


مقامة أفول الطوفان :

تحمل نصوص الشاعرة الكبيرة ساجدة الموسوي دائماً شحنة عاطفية ووطنية تستحق التأمل والدراسة , ويُعدّ نصها الأخير (( أفولُ الطّوفان )) نموذجاً حيّاً لقصيدة التفعيلة التي تمتزج فيها الذات بالوطن , وتتحول المعاناة الإنسانية إلى ملحمة صمود , ويحمل طابعاً درامياً يتتبع رحلة المعاناة العراقية , من لحظات الاستقرار والسكينة , مروراً بالكوارث والحروب , وصولاً إلى بوارق الأمل والانبعاث , وهذا المناخ الختامي يمثل أفول الطوفان أي نهايته وانحساره حين يتحول القارب من مركب للموت إلى منصة لتوثيق التاريخ وكتابة قصص الشهداء والضحايا , لتبقى تضحياتهم حية في ذاكرة الأجيال.

إذا تأملنا النص , نجد أن الشاعرة تحركت في فضاءات شعورية وروحية عميقة , ويمكننا تقسيم مناخات ومناجاة القصيدة إلى أربعة محاور وجدانية رئيسية :

1. مناجاة الروح والاعتصام بالخالق (( البُعد الإيماني )) : في لحظة اشتداد الكارثة وظهور علامات الغزو والطوفان , تلتفت الشاعرة داخلياً لتناجي روحها وتدعو إلى التماسك الروحي واللجوء إلى القوة الإلهية كملاذ أخير: (( شدّي يا روحُ على الأولادِ نطاقَ الروح , ولنمسكْ ساريةَ اللهِ بقوة لا غالبَ إلاّ هوْ )) , هذه المناجاة تمثل ذروة الوعي الروحي , حيث يتحول الإيمان هنا إلى درع وسارية تحمي الطفولة والمستقبل من الانهيار تحت وطأة القصف والدمار.

2. مناخ الفجيعة والصدمة (( البُعد المأساوي )) : ينتقل النص إلى مناخ معبأ بالخوف والترقب الصادم , الشاعرة هنا لا تناجي شخصاً بعينه , بل تطرح أسئلة حائرة تعكس ذهول الشعب وصدمته مما يجري , تساؤل حائر: (( ماذا حلَّ بنا ؟ من أيِّ جهات الأرضِ تجيءُ الرِّيح؟ )) , ولوحة الرعب: تصوير احتضان الأمهات والآباء للأطفال بأذرع مرتجفة مع انتشار شائعات الموت والخراب (( قيلَ هُوَ الطّوفان , قيلَ الطّاعون , قيلَ بوادرُ غزوٍ مجنون )) .

3. مناخ التحدي وإثبات الوجود (( البُعد الوطني )) :هنا يرتفع صوت الجماعة (( نحنُ )) في مناجاة واضحة للأرض والتاريخ , ترفض الشاعرة الاستسلام , ويتحول مناخ القصيدة من الانكسار إلى الثبات , التشبث بالأرض: (( نحنُ هنا , مزروعون بطينِ الماء )) , واستدعاء الرموز الحية , تذكر الشاعرة دجلة , والنخل , وبابل , لتؤكد أن الطوفان عابر , وأن هذه الرموز باقية وتتجدد , ثم الأمل العنيد (( ما زلنا فوقَ هديرِ الموجِ وعصفِ الرّيحِ نغني )) .

4. مناجاة بغداد ووعد اللقاء (( البُعد المستقبلي )) : في ختام القصيدة , تتوجه الشاعرة بمناجاة شوقٍ ولهفة إلى العاصمة الجريحة (( بغداد )) محملة ببشرى النجاة واللقاء القريب (( سنعانقُ بغدادَ قريبًا , ونزفُّ البُشرى )) .

ينساب النص عبر ثلاثة تحولات زمنية ونفسية رئيسية ترسم مأساة الواقع العراقي وتطلعاته , مرحلة السكينة الوديعة التي وردت في الاستهلال قبل ان تعزز حجم الصدمة التي ستليه , (( الماضي القريب حيث تبدأ الشاعرة برسم لوحة دافئة للظرف الاجتماعي العراقي البسيط والجميل (( كانَ العيشُ رغيداً , كلامُ النّاسِ كطعمِ السّكّر )) , ثم مرحلة الفوضى والدمار (( المأزق/ الطوفان فجأة، وبشكل مباغت في رمشةِ عين )) تتغير الأقدار , تستدعي الشاعرة رموز الشؤم والخراب كالريح الهوجاء , والغراب , وانكسار المصباح - الذي يرمز لغياب التنوير والاستقرار- ويتجسد الخراب في ثالوث مرعب (( الطوفان , الطاعون , الغزو المجنون )) , وهي إشارات واضحة لما مرّ به العراق من حروب , وحصار, وإرهاب , واستبداد , لتنتقل بعدها الى مرحلة الصمود والانبعاث (( الأمل القادم)) رغم فداحة الخسائر وموت الملايين , تنقلنا إلى نبرة التحدي ((ما زلنا , نحنُ هنا , يبدأ الماء بالانحسار , غيضَ الماءُ وبانَ النّخُلْ )) في تناصٍ واضح مع قصة سفينة نوح , ليعلن اقتراب النصر والوصول إلى بر الأمان.

استلهمت الشاعرة قصة الطوفان وسفينة نوح بذكاء ((غيض الماء , نمسك سارية الله , سفين البلوى , الألواح )) في تناص ديني وتاريخي وبما يمنح المعاناة العراقية بعداً كونياً , ويجعل من النجاة قدراً محتوماً تباركها السماء , وفي أواخر القصيدة , يتحول النص إلى وثيقة تاريخية بوجع إنساني صارخ , كلمات مثل (( القصف , الطغيان , الأكباد المتفطرة , عيون تذرف , مهود حرقت )) حيث تنقل بأمانة صور الفظائع التي عاشها الشعب , وكأنها تنسخ قاموسا فجائعيا وتوثيقيا , لنصل الى التكرار الموسيقي والدلالي بأعادة عبارة (( ما زلنا )) و(( ما زالت )) لمرات عديدة اشتغلت كترجيع موسيقي يبعث الحماسة , ويؤكد على الثبات والإصرار على الحياة رغم كل محاولات الفناء.

ثم هناك البنية الإيقاعية حين اعتمدت الشاعرة على شعر التفعيلة ذي الأسطر المتفاوتة الطول , وهو قالب يمنحها حرية التنقل بين التعبير عن الخوف , والمقاومة , والشجن , والقوافي جاءت متنوعة وحرة , تشتد وتتقارب في لحظات الخطر والصراخ (( تصيح , مَسراها , هوادة )) , وتنساب هادئة في لحظات الأمل والتوثيق , مما جعل الإيقاع الخارجي صدىً صادقاً للحالة النفسية والداخلية للنص.

(( أفولُ الطّوفان )) ليست مجرد قصيدة رثاء , بل هي بيان استمرار ومقاومة , نجحت الشاعرة ساجدة الموسوي في تحويل الألم الجمعي للعراق من مجرد انكسار إلى طاقة إبداعية توثق المأساة وتتطلع للغد , لينتهي النص بعهدٍ مكتوب بالقصص والقصائد, وكأن الشاعرة تؤكد أن الذاكرة الحية والكتابة هما خط الدفاع الأخير وسفينة النجاة الحقيقية التي ستحمل بطولات الشهداء وجراح الضحايا إلى شاطئ التاريخ.

صباح الزهيري .

أفولُ الطّوفان

ساجدة الموسوي

كانَ العيشُ رغيداً
وكلامُ النّاسِ بوقتِ الشّايِ كطعمِ السّكّر
في رمشةِ عين ٍ هبّت ريحٌ فارتجفت أبوابُ البيت
حط َّغرابٌ فانكَسَرَ المصباح..
الضَّوءُ تبعثرْ
ماذا حلَّ بنا؟
من أيِّ جهات الأرضِ تجيء الرِّيح
تهدأ حينًا ثمّ تصيح
غبراءُ وهوجاءُ
غريبٌ مسراها
كانت تعصفُ دون هوادة
ارتعب الناسُ وضمّوا الأطفالَ بأذرعهم
قيلَ هُوَ الطّوفان
قيلَ الطّاعون
قيلَ بوادرُ غزوٍ مجنون
شدّي يا روحُ على الأولاد نطاقَ الروح
ولنمسكْ ساريةَ اللهِ بقوة
لا غالبَ إلاّ هوْ
طافَ الطوفانُ علينا فتجبّر
والريحُ المجنونةُ ما زالت تعصف
وتدمّر
أما الطّاعونُ فقد أودى بملايين الأكباد
لكنّ الأرضَ هيَ الأرض
ما زالت... ما زلنا
ونوارسُ دجلةَ ما زالت ترتاحُ إذا تعبت عندَ نوافِذِنا
ما زلنا فوقَ هديرِ الموج ِوعصفِ الرّيحِ نغني
نحنُ هنا...
مزروعون بطينِ الماء
ما زالت غاباتُ النّخلِ وأشذاءُ الحِنّاء
ما زالَ العهدُ وأشرعةُ الشّهداء
ما زلنا
بابلُ تشرقُ ثانيةً بين منازِلِنا
ما زلنا نمخرُ والموجُ يصارعُنا
غيضَ الماءُ وبانَ النّخُلْ
نوشكُ أنْ نَصِلَ البَر
ما شاء الله
تلك منازِلُنا
ما زلنا فوقَ الطّوفان نجدّف
لم يغمضْ جفنُ كرامتنا
والدّنيا تعرف
وبماذا أحلف
سنعانقُ بغدادَ قريبًا ونزفُّ البُشرى
وسنكتب ُفوق سَفينِ البلوى
قصصاً ما مرّت من قبلُ على إنسٍ أو جان
لملايينَ طواها العصفُ ومنهم من سلّمها
تحتَ القَصف
لملايين الأنفسِ دمّرَها الطّغيان
وتفطّرت الأكبادُ من الحرمان
وسنرسمُ فوق الألواحِ جباهًا شربت ماءَ الشّمس
ووجوهاً تنزف
وعيوناً تذرف
وسنتركُ في قلب المركبِ ذكرى نارٍ خمدت
وقدورٍ قلبت.. ومهودٍ حُرقت
سنخط كتاباً يروي حادثةَ الطّوفان
وقصائدَ تبكي
فيسيلُ الدَّمعُ على القمصان
------
ساجدة الموسوي






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...


المزيد.....




- من -حرب النجوم- إلى -ساحر أوز-... بعض دعائم هذه الأفلام الشه ...
- بعد عقدين.. سيغا تكشف عن إصدار جديد من -فيرتشوا فايتر- برؤية ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية يصف الثقافة السياسية بالفرنس ...
- لماذا كانت الفرنسية هي اللغة السائدة في روسيا؟
- رحيل جيمس بوروز.. مخرج أسطوري صنع ضحكة -الأصدقاء-
- روسيا تعتمد برنامجا لتدريس اللغة العربية في المدارس اعتبارا ...
- سوريا.. الفنان نوار بلبل يقود حراكا شعبيا بمنطقة الصالحية دع ...
- اكتشاف مخطوطات موسيقية جديدة لموزارت في المكتبة الوطنية ببار ...
- الشيخ نعيم قاسم: نواجه كل أنواع التبعية السياسية والثقافية ...
- تعاون روسي صيني لإنتاج فيلم -الحلفاء-


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أفول الطوفان .