أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح الضحكة عِطراً.














المزيد.....

مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح الضحكة عِطراً.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 09:57
المحور: الادب والفن
    


نشرت أحدى الصديقات : (( العطر فكرة لا تتسع سوى لحضور واحد ضحكتك مثلا )) ,عبارة رقيقة ليست مجرد كلمات عابرة , بل ومضة شعرية مكثفة تحمل في طياتها الكثير من الجمال والعمق والذكاء العاطفي , وتلك هي فلسفة الاختزال والتركيز, فالعبارة تبدأ بنزع صفة (( المادية )) عن العطر وحولته إلى (( فكرة )) , والعطور في ذاكرتنا الإنسانية هي أقوى المثيرات التي تستدعي الأشخاص والأماكن , وعندما تقول إنه (( لا يتسع سوى لحضور واحد )) , فهي تؤكد على مبدأ الأحادية والاستثناء , لأن العطر الحقيقي لا يذكرك بالجميع , بل يربطك بشخص واحد أو شعور واحد لا يقبل الشركاء.

نأتي الى المفاجأة الشعرية في (( ضحكتكِ مثلاً )) , فالذكاء في الصياغة يكمن في الختام , بعد أن هيأت القارئ لانتظار شيء تقليدي () مثل: حضورك , وجهك , غيابك )) , اختارت تفصيلة دقيقة ومتحركة وهي (( الضحكة )) , وهنا تحويل المرئي والمسموع إلى مشموم , فالضحكة تُسمع وتُرى , لكنها هنا تحولت إلى عطر يُشم وينتشر في الأثير , ثم الحيوية فهي لم تختر حضوراً ساكناً , بل اختارت الضحكة التي تمثل قمة البهجة والحياة.

هناك الأثر العاطفي عندما تغلف العبارة بـرومانسية عذبة وراقية , فيها غزل مبطن يحمل الكثير من الدلال , وكأنها تقول إن (( ضحكة )) الشخص المقصود لها رائحة ونفاذ وتأثير العطر الذي يملأ المكان ويطرد أي حضور آخر , وانها لعمري تمتلك حساً أدبياً مرهفاً وقدرة على صياغة (( السهل الممتنع )) , لقد اختصرت في سطر واحد كيف يمكن لتفصيلة صغيرة (( كالضحكة )) أن تهيمن على الذاكرة والحواس تماماً كما يفعل العطر في زجاجة ضيقة لكن أثره يملأ المدى , انها عبارة بمثابة منشور يفيض رقة وعذوبة .

تحمل هذه العبارة المدهشة في طياتها مذهبين من أجمل مذاهب البلاغة والشعر , الأول (( تراسل الحواس )) , هذا المفهوم الذي برع فيه الرمزيون , وتجده مبثوثاً في عيون الشعر العربي القديم والحديث , وهي لم تمزج حاسة بحاسة فحسب , بل أحدثت (( تفاعلاً كيميائياً )) بين الحواس , الضحكة (( وهي طاقة صوتية تُسمع , وحركية تُرأى على الشفاه )) , تذوب لتصبح عطراً (( وهو طاقة شمّية تبحث عن مستقر في الذاكرة )) , هذا التداخل يجعلنا أمام حالة وجدانية متكاملة , حيث لا تعود الحواس حواجز وفواصل , بل تندمج كلها لتلتقط (( حضوراً واحداً )) استثنائياً .

والثاني , خصوصية الفكرة وعالمية العطر , فحين قالت : (( العطر فكرة )) , خرجت بالعطر من زجاجته المادية الضيقة , ومن حدود تركيبته الكيميائية , إلى فضاء التجريد , والزجاجة قد تنفد , والرائحة قد تخف بعد ساعات , لكن (( الفكرة )) خالدة , لا تموت ولا تزول , ثم تأتي المفارقة العجيبة : الفكرة عادةً تتسع للعالم كله , وتستوعب المتناقضات , لكن هذه الفكرة بالذات (( أنوية )) في حبها , (( ضيقة )) في استيعابها , لا تقبل الزحام , ولا ترضى إلا بـ (( ضحكة )) ذلك الغائب الحاضر لتملأها.

وعلى سبيل المجاراة الأدبية , لو أردنا أن ننسج على منوال هذه الرقة , ونمنح العبارة امتداداً شعرياً , لقلنا : (( العطرُ ذوبُ حكايةٍ , والذكرياتُ زجاجةٌ , وعجبتُ كيف لضحكةٍ أن تختصر المدى , وتصير أريجاً يملأ الكون , بينما صاحبها يلوذُ بالصمت )) , إنها عبارة كُتبت بماء الورد والشفافية , وتستحق أن تُتأمل طويلاً , لأنها لا تصف حباً عادياً , بل تصف (( استيلاءً عاطفياً نبيلًا )) يختصر العالم كله في نبرة فرح .

التراث العربي هو المعين الأول الذي نبتت فيه هذه الرقة , وحين نعود إليه , نجد أن (( تراسل الحواس )) , وربط (( الضحك والفرح بالطيب والأريج )) له جذور عميقة في وجدان شعرائنا ,خصوصا ماورد عن طيب الأنفاس وافتراق الثنايا عند الأقدمين , ففي الشعر الجاهلي , كان الشعراء يربطون دائماً بين ابتسامة المحبوبة وبين انتشار رائحة المسك أو القرنفل , وكأن الثغر إذا انفتح بضحكة , أطلق عِطراً سجيناً, حيث يقول امرؤ القيس في معلقته ممهداً لهذا المفهوم : (( إِذا قامَتا ضاعَ المِسكُ مِنهُما نَسيمَ الصَبا جاءَت بِرَيّا القَرَنفُلِ )) , وهنا يربط الحركة والبهجة بانتشار العطر في الأثير , تماماً كما تفعل (( الضحكة )) في عبارة الصديقة .

أما ابن الرومي , وهو رسام التفاصيل الدقيقة في تراثنا , فقد ذهب إلى أبعد من ذلك حين جعل أرج الأنفاس الطيبة يمتزج بالحديث والابتسام , فقال: (( أَنفاسُهُ كَأَمانِيِّ النَفسِ قُربُهُمُ وَنَطقُهُ كَجَنى النَحلِ الَّذي شُتِيا , إِذا تَبَسَّمَ أَبدى عَن مَفاصلِهِ بَرقاً تَأَلَّقَ في عُرضِ الغَمامِ حَيا)) , لقد جعل من التبسم ضياءً ومن الأنفاس أمنيات عذبة , وهو يقترب جداً من جعل (( الضحكة )) فكرة عطرية , حين تقول : (( العطر فكرة لا تتسع سوى لحضور واحد )) , فهذا يعيدنا إلى مفهوم (( الاستغراق والامتلاء بالواحد )) في تراثنا العذري والصوفي , يقول أبو الطيب المتنبي في بيتٍ يفيض رقة وعزة في آنٍ واحد , مؤكداً أن الحبيب يملأ الذاكرة فلا يترك مساحة لغيره : (( ذِكرُ الصَبَابَةِ لِلصَبَابَةِ جَامِعُ وَمُصَابُ كُلِّ مُصِيبَةٍ تَرْجِيْعُ , لَو تَعْقِلِيْنِ بَكَيْتِ رَحْمَةَ عَاشِقٍ قَاسَى بِكِ الدُّنْيَا وَأَنْتِ هُجُوْعُ )) , وفي موضع آخر يختصر حضور المحبوب بكونه الكون كله , فإذا حضر غاب الجميع , وإذا غاب خلت زجاجة العمر من عطرها.

في التراث الصوفي - كأشعار ابن الفارض ومحيي الدين بن عربي - العطر ليس مادة , بل هو (( نفحة ربانية )) أو (( تجالٍ روحي )) هم أول من قالوا إن (( العطر فكرة )) , فالروائح عندهم هي هدايا الذاكرة والوجدان , وحين يهتز الوجدان فرحاً (( وهي الضحكة )) , يفوح أرج المعنى , وخلاصة المزج بين المعاصر والتراثي فإن العبارة هي امتداد حديث لقول أبي تمام قديماً: (( خَلَقَ اللَهُ أَوجُهَ الناسِ بِيضاً وَبَنى فَوْقَ ضَحْكِ مَيٍّ رِياضا)) فإذا كان أبو تمام قد رأى الضحكة (( رياضاً وبساتين )) فإن الصديقة قد استخلصت من تلك الرياض (( زجاجة عطر )) مركزة , لا تتسع إلا لشخص واحد.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .


المزيد.....




- ألحان من تحت الركام.. الموسيقى سلاح أطفال غزة لمواجهة الفقد ...
- أصوات من خيام غزة.. الغناء يفتح ممرا للناجين من الفقد
- انطلاق مسلسل -الأشرعة القرمزية- بتقنيات الذكاء الاصطناعي عبر ...
- مصر.. الشؤون الإسلامية ترد على تصريحات يوسف زيدان بعد تشكيك ...
- أوبرا وطاقة.. غاريفولينا: الوقوف على مسارح روسيا هو السلوى ل ...
- الثقافة السورية تلغي حفل الفنان شادي جميل في دار الأوبرا بدم ...
- مايكل جاكسون.. كيف يتحول الفنان بعد رحيله إلى كيان استثماري؟ ...
- غاريفولينا تؤكد استحالة إقصاء الأوبرا الروسية من الساحة العا ...
- الأوسكار تدعو مئات الشخصيات للانضمام إليها.. هؤلاء أبرزهم
- كواليس لا تقل جمالا عن المشاهد نفسها.. غولدن لاين تستعيد ذكر ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح الضحكة عِطراً.