أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الحب المالح .














المزيد.....

مقامة الحب المالح .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 14:58
المحور: الادب والفن
    


مقامة الحب المالح :

تكتب السيدة ناديا حميد عبارةً تختزل فلسفة الوجد حين تقول: (( يولد الحب مالحا مبللا بماء البحر , يلتصق بالجلد مثل نسمة , ويترك على القلب أثراً لا يجفّ )) , ومن وحي هذه الملوحة الآسرة , أجدني أتساءل : هل المرأة كالقمر لا يصدر الضوء من ذاتها , وإنما تعكس الضوء الآتي من شمس رجل يحبها ؟ انها اللحظة التي يهزنا فيها زلزال الحب لأول مرة , هي اللحظة الأجمل في حياتنا , ونحب أن يتوقف الزمن عندها , لأنه يبدو من المستحيل أن تتكرر مثل هذه اللحظة بنفس الجمال , وكأنها تريد القول : (( طرقَ الْبابَ واخْتفَى سألْتُهُ : منِ الطّارقُ ؟ أنَا لسْتُ خارجَ الْبابِ أنَا داخلُكِ صدْرُكِ الْبابُ وأنْتِ الْكتابُ , لمْلمْتُ حروفَهُ منَ الْبابِ , حُزْنِي وطرقْتُ رأْسِي ثمَّ أطْرقْتُ ودخلْتُ منْ بابِهِ إلَى صدْرِي )) , ذلك ما نقرأه حين يتحوَّل الشعرُ إلى سِيرة جُرح مفتوح , وحين تصبح الكلماتُ بديلًا عن الصرخة التي لا يسمعها أحد , ونتسائل لماذا في شِعرها تبدو الذات وكأنَّها تَحمل ذاكرةً مثقلة بالخسارات ؟

كأن الست ناديا تقول : (( مذ فارقت سحركَ غادرتُ جغرافيةِ الوجد أبحثُ عن طريقٍ للقيا طيفكَ )) , أحس الكاتب بلذته السردية , وصوره العميقة بعمق إحساس الرؤيا المكثفة بالتجارب والتمرس في دروب الحياة , أو هُـو نوع من التماهي السلوكي , مستشعِـرا نفسه بأنه طرف في سياق نصها . أليس كلنا يتماهى بحلم لمستقبل مائز ومتميز عن الحاضر رغم بلوغنا (( الثمانين؟ )) , ان سرّ الحب أن يبدو الحبيب ملاكًا , حتى وإن لم يكن جميلًا ولطيفًا , ومن كان عقله نقيًا , كان حبه نقيًا , وكل عاشق يعتبر حبيبه هو المثال الأعظم للجمال , وكان ابن الفارض قد قال : (( ﺃﺧﻔﻲ ﺍﻟﻬﻮﻯ ﻭﻣﺪﺍﻣﻌﻲ ﺗﺒﺪﻳﻪ ﻭﺃﻣﻴﺘﻪ ﻭﺻﺒﺎﺑﺘﻲ ﺗﺤﻴﻴﻪ , ﻭﻣﻌﺬﺑﻲ ﺣﻠﻮ ﺍﻟﺸﻤﺎﺋﻞ ﺃﻫﻴﻒ ﻗﺪ ﺟﻤﻌﺖ ﻛﻞ ﺍﻟﻤﺤﺎﺳﻦ ﻓﻴﻪ , ﻓﻜﺄﻧﻪ ﺑﺎﻟﺤﺴﻦ ﺻﻮﺭﺓ ﻳﻮﺳﻒ ﻭﻛﺄﻧﻨﻲ ﺑﺎﻟﺤﺰﻥ ﻣﺜﻞ ﺃﺑﻴﻪ )) .

أهمّ ميزة إيجابيّة في الحُب الحقيقي هي انه لمجرد وقوعه يتأصل في أعماقنا , و يأسرنا لآخر العمر في فضاء آلسّعادة و الفرح و أمل اللقاء بآلمعشوق بعيداً عن الهمّ و الخوف و الحزن و القلق , وعنادلها التي أطلقتها ما زالت مُحلقة , تغريداتها موجة شجن , تُلقي بي فوق ظلال غيمة , لتوقظني حبات مطرها , التي ضلت طريقها إلى نافذتي , وكأن أنفاس الصباح , هاربة إليها من خلاخيل الدجى , وفي الروحك ندوب كثيرة , وكأني عبرت يومًا خلال هذه الدروب , ترى هل تدرك معنى أن أكون واقفا هنا على تلة الورق الأصفر أمسك بضوء حرف يخرجها من سبات حرفها وحديثها ؟

وكأنّ الملوحة التي بدأت بها الست ناديا ليست إلا طعم الدمع الذي غسل مرآة الذاكرة , فالحب الذي يولد مبللاً بماء البحر لا يعرف الجفاف , بل يتحول في غياب الحبيب إلى مدّ وجزر يرتطم بشواطئ الروح , إنها تكشف لنا أن الوجد ليس مجرد جغرافيا نغادرها , بل هو وطنٌ نحمله في حقائب الغربة , وطنٌ كلما حاولنا الهروب منه , وجدنا أنفسنا نقف عند الباب ذاته , نطرق صدورنا بحثاً عن حروفٍ ضلت طريقها في زحام الحنين , ليبقى الحبيب رغماً عن المسافات هو الشمس التي تُهدي الأقمار المعتمة ضياءها.

وحين تساءلتْ عن معنى الوقوف على تلة الورق الأصفر , جاء الجواب يتهادى مع حبات المطر التي أيقظت النوافذ , فالوقوف هناك ليس استسلاماً لخريف العمر أو ذبول الورق , بل هو حراسةٌ أمينة لضوء الحرف من الانطفاء , نحن لا نكبر في الحب , وإن بلغت أجسادنا (( الثمانين )) لأن القلوب النقية تظل تمارس طفولتها العاطفية ببراعة , وترى في الندوب التي تركتها السنون مجرد ممراتٍ سرية عبرت منها الأرواح لتلتقي , فما دامت العنادل تُحلق , وما دام في الدواة قطرة حبر واحدة , سيظل هذا (( الحب المالح )) ترياقاً يطهر جراحنا ويمنح الخسارات هيبة الانتصار.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .


المزيد.....




- غيزينغر يحتفي بثقافة البيرة في ميونيخ ويسعى لموقع في مهرجان ...
- من الجزائر إلى تشيلي: انطلاق المرحلة الدولية لمسابقة -كاردو- ...
- وزير الثقافة اللبناني يتفقد أضرار مواقع صور التاريخية جراء ا ...
- مؤسس ويكيبيديا يعارض استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير مقالا ...
- -البوليفونية- العربية المأزومة ومرض ديكتاتورية الصوت الواحد ...
- معاون وزير الخارجية الإيرانية ورئيس وفد المفاوضات الفنية كاظ ...
- لأول مرة.. جائزة -شوم- الروسية تطلق فئة خاصة لترشيح الإقليم ...
- موسكو.. RT تنظم حفلا خيريا لأسر العسكريين في يوم الذكرى وال ...
- باكستان تعلن استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران الأس ...
- رحيل الفنان الروسي القدير ميخائيل نوجكين عن 89 عاما


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الحب المالح .