أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الرومانسية السوداء .














المزيد.....

مقامة الرومانسية السوداء .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 11:13
المحور: الادب والفن
    


أهديكم هذا النص الذي كتبته الشاعرة جنان الحسن يحمل تدفقاً وجدانياً عالي العذوبة , وهو مثال باهر على كيف يمكن للغة الشعرية أن تضلل القارئ في البداية لتسحبه إلى (( فخ )) من الدفء والمفاجأة الإنسانية النبيلة .

أبرز ما في النص هو (( المغالطة العاطفية المتعمدة )) التي تبدأ بها الشاعرة , في المقطع الأول والثاني , يتوهم القارئ أنه أمام نص (( رومانسي )) غرامي يتحدث عن امرأة متعددة العلاقات أو متبتلة في محراب العشق (( قلب واحد , الكثير من العشاق , يعيثون فيه حباً )) , لكن النص يصنع انزياحاً دلالياً مدهشاً في منتصفه , وتحديداً عند السطرين: (( قالوا قديماً : أعز من الولد ولد الولد)) , (( بعضهم يناديني أمي , بعضهم يداعبني بماما )) , هنا تنجلي الحقيقة , فالعشاق ليسوا سوى الأبناء والأحفاد , والعشق هنا هو أسمى وأقسى أنواع العشق , عشق الأمومة والجدومة , هذا التحول يرفع النص من خانة الغزل المألوف إلى مصاف الوجع الإنساني والكوني.

نأتي الى التناص وتأصيل الحنين , استدعت الشاعرة الموروث الشعبي والموروث الشعري بدقة لخدمة الحالة النفسية , فالتناص الشعبي (( أعز من الولد ولد الولد )) لتفسير مكانة (( العشيق الأول )) وهو الحفيد البكر , الذي يملك دلالاً خاصاً تسيل له رقة الروح كقطرة مربى , والتناص الفصيح بأستدعاء بيت أبي تمام الشهير (( نقل فؤادك حيث شئت من الهوى)) عبر إشارة صريحة لبيته الثاني : (( كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَألَفُهُ الفَتى / وَحَنينُهُ أَبَداً لِأَوَّلِ مَنزِلِ )) , وهنا تلميح ذكي إلى أن (( المنزل الأول )) قد يكون الوطن - سوريا - المفقود وسط غابات الغياب الفرنكوفونية , أو الحبيب الأول والزوج (( أصل هؤلاء العشاق )) .

ثم هناك ثنائية (( الرغيف / القلب )) وامتداد الوجع , حين تستخدم الشاعرة استعارة ممتدة تشكل العمود الفقري للنص(( القلب = رغيف خبز )) هذا الرغيف لا يُؤكل ليشبع الآكلين , بل يُقتطع بالوجع كـ (( عربون ولاء )) والأمومة هنا تظهر بملامح (( تضحية أسطورية )) , والتشظي الجغرافي والعاطفي فالأبناء متفرقون , وأوجاعهم تنعكس على جسد الأم , (( أحدهم يغيب فيتحول الفراق إلى قطار في حنجرتها , والآخر يمرض فتهذي الروح كمدينة تحترق )) , ودراما اللجوء والهجرة حيث يبلغ النص ذروته العاطفية عند الحديث عن الصغير الذي ركب البحر صوب (( بلاد الإغريق )) - اليونان , وهي بوابة اللجوء السوري الشهيرة - هنا يتحول عذاب الضمير للأم إلى جلد ذاتي (( أصلب جسدي , أرجمه بالحجارة )) لأنها تنعم بالدفء بينما ابنها يتوسد قسوة الحجارة في المنفى.

تنهي الشاعرة النص بنبرة تراجيدية حزينة , فالأبناء (( العشاق )) يزدادون (( ربما بالولادة والتناسل )) , والأم ما زالت تمارس طقسها الصباحي المقدّس (( تخبز رغيف قلبها )) , لكن النتيجة حتمية بفعل الغربة والمسافات , الرغيف يجف , يصغر , ويتكسر في بطون غابات الغياب , الحقيقة ان النص بنية قائمة على المفارقة بين (( العشق )) و(( الأمومة )) , وهو وثيقة شعورية بالغة الصدق عن (( الأمومة في زمن الشتات )) , لقد استطاعت الكاتبة (( جنان الحسن )) من مغتربها الفرنسي , وبلوعتها السورية , أن تصهر العام بالخاص , فجاءت الصور طازجة , يومية , وبعيدة عن التقعير اللغوي , لكنها مشحونة بطاقة تعبيرية قادرة على هزّ الوجدان .

صباح الزهيري .


"على مقعد القلب"

لدي قلب واحد
والكثير من العشاق
يتعلقون بحباله
يجعلون من جدرانه دفاتر لذكرياتهم
يعيثون فيه حبا
فتتساقط من جيوبهم
بذور الغياب وتنمو
أقسمه بينهم مثل رغيف خبز
إلى لقيمات عديدة
أطعمه لأصواتهم عربون
عشق وولاء

يناديني عشيقي الأول
بصوته البعيد جدا
تفقد روحي بوصلتها وخريطة طريقها
تغدو مثل حديقة يقام فيها مهرجان للطفولة
يسيل لعابها على رقة صوته
تسقط حصته من قلبي مثل نقطة مربى
تتدحرج صوب فمه
جاثية على روحها بكامل الجذل
تحتضنه دون شبع
قالوا قديما:
"أعز من الولد ولد الولد"

لدي أربعة عشاق أخرين
على مسافة واحدة من عيني
أوزع لقيمات قلبي عليهم بالتساوي
يغيب أحدهم
تغدو اللقمة حقيبة ومحطة وقطار
وفي حنجرتي يعلق الفراق
يمرض أخر
تسقط روحي محمومة تهذي
مثل مدينة تحترق
تبحث عن نجاتها
تارة في معطف طبيب
وأخرى في عباءة قديس
ويا لصغيرهم
أصلب جسدي على سرير الأرق كل ليلة
أنزع عنه الدفء
أرجمه بالحجارة
أسوطه بعذاب الضمير
كلما قص علي في حكاية هروبه
صوب المنفى
قسوة الحجارة التي توسدها ونام
في جزر بلاد الإغريق
بعضهم يناديني "أمي"
بعضهم يداعبني ب"ماما"
لا يضير قلبي ذلك
هو يرقص بذات الوتيرة وذات الحماس
وذات الرقصة
كلما سمع النداء ..

تجول في خاطري
ملامح عشيق أخر
أمد يدي إليه بلقمة أخرى
يسحق روحي ألم اقتطاعها
أمسح بها أواني الذاكرة
ابحث عن شيء
أي شيء
حتى لو كانت بعض شوائب فيه
لم تتسلل إليها يد اللصوص
شوائب ما زالت تتذكر دفء أصابعي عليها
يتلوى قلبي مثل نهر
يجري بكل قواه هاربا من مصيره
يوجعه أن يقف ولو للحظة
عند الضفاف
ألم يقل "أبو تمام":
(كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدا لأول منزل)

عشاقي يزدادون
وما زلت كل صباح
أخبز رغيف قلبي لهم
وما زال يجف
يصغر
ويتكسر
في بطون غابات الغياب ..

#Jenan_al_hasan_
#france_
#syria_
----------------------------------------------------------------------------






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...


المزيد.....




- في ذكرى ميلادها.. آنا أخماتوفا بين مجد الشعر ومآسي القرن الر ...
- معهد موسكو للفنون المسرحية يعرض -كيف يولد الأبطال- لأول مرة ...
- «تيلاي» الإفريقي يتصدر أفلام مهرجان كان بنسخة مرممة
- إيران تعلن اختتام المحادثات الفنية وغموض بشأن أموال طهران ال ...
- اختتام المحادثات الفنية بين طهران وواشنطن في سويسرا وتوافق ع ...
- الجيل الشاب يغير خارطة زوار المتاحف الروسية وسط قفزة استثنائ ...
- إيران تعلن اختتام المحادثات الفنية في سويسرا
- معرض -باليه البولشوي ليوري غريغوروفيتش- يفتتح أبوابه في روما ...
- موسيقى وتاريخ.. حفل تأبيني عند نصب رزييف يُحيي الذكرى الـ85 ...
- مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يحدد نيسان 2027 ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الرومانسية السوداء .