أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخاً والارتقاءُ ارتطاماً.















المزيد.....

مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخاً والارتقاءُ ارتطاماً.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 12:41
المحور: الادب والفن
    


حين قال نزار قباني: (( لا ترفع سقف أحلامك في أوطانٍ تسرق السلالم )) , أستخدم ثنائية (( السقف )) و(( السلم )) باستعارة ذكية جداً , فهو لم يكن يكتب شعراً بقدر ما كان يخط وصية وقائية للمنكسرين , إنها دعوة لفهم (( جغرافيا الأحلام )) قبل البدء بالتحليق , فالسقوط من المرتفعات في بيئة تفتقر لشبكات الأمان هو انتحار, ان السقف يمثل الطموح العلوي , بينما السلم يمثل الوسائل والأدوات والبيئة القانونية والاجتماعية , الأزمة ليست في عجز الإنسان عن الحلم , بل في (( لصوصية )) البيئة التي تسحب أدوات التنفيذ (( السلالم )) بمجرد أن يبدأ الشخص بالصعود , وتلك هي الخديعة المكررة , ففي الحالة العراقية , يتم استخدام (( السلالم )) كطعم - وعود انتخابية , برامج إصلاحية - وبمجرد أن يرتقي الشعب بآماله , يتم سحب هذه السلالم , مما يجعل السقوط ليس مجرد فشل , بل ارتطاماً كارثياً.

أمام هذا التكرار الكارثي , تبرز ضرورة (( الواقعية الوقائية )) في صناعة السلالم الذاتية والرهان على الوعي الفردي والجمعي المستقل عن ريع الوعود الحكومية , وفك الارتباط الوجداني بالسراب , بالتفريق بين (( الوطن )) كقيمة باقية , وبين (( الإدارات )) التي تمارس اللصوصية السياسية , وتحويل الحلم إلى فعل دؤوب , الحلم الذي ينمو في صمت وبخطوات واثقة أقل عرضة للسرقة من الحلم الضخم الذي يُبنى على وعود الآخرين , لإن الأوطان التي تسرق السلالم قد تمنعنا من الوصول إلى القمة سريعاً , لكنها لا تستطيع مصادرة (( القدرة على المشي )) , يظل الأمل الحقيقي هو ذلك الذي ينبت من رحم العمل الدؤوب والشغف الشخصي , فالسلم الذي تبنيه بيدك , لا يملك أحدٌ الحق في سحبه من تحت قدميك.

إن الإسهاب في تفكيك الواقع العراقي استناداً إلى مقولة نزار قباني ونبضات الوجع , يتطلب منا غوصاً تشريحياً في (( ميكانيكية سرقة السلالم )) في العراق , فالقضية هناك لم تعد مجرد أزمة سياسية عابرة , بل تحولت إلى ما يُعرف سوسيولوجياً بـ (( الخيبة الهيكلية المُمنهجة )) , او سيكولوجية (( صناعة السراب )) وتجذير الخيبة , فلم تكن الوعود مجرد شعارات انتخابية , بل كانت (( مخدراً موضعياً )) لامتصاص الأزمات , فعقب كل منعطف تاريخي أو تغيير حكومي , يُعاد إنتاج نفس البروباغندا (( وعود بالإعمار , القضاء على الفساد , توفير فرص العمل , وحصر السلاح بيد الدولة )) , والشعب العراقي بطبيعته العاطفية والمليئة بالشغف للحياة والعودة إلى الريادة , يتلقف هذه الوعود ويرفع سقف أحلامه سريعاً , ولكن بمجرد استتباب الأمر للطبقة الحاكمة , تكتشف الجماهير أن السلالم التي وُعدت بها كانت مصنوعة من (( ورق الأكاذيب )) , ويتضح أن التعيينات محصورة بالولاءات , والمشاريع حبر على ورق , والأموال تُهرّب للخارج , والنتيجة , السقوط العراقي هنا ليس سقوطاً عادياً , بل هو ارتطام نفسي جماعي يولد حالة من (( الإحباط المكتسب )) حيث يشعر المواطن أن الحلم بالاستقرار في وطنه هو نوع من السذاجة.

لم تسقط السلالم في العراق لوحدها , بل جرى تفكيكها وبيعها قطعة قطعة , فمع أدوات الاحتلال وما بعده , جاءت الوعود الدولية الكبرى عام 2003 ببناء (( واحة الديمقراطية )) في الشرق الأوسط , هذا كان السلم الأكبر , لكن أول خطوة قصف بها الاحتلال هذا السلم كانت تأسيس نظام (( المحاصصة الطائفية والحزبية )) , هذا النظام حوّل مؤسسات الدولة من وسائل لخدمة الشعب إلى (( إقطاعيات )) لتمويل الأحزاب , ولندخل في دورة خداع الحكومات المتلاحقة , كل حكومة تأتي تلعن التي قبلها , وتعد بـ (( سُلّم إصلاحي )) جديد , لكن لأن الجذور الحاكمة واحدة (( المحاصصة والمنافع المتبادلة )) , فإن السلم يُسحب دائماً في منتصف الطريق , يتحول رئيس الوزراء أو الوزير من (( منقذ مُنتظر )) إلى حارس جديد لمصالح الطبقة التي جاءت به.

حين تُسرق السلالم , يترجم ذلك في حياة العراقيين إلى ظواهر قاسية وملموسة , فمن مأساة الشباب والخريجين عندما يدرس الشاب العراقي ويكافح لسنوات (( يرتقي سلم العلم )) , ليجد في النهاية أن (( السلم الوظيفي )) أو (( الاستثماري )) مرهون بـ (( الواسطة )) أو الانتماء الحزبي , هذا حوّل طاقة الشباب من رغبة في البناء إلى رغبة عارمة في الهجرة والهجرة بحد ذاتها هي اعتراف صريح بأن الوطن خالٍ من السلالم , وغياب الدولة الضامنة , بتحول المجتمع إلى (( كانتونات )) فردية , المواطن العراقي اليوم يشتري الماء المعقم لأنه لا يثق بشبكة الدولة , ويشتري الكهرباء من (( المولدات الأهلية )) , ويحمي نفسه بعشيرته أو سلاحه الشخصي , الدولة سحبت سلالم الرعاية , وتركت المواطن يواجه مصيره وحيداً.

نأتي الى الفلسفة الوقائية للعراقي اليوم (( كيف نعيش؟ )) بناءً على هذا الواقع , لقد بدأ الوعي الجمعي العراقي يتشكل بطريقة جديدة , بتولّد (( الواقعية الشرسة )) حيث انخفض سقف الأحلام الوجدانية المرتبطة بالدولة , والعراقي اليوم أصبح (( براغماتياً )) عملياً حذراً , لا يصدق البيانات الحكومية ولا يكترث بالخطابات الرنانة , ولم يعد ينتظر سلالم الحكومات المحلية , جيل الشباب اليوم يتجه بقوة نحو (( العمل الحر عبر الإنترنت )) , التجارة الإلكترونية وتعلم اللغات, والعمل مع شركات خارجية , إنهم يصنعون سلالمهم الافتراضية العابرة للحدود , بعيداً عن مقصّات الرقابة والسرقة السياسية , وتأصيل التكافل الاجتماعي , ففي الأوطان التي تسرق السلالم , يصبح المجتمع هو السند , تظهر في العراق دائماً حملات تكافلية كبرى في الأزمات (( أزمات النزوح , الأزمات الاقتصادية , كورونا سابقاً )) , حيث يسند العراقيون بعضهم بعضاً , مستعيضين عن السلم المفقود بأكتاف الخيّرين.

هذا الموضوع هو صرخة وعي , فالمؤمن لا يُلدغ من جحر الوعود مرتين , والحل يكمن في تحويل (( أدوات النجاح )) إلى ملكية خاصة للفرد والمجتمع , بعيداً عن أيدي اللصوص , إن مأساة العراق ليست في قلة ثرواته ولا في عقم عقول أبنائه , بل في معادلته السياسية التي تقتات على إحباط الآمال , لكن , وإذ تثبت الأيام صدق نبوءة نزار قباني , فإن العراقيين يثبتون أيضاً قانوناً وجودياً آخر: أن من يملك الإرادة , يتعلم الطيران حين تُسرق منه السلالم , إن الواقع العراقي المرير هو مختبر لصناعة أصلب أنواع البشر , البشر الذين توقفوا عن انتظار الفرص , وبدأوا بنحتها من صخور واقعهم الصلد.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .
- مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .


المزيد.....




- باكستان تعلن استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران الأس ...
- رحيل الفنان الروسي القدير ميخائيل نوجكين عن 89 عاما
- بمشاركة نجوم الأوبرا والمواهب الشابة.. انطلاق فعاليات مهرجان ...
- بمشاركة كبرى المتاحف.. تمديد معرض -العائلة - روح روسيا- في ت ...
- باكستان تكشف موعد استئناف المحادثات الفنية بين أميركا وإيران ...
- مصور عراقي يحول رمال الصحراء في ليوا بأبوظبي إلى لوحات فنية ...
- الخارجية الباكستانية: استئناف المحادثات الفنية بين أمريكا وإ ...
- تضارب الروايات بين طهران وواشنطن حول تفاهمات الأموال المجمدة ...
- كيف تشكلت -الشجاعة الأسطورية للشعب الروسي-؟
- أشبه بفيلم أكشن.. رجال ونساء يتبادلون اللكمات وسط تطاير الحق ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخاً والارتقاءُ ارتطاماً.