أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) للدكتورة ناديا حمّاد .














المزيد.....

مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) للدكتورة ناديا حمّاد .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 12:13
المحور: الادب والفن
    


تأخذنا الدكتورة ناديا حمّاد في نص باذخ في عاطفته , وعميق في فلسفته , وفي رحلة بصرية وشعورية محورها (( اليد )) , هذا العضو الذي تحول في النص من مجرد أداة بيولوجية إلى (( كائن حي )) يحمل مصير البشرية , يواسي , يبني , يدمّر , ويصلي , ليمثل قصيدة ومضة إنسانية بامتياز , لقد اعتمدت الكاتبة على تقنية المجاز المرسل (( إطلاق الجزء وإرادة الكل )) , فاليد في البنية الدلالية كمرآة للوجود , وهنا هي الإنسان , وهي الفعل , وهي الموقف , ومن خلال ثنائية الحركة والجمود , والخير والشر , يعتبر النص بياناً إنسانياً ضد العزلة , إنه نص دافئ , ناضج , ويمس النخاع الشوكي للمشاعر الإنسانية , يذكرنا بأننا في زحمة الموت , والسياسة , واليأس , والحروب , لا نحتاج إلى معجزات كبرى لننجو , كل ما نحتاجه هو (( لمسة يد )) , أو (( عناق صغير )) يعيد نبتة الحياة إلى أغصاننا اليابسة.

قسمت الدكتورة ناديا النص إلى لوحات سينمائية متتابعة , اللوحة الإنسانية الحانية , تبدأ من اللمسة الأولى التي أنقذت الروح من (( عتمة قديمة )) حيث اليد هي (( المخلّص )) والملجأ , واللوحة اليومية البسيطة (( قهوة الصباح , طائرة ورقية , التقاط صورة )) , تفاصيل صغيرة تمنح الحياة معناها وتثبّت الفرح العابر , ثم اللوحة السياسية/الاجتماعية , والمفارقة الذكية بين (( الشارع الخلفي )) حيث البناء والمنصات الحرة , و(( الشارع الأمامي )) حيث الصخب والتصفيق , ولوحة الصراع والبؤس , والتجاور الصادم بين (( يد تضغط على الزناد )) و(( يد تضع الروج على شفاه الحياة )) , هذا التضاد اوالطباق الشعوري يختزل مأساة الوجود البشري بين الرغبة في الفناء والرغبة في الجمال والمقاومة.

نأتي الى الصور الفنية والجماليات البلاغية , حيث تميز النص بكثافة تصويرية مدهشة , عندما تحولت المعاني المجردة إلى كائنات ملموسة , (( أن تفتح الهواء , أن تفتح الوقت )) استعارة مكنية مذهلة , جعلت من الزمن والفراغ أبواباً مغلقة تحتاج إلى (( مفاتيح )) الأمل حتى وإن كانت بلا قفول مادية , (( تضع الروج على شفاه الحياة )) صورة في غاية العذوبة والعمق , تشبيه الحياة بامرأة حزينة تحاول مواراة كآبتها بمسحة جمال , (( يدٌ تطوي حزنَك كما تُطوى الرسائل القديمة )) تشبيه رائع يحول الحزن إلى شيء مادي يمكن تجاوزه وإغلاقه وأرشفته في الذاكرة , أما لغة النص والإيقاع الشعوري فقد جاءت منسابة , دافئة , خالية من التعقيد اللفظي , لكنها مشحونة بطاقة تعبيرية عالية , وإيقاعها الداخلي يتنقل بسلاسة بين الحزن الشفيف (( أغصان يبست , غياب , بؤس )) , وبين الأمل العنيد (( يقين , طائرة ورقية , دعاء , ترتيب العالم )) .

في الخاتمة والانعتاق , يبرز العناق كحلٍّ كوني , وتصل القصيدة إلى ذروتها العاطفية في المقطع الأخير (( هاكَ يدي التي يبستْ أغصانُها من كثرة ما لوّحتُ لكْ )) هنا يتحول العام إلى خاص , وتظهر مساحة الفقد الشخصي والغربة (( والتي يلمح إليها أيضاً تذييل النص بألمانيا حيث تبرز تيمة المغترب والانتظار )) , لكن النص لا ينتهي باليأس , بل ينتهي بـ (( فلسفة العناق الصغير )) , هذا الفعل البسيط الذي يملك قدرة (( خارقة )) على إعادة ترتيب فوضى العالم وترميم انكساراته.

صباح الزهيري .



عناقٌ صغير
--------
في اللحظة التي شعرتُ فيها أنّ العالم يبتعد
امتدّت يدٌ من دفءٍ لا أعرف مصدره،
عانقتْ روحي
رفعتْها من عتمة قديمة،
وتركتْ في صدري يقينًا
أنّ الحياة تبدأ من لمسةيد ...

الأيادي كثيرة
تتقدّم نحونا كأنّها رسائل بلا كلمات ،
تجمع ما يتناثر منّا ،
وتتركُ ما لا تستطيع حمله ....

صباحنا محمولٌ بأيدينا

بيدي أحتضن قهوة الصباح،

بينما يدٌ غضّة هناك
تطلق طائرةً ورقية نحو السماء تؤمن
أنّ الهواء أمٌّ بديلة ،

يدٌ أخرى تلتقط الصورة
كي لا يضيع الفرح في زحمة الأيام.

في الشارع الخلفي،
أيادٍ تبني منصةً للكلمة الحرة ،
و كأنها تبني قلبًا جديدًا للمدينة.

في الشارع الأمامي ،
أيادٍ تصفق مع كل هتاف
تقبض على اللحظة كي لا تهرب..

على حافة البؤس ،
يدٌ تضغط على الزناد،
تكتب فصلًا آخر من الفقد.

هناك يدٌ تضع الروج على شفاه الحياة،
تجرّب أنْ تجعل وجهها أقل كآبة ،

أيادٍِ أخرى ترفع الدعاء
كأنها تحاول إصلاح ما أفسدتْه الأرض.

يدٌ تطوي حزنَك كما تُطوى الرسائل القديمة،
تربّتُ على رأس ضعفك
وتقول لك :
ما زال فيك ما يستحق البقاء .

بيدكَ تمسكُ مفاتيحَ لا أبواب لها ،
تجرّب أن تفتحَ الهواء،
أن تفتحَ الوقت،
أن تفتحً قلبك ..

هاكَ يدي التي يبستْ أغصانُها
من كثرة ما لوّحتُ لكْ ،
تريد الإمساك بما يتساقطُ منك
وأنتَ توغل في الغياب...

ربّما
عناقٌ صغير بين أيدينا يعيد
ترتيبَ العالم حولنا ،
فتنهض الحياة
رغم كلّ شيء .....

───
د.ناديا حمّاد
30/6/2026
-المانيا-






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...


المزيد.....




- وزير التربية والتعليم يعتمد نتيجة الدور الثاني للدبلومات الف ...
- مخطوطات موريتانيا في مواجهة التحديات.. هل تنقذها الرقمنة من ...
- ماندول النورستانية.. ذاكرة الجبال التي تقاوم النسيان
- ممدوح حمادة خلف الكاميرا للمرة الأولى.. رحلة طويلة من سلسلة ...
- -عودة الأصالة-.. صورة الفنانة السورية أصالة تعود إلى قلب ساح ...
- نقابة الفنانين السوريين تفتح باب العودة لفضل شاكر.. ودعوة رس ...
- الممثلون يبدون أصغر سنًا على الشاشة.. هل يفسد ذلك تجربة الأف ...
- العائلة السعيدة: فيلم عن الفقر في سويسرا الغنية
- الكاميرا التي لم تسقط: هاني جوهرية في الذكرى الخمسين.. من تأ ...
- أهلاً بكم في -كي-كون-.. أحد أكبر مهرجانات موسيقى الـ-كي بوب- ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) للدكتورة ناديا حمّاد .