أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة السرديات .














المزيد.....

مقامة السرديات .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 18:55
المحور: الادب والفن
    


مقامة السرديات :

لاتعتبر السردية الحسينية لواقعة الطف مجرد حدث تاريخي عابر , بل هي نص مفتوح على التأويل والقراءة , وتتنازعها دائماً رؤيتان : رؤية حركية تحررية , ورؤية غيبية تواكلية , فواقعة الطف كنص إنساني متجدد ومعركة كربلاء , تجاوزت ببعدها المأساوي حدود الزمان والمكان , لتتحول إلى (( رمز )) صلب لمواجهة الظلم , وأن طريقة فهمنا وتناولنا لهذا الرمز هي التي تحدد مدى الاستفادة منه , فإما أن يكون وقوداً للتغيير والنهضة , أو أداة للتخدير والقبول بالأمر الواقع , وفي سبيل الوصول نحو سردية حسينية عصرية ومسؤولة , فأن إحياء ذكرى الطف يجب أن يكون إحياءً للقيم وليس للطقوس الجوفاء فقط , والتأكيد على الحاجة الماسة اليوم لإنقاذ السردية الحسينية من أيدي الفكر الخرافي والرجعي , وإعادتها إلى سياقها الطبيعي كمنارة للتنوير , والحرية , والعدالة الاجتماعية , وبناء المشترك الإنساني والوطني.

تركز القراءة التقدمية , التنويرية , واليسارية (( سردية التحرر والعدالة )) , على كيفية رؤية الفكر التنويري والتقدمي للثورة الحسينية باعتبارها حركة اجتماعية وسياسية واعية , بالدعوة للحرية ورفض الاستبداد , لأن الحسين لم يخرج طالباً لسلطة شخصية , بل رفض إعطاء الشرعية لنظام وراثي مستبد (( هيهات منا الذلة )) , والفكر التنويري يرى في هذا الموقف قمة الوعي السياسي والمسؤولية الأخلاقية الفردية والجماعية , والعدالة الاجتماعية إذ ان الثورة الحسينية في جوهرها كانت صرخة ضد الفساد المالي والاقتصادي , واحتكار الثروة والسلطة من قبل طبقة حاكمة على حساب إفقار وتهميش عامة الناس , هذا البعد يتقاطع بقوة مع الفكر اليساري والتقدمي الذي يرى في النهضة الحسينية ثورة للمستضعفين ضد المستكبرين , والدعوة للوحدة الوطنية والإنسانية بالتركيز على أن قيم الحسين (( العدل , الحق , الكرامة )) هي قيم كونية عابرة للطوائف والأديان , وهذا الأستلهام يقودنا الى كيف يمكن للسردية الحسينية أن تكون جامعاً وطنياً يوحد الجهود ضد الفساد والديكتاتورية , بدلاً من تفتيت المجتمع , وفي هذه الرؤية يصبح الحسين ملك للإنسانية الأوسع , وليس حكراً على هوية ضيقة.

أما القراءة الرجعية والظلامية (( سردية التخدير والتسليم )) , التي تتجلى في الفكر الذي يحاول تفريغ الثورة من محتواها الحركي وتكريس الفكر التواكلي , والإغراق في الخوارق والمبالغات , أذ يعتمد الفكر الرجعي على تضخيم الجوانب الميتافيزيقية (( الغيبيات والمعجزات المبالغ فيها )) على حساب التخطيط البشري والوعي الإنساني , هذا الإغراق يحول الحسين من قائد قدوة يمكن محاكاته , إلى كائن غيبي لا يمكن الوصول لمرتبته , مما يلغي فكرة (( الأسوة )) , وإضعاف الإرادة الإنسانية عندما تُصوَّر الواقعة على أنها سيناريو سماوي حتمي مكتوب ومفروض لا دور للإرادة البشرية فيه , فإنها ترسخ في وعي المتلقي فكرة العجز , وأن التغيير لا يأتي إلا بمعجزة , مما يؤدي إلى الاستسلام لـ (( القوى المتسلطة )) كقضاء وقدر لا يمكن رده , وتحويل الثورة إلى طقوس بكائية مجردة , وحصر الذكرى في البكاء والجلد الذاتي دون ربطها بالواقع المعاش , ان الفكر الظلامي يريد من الإنسان أن يبكي على قتيل التاريخ , ليغض الطرف عن (( حسين العصر , المظلومين الحاليين )) و(( يزيد العصر, الطغاة الحاليين )).

لم تكن هذه القراءة التنويرية حبيسة التنظير الفكري , بل تجسدت في حركة إبداعية جادة حاربت الفكر الظلامي والخرافي , ففي مصر , قدّم عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيته الشعرية (( الحسين ثائراً والحسين شهيداً )) قراءة تقدمية تعتبر الحسين مدافعاً عن حقوق المحرومين والعدالة الاجتماعية , وفي العراق , تجسد هذا الوعي الحركي في مسرحية محمد علي الخفاجي (( ثانية يجيء الحسين )) التي تدعو لإخراج الحسين من سياق البكاء الماضي إلى سياق الفعل الحاضر , فضلاً عن التجليات الثورية في شعر الجواهري ومظفر النواب الذين رأوا في كربلاء مدرسة للتحرر الإنساني والوطني العابر للغيبيات والتواكل .

إن تحرير السردية الحسينية من حيازة الجغرافيا الطائفية الضيقة , وتحويلها إلى فضاء وطني جامع , هو الخطوة الأولى لفك ارتهان المجتمع للولاءات الفرعية التي فتتت النسيج الاجتماعي , فالحسين في وجدان التنوير والتقدم ليس رمزاً لفرقة , بل هو (( منصة مواطنة )) تلتقي عندها وبها إرادة العراقيين بمختلف أطيافهم ضد ثنائية الفساد والاستبداد المستدامة , ومن هنا , يصبح استلهام كربلاء أداة لبناء (( المشترك الوطني )) الذي يُقدّم النزاهة على المحاصصة , والعدالة الاجتماعية على الغنائم الفئوية , لتتحول الذكرى من مناسبة للاستقطاب العاطفي , إلى محرك للتضامن الاجتماعي وبناء دولة المؤسسات والكرامة الإنسانية .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...


المزيد.....




- وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س ...
- وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س ...
- من قلب الركام.. شقيقتان تؤسسان -سينما هوس- لإعادة البهجة لأط ...
- من فوهات انفجارات لإطارات أفلام.. شقيقتان تطلقان -سينما هوس- ...
- -المشهد كان أشبه بفيلم رعب-.. ماذا نعرف عن أكبر زلزال يضرب ف ...
- السلطات الإستونية تأمر بإزالة الرموز السوفيتية من المركز الث ...
- -حدث أسطوري-.. بوتين يشيد بمسابقة موسكو للباليه
- وزارة الثقافة الروسية تعلن نمو الإقبال السنوي على المكتبات ب ...
- الثقافة في القدس: فضاء الصمود اليومي وإعادة إنتاج الهوية
- موسكو.. انطلاق مسابقة الباليه الدولية الـ15 في مسرح البولشوي ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة السرديات .