أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.














المزيد.....

مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 19:40
المحور: الادب والفن
    


قاريء الست فائزة يشعر بشيء مثل ارتقاء النفس وروعة المشاعر , ويتسامى لهذا العلو الروحي فوق كل ما هو صغارات الحياة , يغوص مع اللغة حين تصبح مَخاضاً ويطمئن للمعنى حين يصيرُ خلاصاً , ومابين ظمأ المعنى وإعجاز الحرف , تولد الكلمات ضمن طُقوسُ الارتِواءِ الأوَّل , وتُفَكُّ عُقَدُ اللسان , فيصيرَ بَيانها عصاً تلقفُ سِحْرَ المَعاني وتَفلقُ بَحْرَ الخَفاءْ , فالكاتبة كما عرفناها غسقيةً شفقيةً يستَديرْ مع ضُوئها عهدُ الشّمس فتهبه شهقة الحياة , لينهض مولويّ تحت أسوارها , من خمرة العشق , مأخوذ لا يفيق.

يقال : (( لا تعرف انك فقدت شيء الا حينما تخسره , تربع على نقطة البداية , فاجأه الانطلاق , همَّ بركوب الزمن , لم يمسك خيط التوجه ,سقط في المربع الاول )) , ذلك ماراودني وأنا أرى المفارقة الصارخة في عنوان قصة الست فائزة الفدعم : (( بيوت خاوية )) فالبيوت في الواقع الحالي (( خاوية على عروشها ومغلقة بالأقفال )) كما رأتها الكاتبة في أربيل , لكنها في ذاكرة الكاتبة (( عامرة ومزدحمة )) بالحياة , والألوان (( أزهار التوليب )) , والروائح , والمواقف النبيلة , أتهجس من العنوان فهو يمهد لمرثية غير مباشرة لزمن التعايش , والكاتبة امرأةٌ لا تشبه سواها , امرأةٌ سكنت مخيّلة القراء , لم تكن ساردة عابرة , ولا اسمًا لمع في ملاعب الشهرة السريعة , بل كاتبة امتلكت سرّ الوصول إلى القلوب , وعلّمت الحرف كيف يكون جسراً بين الوجع والأمل , وبين الذاكرة والحلم .

نص (( بيوت خاوية )) ليس مجرد سرد لذكريات عابرة , بل هو وثيقة إنسانية وتاريخية دافئة تُعيد إحياء ملامح منسية من تاريخ العراق الاجتماعي , ويحمل شحنة عاطفية عالية , ويمتاز بالبساطة والعمق في آن واحد , ويقدم درساً بليغاً في المواطنة العفوية التي سبقت التنظير السياسي , وتستحضرالكاتبة أسماء جيرانٍ من خلفيات دينية متنوعة (( السيد كاظم , السيد صادق , أم إسحاق , أم شاؤول , أم روبيل )) دون أي حساسية أو تكلّف , وموقف أم روبيل في كسر الحصالات الخشبية التي كانت مدخرة لزواج الأبناء من أجل إقراض جارها المسلم لبناء بيته , والذي يمثل قمة التكافل الاجتماعي , وجملتها العفوية بالفصحى/العامية (( كلج فلوس )) تعكس ذوبان الفوارق المادية والدينية أمام قيمة الجيرة.

الرمزية الذكية في قصة (( مغيزل الدادة )) وهي لعبة شعبية أو أداة غزل قديمة , ليست مجرد حشو للأحداث , بل تحمل رمزية عميقة , حين طلب الأب من الطفلة أن تترك المغيزل (( ليذهب ويعود إلى عائلته وأطفاله )) , كأنه كان يتنبأ بحال أصحاب هذه البيوت (( اليهود العراقيين )) الذين رحلوا مجبرين أو مدفوعين بالظروف السياسية التاريخية لاحقاً , (( فتركته كما طلب , لكنه لم يعد إلى يومنا هذا , وما زلت أنتظر عودته منذ ذلك الزمن البعيد )) هنا يتحول المغيزل من لعبة طفولية إلى رمز للمكون الذي غادر العراق ولم يعد , والانتظار هنا هو حنين للوطن المكتمل بجميع أطيافه.

ينتمي أسلوب الكاتبة إلى السهل الممتنع , لغة دافئة قريبة من القلب , تعتمد على الحواس (( رؤية التوليب , لمس الحصيرة , تذوق النوكة - الحلاوة الشهيرة )) , والصدق العاطفي لأن النص خالٍ من الشعارات السياسية الفضفاضة , بل ركّز على (( الإنسانية المحضة )) وهذا ما يمنحه قوة البقاء والأثر في نفس القارئ , ان نص "بيوت خاوية" للحاجة فائزة الفدعم هو بمثابة ألبوم صور شخصي يتحول إلى مرآة وطن , إنه يذكرنا بأن الهوية العراقية كانت دائماً نسيجاً ملوناً كأزهار التوليب التي وصفتها في باحة أم إسحاق , والنص يترك في فم القارئ غصة حنين لزمن (( كان الجار فيه سنداً لجاره )) , ويوجه دعوة صامتة ومؤثرة لإعادة قراءة قيمنا الإنسانية الأولى.

رحم الله تلك الأيام , وحفظ الله الكاتبة وعافاها التي أهدتنا هذه اللمسة الوفية من ذاكرتها النقية.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .


المزيد.....




- باكستان تعلن استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران الأس ...
- رحيل الفنان الروسي القدير ميخائيل نوجكين عن 89 عاما
- بمشاركة نجوم الأوبرا والمواهب الشابة.. انطلاق فعاليات مهرجان ...
- بمشاركة كبرى المتاحف.. تمديد معرض -العائلة - روح روسيا- في ت ...
- باكستان تكشف موعد استئناف المحادثات الفنية بين أميركا وإيران ...
- مصور عراقي يحول رمال الصحراء في ليوا بأبوظبي إلى لوحات فنية ...
- الخارجية الباكستانية: استئناف المحادثات الفنية بين أمريكا وإ ...
- تضارب الروايات بين طهران وواشنطن حول تفاهمات الأموال المجمدة ...
- كيف تشكلت -الشجاعة الأسطورية للشعب الروسي-؟
- أشبه بفيلم أكشن.. رجال ونساء يتبادلون اللكمات وسط تطاير الحق ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.