أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الجَلَد .














المزيد.....

مقامة الجَلَد .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 11:02
المحور: الادب والفن
    


مقامة الجَلَد :

يعض العراقيون على النواجذ بأنتظار الفرج الذي طال أوانه , ولا زال هنالك من يحثهم على الجَلَد , وفي لسان العرب , جَلَد : الصبر والقوّة , ويُقال : (( رجلٌ ذو جَلَد )) أي شديد التحمّل لا يضعف , ويقول ابن دارج القسطلي : (( ما أحسن الصبر فيما يحسن الجزع وأوجد اليأس ما قد أعدم الطمع , وللمنايا سهام غير طائشة وذو النهى بجميل الصبر مدرع , فإن خلت للأسى في شجوها سنن فطالما أحمدت في كظمها البدع )) , فماذا يعني الجَلَد ؟ يعني أن تنظر إلى الشوكة وترى فيها وردة , أن تنظر إلى الليل وترى فيه الفجر , أما نفاذ الصبر فيعني أن تكون قصير النظر إلى الحد الذي لا تستطيع فيه رؤية النتيجة , إن الصوفية عشاق الله لا يفقدون الصبر , لأنهم يعلمون بأن الوقت ضروري كي يصبح الهلال بدراً , وقالوا : علامة العاقل : الصبر عند المحنة , والتواضع عند السعة , والأخذ بالأحوط.

الصينيون عندهم ثقافة الجَلَد , بنفس طويل , أما العجلة فمذمومة , وإن بدا للآخرين أنهم يطيرون من السرعة , هم يعتبرون أنهم يسيرون بخطى بطيئة للغاية , حكاياتهم عن مساوئ التسرع كثيرة , ثمة قصة يعلمونها لأطفالهم في الكتب المدرسية , عن مزارع أرز , نظر ذات مرة إلى حقله فوجد أن نبتاته لا تنمو بسرعة , فقرر مساعدتها , وصار يمسك بكل واحدة منها ويشدها بلطف صوب الأعلى لتتطاول , حين عاد إلى البيت سعيداً , وأخبر أولاده بأنه مد يد العون لشتلات الأرز , هرعوا باتجاه الحقل فوجدوها ذابلة , لأنه لم يحسن التعامل مع طبيعتها , وعاكس بسلوكه سجيتها , وحكاية الصيني الذي رأى فراشة تخرج من شرنقتها بصعوبة , وأحب مساعدتها , تتكرر أيضاً , فتح الرجل الشرنقة ليسهل خروجها , فكانت صدمته بأن الفراشة فشلت في الطيران , بعض المساعدات فيها ضرر , لأن الفراشة وهي تصارع الشرنقة تدرب أجنحتها على الطيران , ومن دون هذه المرحلة تعجز عن إكمال دورتها.

يقول المثل ألأنكليزي : ((A watched pot never boils )) , وترجمته بالعربي ((الإناء المُرَاقب لا يغلي أبدا )) , ومعناه إن الحاجة التي تنتظرها تحصل غالبًا بعد ان تأخذ وقت في ذهنك أطول من وقتها الحقيقي , ويمكن ألا تحصل أصلا مادمت تنتظرها وتترقبها لتحصل بسرعة , فمن الأفضل إن تنشغل عنها وتدعها تاخد وقتها الطبيعي , لذلك يقال إن الصبر هو فن العثور على شئ آخر تقوم به , وليس مجرد التحمل و الإنتظار و مراقبة الوقت كما قد يبدو, فالإنشغال بأعمال أخرى يعتبر أكثر أنواع الصبر نجاحًا و استمرارًا.

قَالَ إِمَامُ الْعَرَبِيَّةِ , الْأَصْمَعِيُّ : (( إِنَّ أَحْسَنَ مَا قِيلَ فِي الصَّبْرِ , قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ , وَتَجَلُّـدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ )) , وَهَذَا بَيْتٌ مِنْ عَيْنِيَّةِ أَبِي ذُؤَيْبٍ , الَّتِي يَرْثِي فِيهَا خَمْسَةً مِنْ أَبْنَائِهِ , قَتَلَهُمُ الطَّاعُونُ بِمِصْرَ , وَهِيَ مِنْ أَشْهَرِ مَرَاثِي الشِّعْرِ , وَفِي مَطْلَعِهَا يَقُولُ: (( أَمِنَ الْمَنُونِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ؟ وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ )) , والصّبرُ شجرةٌ جذورها مرة ولكن ثمارها شهية , ومن تذوق حلاوة العافية هانت عليه مرارة الصّبر , وقديما قالوا : ((الصّبر على عطش الضر, ولا الشرب من شِرْعة منٍّ)) , وأن أقوى المحاربين هما الوقت والصّبر , وبالصّبر واليقين تنال الإمامة في الدين , فلا بد من الصّبر ليجتاز العابدون البلاء , وصبرٌ قليلٌ يساوى راحة لعشرات السنين , وقد أبدع المتنبي حيث قال :(( كالخيلِ يمنعُنا الشّمُوخُ شِكايةً , وتئِنُ من خلفِ الضلوعِ جروح ُ, كم دمعةٍ لم تدرِ عنها أعينٌ , و نزيفها شهدتْ عليهِ الروح ُ)) , يقول غازي القصيبي قريب من هذا المعنى :(( تبكي الجيادُ.. إذا ترجَّل فارسٌ , ومن الصهيل.. توجّعٌ.. وَعَذابُ أرأيت دَمعَ الخيلِ ؟ كم من عبرةٍ في الروحِ.. لم تعلم بها الأهداب )) .

يتجلي (( مفهوم الجَلَد )) في نهايته لا كمرثيةٍ للانتظار , بل كبيانٍ فكريٍّ ووجدانيٍّ يُعيدُ صياغةَ الصبرِ من فكرةِ (( العجزِ المُستكين )) إلى منطقِ الفعلِ الحكيمِ والكبرياءِ الشامخ , إنه مرافعةٌ إنسانيةٌ عابرةٌ للثقافات , تُخبرنا بلسانِ الصوفيِّ العارف , والمزارعِ الصينيِّ الصبور , والشاعرِ العربيِّ المكلوم , أنَّ المحنَ لَيستْ مَقبرةً للآمال , بل هي (( الشرنقةُ )) الكونيةُ الضروريةُ التي تَصقلُ أجنحةَ الروحِ لتَقوى غداً على الطيران , وعلى هذا الرصيفِ الطويلِ من ترقُّب الفرجِ الذي يقفُ عليه العراقيون اليوم , يرتفعُ (( الجَلَدُ )) ليكونَ خيارَ الأقوياء , فهو ليس غفلةً عن الواقع ولا قِصرَ نظرٍ أمام المعاناة , بل هو انشغالٌ شريفٌ ومُنتِج بصناعةِ الحياةِ وتدبيرِ تفاصيلها ريثما يَبلغُ هلالُ الأملِ تمامَهُ الإلهيَّ بوعيٍ كونيٍّ رصين.

إنَّ الاستشهادَ الشجِيَّ بـ(( دموع الخيل )) وكبريائها الصامت بين المتنبي والقصيبي , يختزلُ جوهرَ الشخصيةِ المجرِّبةِ التي ترفضُ شَماتةَ الدهرِ أو مدَّ اليدِ لِشِرْعةِ المَنِّ , فالجيادُ الأصيلةُ وإنْ أنَّتْ جروحُها خَلفَ الضلوع , وارتجفتْ مآقيها بعبراتِ الروح , يمنعُها شموخُها الأصيلُ شكايةً , وتظلُّ تعضُّ على نواجذِ الصبر , حارسةً لتاريخها , وواثقةً بأنَّ الإناءَ المراقَبَ سيغلي حتماً حين تنشغلُ الذاتُ ببناءِ غدِها , وأنَّ الفجرَ لابدَّ سالخٌ ثوبَ الليلِ مهما ادلهمَّتِ الخطوب .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الجَلَد .