أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .














المزيد.....

مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 09:56
المحور: الادب والفن
    


دائما ما يشكو المندلاوي الجميل لوعة غربتة الفردية , وهاهو ينشر دفقا شعوريا في النص التالي الذي يفيض بشجن عالٍ تحت عنوان غربة : (( لا اشك في أن كثيرا منا وفي أزمنة الكوليرا المتكررة , وهي - والحمد لله - كثر , قد مر بمضمون بيتي المتنبي حين أشاع حساده - وهم كثر أيضا - خبر موته زورا , - بم التعلل لا اهل ولا وطن ولا نديم ولا كاس ولا سكن , اريد من زمني ذا أن يبلغني ما ليس يبلغه من نفسه الزمن - لقد وجد الكثير منا في شعر المتنبي ملاذا لافراغ همه وحائطا يتكيء عليه كلما زارتنا الكوليرا , وهي لا تكف عن زيارتنا ابدا )) , واستخدامه لمصطلح (( الكوليرا المتكررة )) هو ضرب من الجناس الفكري البديع , فهو لا يقصد الوباء العضوي فحسب , بل تحول الكوليرا إلى رمز لكل أزماته الخانقة .

يقول العم جوجول ان هذان البيتين هما مطلع واحدة من أشهر قصائد أبي الطيب المتنبي , قيل إنّه نظمها في العراق بعد أن بلغه أن قوماً نعَوْه في مجلس (( سيف الدولة )) , وفي البِيتُ الأوّل: (( بِمَ التَّعَلُّلُ لا أَهْلٌ وَلا وَطَنٌ / وَلا نَدِيمٌ وَلا كَأْسٌ وَلا سَكَنُ )) , يتساءل المتنبي بحرقة عن أيّ شيء سيتسلى ويطيب خاطره ؟ وهو يعيش اغتراباً مطلقاً , فلا أهل حوله , ولا موطن يأوي إليه , ولا صديق يؤنسه , ولا خمر يلهو بها , ولا بيت يستقر فيه, والبِيتُ الثّاني : (( أُرِيدُ مِنْ زَمَنِي ذَا أَنْ يُبَلِّغَنِي / مَا لَيْسَ يَبْلُغُهُ مِنْ نَفْسِهِ الزَّمَنُ )) , يعبر عن طموحه الجامح الذي يتجاوز المألوف , فهو يطلب من زمانه أن يحقق له المجد والمنزلة العظيمة التي يعجز الزمان بطبيعته عن إدراكها وتحقيقها لأحد , ومن بلاغتها ذلك الاغتراب المُطلق بأستخدامه لحروف النفي المتكررة (( لا , ولا )) لتصوير العدمية والخواء الذي يعانيه من كل مقومات الحياة , والمبالغة حيث أضفى المتنبي في البيت الثاني صفة العقل على الزمان وأظهره كأنه كائن يختار , ليبرز حجم طموحه الذي يسبق عصره وتاريخه .

يقول الشراح ان هذا البيت هو الأكثر وجعا في شعر المتنبي , اما أبو الفتح ابن جني فقد ذهب إلى ان المتنبي جرى في هذا البيت على عادته في المبالغة, وجعل الزمان كأنه عاقل يريد لنفسه الخير , ويجوز أن يكون الشاعر ذهب إلى أن الزمان كالذي يعقل , فيختار أن يكون كلها ربيعاً , لأنه زمان طيب يظهر فيه من الزهر والرياض ما لا يظهر في غيره من الأزمنة.

ولعل ارتباطنا بالمتنبي كلما (( زارتنا الكوليرا )) يعود إلى أن أبا الطيب لم يكن يشتكي غربة الجغرافيا فحسب , بل كان يئن من (( غربة الروح )) وهي الغربة الأشد فتكاً , فالغربة الحقيقية ليست في أن تفقد وطناً خريطته على الأرض , بل أن تفقد (( السكن )) والأمان النفسي داخل هذا الوطن , لتصبح (( اللا )) المتكررة في بيته الأول سياجاً يحيط بأيامنا الحاضرة , وعندما نأتي إلى بيته الإعجازي (( أُرِيدُ مِنْ زَمَنِي ذَا أَنْ يُبَلِّغَنِي مَا لَيْسَ يَبْلُغُهُ مِنْ نَفْسِهِ الزَّمَنُ )) , نجد أنه لم يقنع بالبكاء على الأطلال , بل تمرد على العجز , إنه يطالب الزمان بما يعجز الزمان نفسه عن تحقيقه , وهنا يلتقي الإنسان العربي المعاصر بالمتنبي , ففي تصارعنا مع أوبئة العصر وخيباته , لا نطلب مجرد البقاء , بل نطلب المستحيل , نطلب كرامةً , ومجداً , وعدالةً يبدو أن (( الزمن الكوليراوي )) الحالي عاجز عن إدراكها أو منحها لنا.

وإذا ما أسقطنا وجع المتنبي على واقعنا المعاصر, وتحديداً في تلك اللحظة الفارقة التي تلت الاحتلال , سنجد أن الأبيات لم تعد مجرد شعر يُلقى , بل صارت (( بيان حال )) لكل من وقف على أطلال مدنه المسبية , لقد أعاد الاحتلال صياغة مفهوم (( الغربة )) ليكون اغتراباً داخل الدار , فصار المرء يسير في شوارع بلاده وهو يسأل بمرارة المتنبي (( بم التعلل؟)) , بأي شيء نتعلل اليوم؟ والجدران الكونكريتية فصلت الأهل عن الأهل , والفتن المتلاحقة نالت من (( النديم )) و(( السكن )) , لقد تحول (( الوطن )) في بيتي أبي الطيب من ملاذٍ آمن إلى فكرة هلامية نبحث عنها في ذاكرة الصور القديمة , والاحتلال لم يكتفِ بهدم البنيان , بل حاول هدم (( الزمان )) نفسه , جاعلاً منا أمةً تعيش خارج التاريخ , نكابد (( كوليرا )) الفوضى والفساد وضياع الهوية.

وحين يصرخ المتنبي : (( أُرِيدُ مِنْ زَمَنِي ذَا أَنْ يُبَلِّغَنِي مَا لَيْسَ يَبْلُغُهُ مِنْ نَفْسِهِ الزَّمَنُ )) , تجدنا نردد خلفه بذات الطموح الجريح , فنحن نطالب هذا الزمن العراقي المثقل بالحروب والاحتلالات , أن يمنحنا لحظة استقرار , ونظرة فخر , واستعادة لسيادة الروح , وهي أشياء يبدو أن الزمان (( الراهن )) عاجز عن إدراكها أو تحقيقها , لكننا - كالمتنبي - نرفض التسليم بهذا العجز , لقد أصبح البيت الثاني عنوانا ل (( المقاومة بالبقاء )) , ففي كل يوم يشرق فيه العراقي على حطامه ليصنع منه حياة , هو في الحقيقة يمارس ذات مبالغة المتنبي , ويجبر زمنه القاسي على أن يبلغه مستحيلاً لا يملكه الزمن نفسه , لقد ظل المتنبي (( غريباً )) حتى في موته , وظللنا نحن (( غرباء )) حتى في أوطاننا , وبين غربته وغربتنا خيط من الوجع يمتد لألف عام , لكنه يثبت أن الكلمة هي الوطن الوحيد الذي لا يمكن احتلاله.

خلاصة القول , إننا إذ نتكئ على حائط المتنبي , لا نفعل ذلك هرباً , بل لأننا نجد في وجعه القديم مرآة لوجعنا المتجدد , لقد مات المتنبي ومات حساده , وماتت أجسادٌ كثيرة جرفتها الأوبئة , وبقي الصدى يسألنا مع كل فجر جديد: (( بم التعلل؟ )) فلا نجد إجابة سوى المضي قُدماً في إجبار هذا الزمان على أن يبلغ بنا ما لا يبلغه هو من نفسه .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...


المزيد.....




- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...
- اعتقال كوميدي تركي بتهمة إهانة الإسلام وأردوغان
- وشم باللغة الروسية.. مشجعة مكسيكية تخطف الأنظار في كأس العال ...
- ورشة في دمشق ترسم ملامح مرحلة جديدة للدراما السورية


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .