أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .














المزيد.....

مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 09:38
المحور: الادب والفن
    


في رحاب أثينا , حيث تشرق شمس الحكمة وتزهر عقول الفلاسفة , جلس سقراط يوماً لا ليتغزل بجمال الوجوه , بل ليفتتح محاورةً خلدها الزمان في (( مأدبة )) أفلاطون , لم يكن حديثه صبابةً عابرة أو وجداً حسياً , بل كان رحلةً وجودية تتسلل من ملمس الجسد لتستقر في ملكوت الروح , ثم تحلق عالياً نحو (( الجمال المطلق )) , هناك , حيث تتحد الفلسفة بالعاطفة , أخبرنا سقراط عن أسرار (( ديوتيما )) المرأة الحكيمة التي علّمته أن الحب ليس محطة وقوف , بل هو (( سلمٌ )) منور , نصعد درجاته لنغسل أرواحنا من أدران المادة ونقترب من جوهر الحق.

درجات السلم وفتنة البدايات : تبدأ حكاية الحب عند سقراط من (( عتبة العين )) , حيث ينجذب المرء لجمال جسدٍ واحد , وهو الشكل الأكثر بدائية للحب , لكنه يظل الشرارة الضرورية للارتقاء , غير أن المحب الحكيم لا يقف طويلاً عند هذه العتبة , بل سرعان ما يدرك أن الجمال ليس ملكيةً خاصة لشخص بعينه , بل هو (( فكرة )) مبثوثة في كل الأجساد الجميلة , من هنا , يتحول التعلق الفردي إلى رؤية شمولية , تمهد الطريق للنفس لتغادر ضيق (( الأنا )) إلى سعة (( النوع )) , فيصبح الحب أول تمرين للعقل على التجريد.

عروج الروح وطهارة الفضيلة : حين يتجاوز المحب فتنة المظاهر, يرتقي إلى درجة (( جمال الروح )) حيث تغدو الأخلاق والذكاء والسمو النفسي هي المعشوق الحقيقي , في هذه المرحلة , يرى المرء أن النفس الطيبة أجمل من الوجه الحسن , وأن قبح الروح لا يجمله اعتدال القوام , هنا يولد (( حب العقل والمعرفة )) فلا يعود المحبوب مجرد جسد يُشتهى , بل شريكاً يحرض على التفكير ويحفز على النضج , الحب السقراطي إذن هو (( قابلةٌ قانونية )) تولد الأفكار , تماماً كما تعلم سقراط من أمه (( فيناريتي )) فن التوليد , لينقله من رحم الأجساد إلى أرحام العقول.

الجمال في مرآة المجتمع والكون : لا يتوقف السلم عند حدود الفرد , بل يمتد ليشمل الجمال الكامن في (( الأفعال والعدالة والقوانين )) , يدرك السالك في درب الحب أن النظام الذي يحكم المجتمع والانسجام الذي يدير الكون هو أعلى مراتب الجمال الحسي , إن حب الأفكار والمعاني الكبرى كـ (( الخير والانسجام )) هو ما يجعل الحب فعلاً فلسفياً بامتياز , في هذه المرحلة , يصبح المحب عازفاً للصمت على درج الفلسفة , يرى في العدل قصيدة , وفي القوانين النبيلة لوحةً فنية , ليرتبط الحب هنا بالارتقاء الحضاري والمسؤولية الأخلاقية.

قمة السلم والجمال المطلق : عند ذروة المعراج , يصل المحب إلى (( الجمال المطلق )) ذلك النور الذي لا يحده زمان ولا يحويه مكان , جمالٌ خالد لا يعتريه ذبول ولا يطاله فناء , هو الجمال (( كما هو )) , مجرداً من اللحم والدم , أزلياً في كماله , هنا , يطارد الفيلسوف بملقطه العقلي (( عصب الحب المرتعش )) كما قال أورتيغا , ليحول الرغبة (( إيروس )) من طاقة هدم أو تملك إلى طاقة بناء كوني , إن الوصول لهذه القمة هو غاية الحكمة , حيث يصبح الحب تأملاً في الحقائق التي لا تتغير بتغير الفصول.

سقراط , الحب كمنهج حياة : لم يكن سقراط مجرد واصف لهذا السلم , بل كان هو (( السلم )) ذاته في مشية حياته , لقد عاش عاشقاً لكل امرأة حكيمة وجميلة , من فصاحة (( أسباسيا )) التي صقلت فكره , إلى صبر وزجر زوجته (( زانثيبي )) التي علمته حكمة الصمت , وصولاً إلى وفاء تلميذته (( أريتا )) , سقراط لم يهرب من الحب بل (( أنسنه )) وفلسفه , فحتى وهو يتجرع الكأس المسمومة , كان حبه للحق والجمال أقوى من رهبة الموت , لقد علمنا أن الحب هو (( إله وسيط )) بين الأرض والسماء , جسرٌ نعبر عليه لنكون أفضل مما نحن عليه.
لقد كانت رحلة ممتعة في عقل سقراط وقلبه , فمزجُ الفلسفة بالأدب دائماً ما ينتج نصاً يحمل نكهة الحكمة وجمال البيان , إن سلم سقراط في الحب ليس للعاشقين الذين يسكنون الأرصفة , بل للحكماء الذين يسكنون الأفكار , هو رحلة تبدأ من (( الشفاه )) لتنتهي بـ (( شغف الروح )) , حيث لا يُستملك المحبوب بل يُستنبت المعنى , سيبقى الحب , كما هي الفلسفة , لغزاً كلما حللناه وجدنا في قلبه لغزاً أعمق , لكنه يظل البوصلة الوحيدة التي تقودنا نحو (( الجمال المطلق )) في عالم متهالك , تماماً كما غنى هولدرلين لديوتيما , فالحب عند سقراط هو شهادة ميلاد دائمة للروح , لا تنتهي بفناء الجسد , بل تبدأ منه لتخلد في ملكوت الحكمة.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .


المزيد.....




- وفد من المثقفين والمؤسسات الدينية والشخصيات السياسية والثقاف ...
- الحكم على الممثلة الفرنسية إيزابيل أدجاني بالسجن وغرامة مالي ...
- علاقة مثلية بين طالبة وعميدة جامعة متزوجة تتحول إلى مسرحية أ ...
- الاستقالة.. ثقافة لا هزيمة
- بيرو.. دليل على فشل الإسبان في محو ثقافة الأندلس
- قبل عرض فيلم -شمشون ودليلة-.. مي عمر تبارك لزملائها رغم المن ...
- سوريا.. تأجيل حفل الفنان الأردني الأخرس في دمشق حدادا على ضح ...
- -صقر وكناريا-.. فيلم يكسب بالكوميديا قبل الإثارة
- مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة.. خريطة التمثيل وقائمة الم ...
- تضاعف مبيعات ملحمة -الأوديسة- لهوميروس عالميا بالتزامن مع قر ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .