أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .




مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 15:48
المحور: الادب والفن
    


في إطلالة عذبة , يمنحنا المندلاوي الجميل ما أسماه محطة استراحة متعبة , واصفاً الشعر بأنه فلسفةٌ تملك فضلاً كبيراً على معاني اللغة وتوسيع استعمالاتها , فالشعر لا يقف عند الحدود الظاهرية المتداولة للمفردات , بل ينقلها إلى آفاق دلالية أعمق , تكشف عن وعي الشاعر وثقافته , فإذا كان السفر في مفهومه الأولي الدارج انتقالاً من مكان إلى آخر لسبب أو لآخر , فإن الشعر - بقدرة صانعه - يرتقي بالاغتراب إلى معنى أعمق ليدخله في رحاب الغربة , حيث يصبح البقاء نفسه هو السفر الحقيقي , وكما قال الشاعر: (( ليس ارتحالك في طلب الغنى سفراً لكن مقامك في الضر هو السفر )) , وتلك هي حالنا تماماً , إذ نكابد غربة حقيقية لأننا نقيم على الضر في أدق مفاصل الحياة اليومية .

يبدو لي الشعر في كثير من الأحيان كائنا حيا يلازم أصحاب الأرواح الشفيفة والقلوب الدافئة , إنه دثار الأيام الباردة وشعار الدافئة منها , إنه النسيم الذي يتهادى بين الأفئدة بثمار النفوس , وهو الحضن الوثير للهارب من تعب الأيام والباحث عن السلوى بالشبيه والنظير , وهو المرفأ للتائهين بين الكلمات والحالمين بعوالم أجمل وأرقى وأبعد أثرا , حيث يقول أبو فراس الحمداني : (( الشعر ديوان العرب أبدا وعنوان الأدب , لم أَعْدُ فيه مَفَاخري ومَديحَ آبائي النُّجُب )) , ولقد أبدع المندلاوي في الوصف ولامس الحقيقة بكلمات عميقة , إن تسليطه الضوء على تحول مفهوم (( السفر )) من مجرد انتقال جغرافي إلى ((غربة نفسية وبقاء في الضر )) يعكس بدقة فلسفة الشعر في استنطاق المعاني الخفية وتوسيع مدارك اللغة , وهذا الربط يجسد تماماً كيف يحول الشعر الوجع اليومي إلى حكمة وجودية , وهو ما يذكرنا بالمعنى الذي صاغه اللغوي والأديب الكبير أبي يوسف يعقوب بن السكيت في البيت الذي مر ذكره , فالإقامة في ظل المعاناة هي حقاً السفر الأصعب الذي يرهق الروح .

يقول قُدامة بن جعفر (337هـ) في تعريف الشعر هو (( قول موزون مُقفى يدل على معنى )) وقد أثّر تعريفه هذا فيمن جاء من بعده , وجعل حد الشعر مرتبطا بالوزن والقافية , أما ابن خلدون فيعرفه بقوله (( هو الكلام المبني على الاستعارة والأوصاف , المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي , مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده , الجاري على أساليب العرب المخصوصة به )) , وهو بذلك يؤكد أهمية الأسلوب , ويحدد بُنية الشعر وقيامه على تماسك الأبيات الشعرية وارتباطها من جهة المعاني ارتباطا يضمن استقلالية كل بيت شعري , وتميزه من الآخر , وصلته الوثيقة بما قبله وما بعده في الوقت نفسه , ويرى ابن رشيق القيرواني (456هـ) أن (( الشعر يقوم بعد النيّة من 4 أشياء , وهي : اللفظ , والوزن , والمعنى , والقافية , فهذا هو حدّ الشعر , لأن من الكلام موزونا مُقَفى وليس بشعر , لعدم القصد والنية , كأشياء اتزنت من القرآن , ومن كلام النبي وغير ذلك مما لم يطلق عليه أنه شعر )) .

وقيل إن قواعد الشعر ودوافعه الرئيسة أربعة , هي الرهبة والرغبة والغضب والطرب , وترتبط هذه الدوافع ارتباطا مباشرا بمواضيع أساسية من مواضيع الشعر التقليدية , فالرهبة تكون سببا لموضوع الاعتذار وطلب العفو والاسترحام , والرغبة تحفز الشاعر ليكتب في غرض المديح , ومع الطرب تنشأ أشعار الغزل والنسيب , أما الغضب فيتدفق في عروق الشاعر ليصب في قالب شعري من هجاء وعتاب , وقد سأل عبد الملك بن مروان أرطأة بن سهية : هل تقول الشعر اليوم؟ فأجاب (( والله ما أطرب , ولا أغضب , ولا أشرب , ولا أرغب , وإنما يجيء الشعر عند إحداهن )) , وفي ذلك يقول الأصمعي نقلا عن ابن أبي طرفة (( كفاك من الشعراء أربع : زهير إذا رغب , والنابغة إذا رهب , والأعشى إذا طرب , وعنترة إذا كلب)) , وفي رواية أخرى ((وامرؤ القيس إذا ركب )) .

يتحدث الشاعر الكبير يحيى السماوي عن الشعر, فيقول : (( إنه منديل امسح به دموع قلبي , دواء أقاوم به الموت إكراما للمحبة والحياة , وعصاً أنشّ بها ذئاب الوحشة عني في براري الغربة )) , ومادمنا نتحدث عن القرب والبعد , أذكر اني قرأت في كتاب الأغاني للأصفهاني عن ﺍﻟﺒُﺤﺘﺮﻱ انه ﻣﺮَّ ﺑﺠﻤﺎﻋﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻌﺮﺍﺀ , ﻓﺮﺃﻯ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﺻﺒﻴًﺎ , ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺍﻟﺒﺤﺘﺮﻱ : ﺃَﺷﺎﻋﺮٌ ﺃﻧﺖ ؟ أجاب ﺍﻟﺼﺒﻲ : ﻧﻌﻢ , ﻭﺇﻧﻲ ﻷﺷَﻌﺮ ﻣﻨﻚ , فقال ﺍﻟﺒُﺤﺘﺮﻱ : ﻣﺮﺣﻰ , ﻓﻬﻞ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﺠﻴﺰ ﻗﻮﻟﻲ (( ﻟﻴﺖ ﻣﺎ ﺑين ﻣﻦ ﺃُﺣﺐُّ ﻭ ﺑﻴﻨﻲ )) ﺍﻟﺼﺒﻲ : ﺃﺗﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﺗﻘﺮِّﺑﻪ ﺃﻡ ﺗﺒﻌﺪﻩ ؟ ﺍﻟﺒُﺤﺘﺮﻱ : ﺃُﻗﺮِّﺑﻪ , ﺍﻟﺼﺒﻲ(( : ﻟﻴﺖ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﻣﻦ ﺃﺣﺐ ﻭ ﺑﻴﻨﻲ : ﻣﺜﻞ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺣﺎﺟﺒﻲْ ﻭ ﻋﻴﻨﻲ )) ,ﻓﻄﺮﺏ ﺍﻟﺒُﺤﺘﺮﻱ ﻭﺳُﺮَّ ﻛﺜﻴﺮًﺍ ﻭﻗﺎﻝ ﻟﻠﺼَّﺒﻲ : ﻭﺇﺫﺍ ﻛﻨﺖُ ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺃُﺑﻌﺪﻩ , ﻓﻤﺎﺫﺍ ﺗﻘﻮﻝ ؟ ﺍﻟﺼﺒﻲ : (( ﻟﻴﺖ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﻣﻦ ﺃﺣﺐ ﻭ ﺑﻴﻨﻲ ﻣﺜﻞ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﻣﻠﺘﻘﻰ ﺍﻟﺨﺎﻓﻘﻴﻦ )) , فقال ﺍﻟﺒُﺤﺘﺮﻱ: ﺣﻘًﺎ ﺇﻧﻚ ﺃَﺷﻌﺮُ ﻣﻨﻲ .

وخلف هذه الأبعاد والمسافات , يبدو أن الشعر - في جوهره - ليس مجرد ميزانٍ للفظ والقافية , ولا هو حكرٌ على الصغار أو الكبار , بل هو حالةٌ شعورية تسكن تلك المساحة الرمادية الفاصلة بين القرب والبعد , وبين الوجع والمسرة , لقد أثبتت شواهد التراث ورؤى المحدثين , كما تجلى في محطة المندلاوي , أن الشعر يظل الملاذ الأخير للإنسان , يعيد صياغة اغترابه , ويمسح دموع قلبه , ويقرب له المسافات حين تضيق به الأرض , ليبقى ديوان العرب النابض , وعنوان أدبهم المتجدد عبر العصور.


صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...


المزيد.....




- هل يسرق الذكاء الاصطناعي روح الموسيقى؟
- فنانة مصرية: محمد رمضان أحالني لسائقه.. والعوضي وعدني بالعمل ...
- مصر.. القضاء يصدر حكمه على الفنانة جيهان الشماشرجي
- خريطة اللغات في روسيا.. تنوع قومي مذهل وقوانين تحمي حرية الا ...
- ممثل اليونسكو في المنطقة المغاربية: أولوية المنظمة صون الترا ...
- معرض -مريم- للفنان ناصر الباروني.. ليبيا بوجوهها المتعددة في ...
- الموساد يكشف سر -البروفة النهائية- لاقتحام الأرشيف النووي ال ...
- لافروف يستنكر إلغاء العروض الفنية الروسية في إيطاليا
- الرباط: توقيع اتفاقية لتكوين وتدريب طلبة فلسطينيين من القدس ...
- انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني في الشتات: مدخل إلى تجديد الش ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .