أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ الوَطَن .















المزيد.....

مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ الوَطَن .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 11:52
المحور: الادب والفن
    


يقول ابراهيم البهرزي : الحكاية توشك على الانتهاء كما يبدو (( لا ترج ُ من بارح مطر)) , وهو مَثَلٌ شعبي عراقي شهير من أمثلة جنوبنا الخالد , ولا يُتداول إلا بالأرياف سواء كان بالفرات الأوسط أو بمناطق الأهوار , فهم خبراء بالطبيعة و تقلباتها وغالباً ما يُلفظ: تترجى من بارح مطر؟ يُضرب لوصف استحالة الحصول على نتيجة أو منفعة من شخص لا يملكها , و البَارِح هو ريح صيفية جافة وحارة , وغالباً ما تكون محملة بالغبار , والدلالة في قول البهرزي كما أنه من المستحيل أن يهطل المطر من غيوم (( البارح )) الصيفية , فإنه من العبث أيضاً أن تطلب حاجة أو مساعدة وتنتظرها من شخص بخيل أو عديم المروءة والشهامة , ويستخدم هذا المثل عادةً في سياق النقد والتوبيخ , أو للتحذير من الاعتماد على من لا يُرجى منه خير , أو عند طلب المعروف من غير أهله .

يعرف العراقيون ان الأمثال هي حصيلة تجربة شعب أو مجتمع تُصاغ على شكل شعر أوحكاية أوحكمة ليُستفاد منها في مقبل الأيام , ولتكون نبراسا يُهتدى به في مكارم الاخلاق , ويبدو ان صاحبنا البهرزي اراد أن يوثق هذا المثل قبل أن يطاله النسيان وتدرسه الأيام كما إندرست قبله أمثالا لم تجد من يوثقها , وكما تقول الحكمة المعروفة فاقد الشيء لا يعطيه , ويقال ان الخائن لا يؤتمن , يأتي المثل الشعبي (( لا ترجه من بارح مطر )) , ويقول مثل اخر (( ودع البزون شحمه )) , هذه الامثال والحكم وغيرها اجدها تنطبق تمام الانطباق على مايحدث من أستعراضات ومداهمات للمنطقة الخضراء منطقة القبح والفساد والمحاصصة والرشا والتآمر , طاولة النهب والتغاضي , والثراء الفاحش لطرف مقابل الفقر المتقع للآخر.

كيف نتوقع من صانع المشكلة أن يكون هو حلها ؟ ولماذا صنعها أساساً ؟ إننا لا نتحدث عن نزاع عشائري بسيط , بل عن دماء وأموال ومصير بلد ضيعه هؤلاء بافتعالهم الأزمات , فهل يُعقل أن يُطلب من المتسبب بالجريمة الكبرى أن يحاسب نفسه ؟ وهو نفسه أحد رياح (( سموم البارح )) الذي يزعمون أنه سيمطر ويغيثكم , بينما هم وأحزابهم شلة من (( العتاوي )) المتقاتلين على شحمة العراق , التي أُودعت لدى زمرة النهابين بفتاوى ارتجالية.

لقد نجح البهرزي في توظيف الجغرافيا والطقس العراقي لخدمة الموقف السياسي , فـ(( البارح )) ليس مجرد ريح حارة , بل هو منظومة مناخية طاردة للمطر , وإسقاط هذا المثل على (( الحملات المزعومة لمكافحة الفساد )) يوضح عقم المنظومة من أساسها , فالطبقة السياسية التي تأسست بعد عام 2003 بُنيت على أساس (( المحاصصة )) واقتسام مغانم الدولة , وصدور قرار بمكافحة الفساد من داخل هذه المنظومة هو تناقض بنيوي , لأن حيتان الفساد هم أنفسهم حماة النظام السياسي.

لا تخرج الحملات الحالية أو السابقة عن كونها (( بروباغندا )) دعاية سياسية أو (( أداة لتقليم الأظافر )) , وليست إرادة حقيقية للإصلاح , وذلك لعدة أسباب كالحصانة الحزبية والميلشياوية فالرؤوس الكبيرة تمتلك أجنحة مسلحة , وامتدادات إقليمية , ونفوذاً مالياً يجعلها فوق القانون , أي محاولة للاقتراب منها تعني تهديد (( السلم الأهلي )) أو تقويض النظام السياسي من أساسه , كما ان الفساد كعقد اجتماعي وسياسي أضحى في العراق ليس انحرافاً فردياً , بل هو (( سستم )) نظام تشغيلي للدولة , فالوظائف , والمشاريع , والعقود , وحتى المناصب السيادية تُباع وتُشترى ضمن بورصة المحاصصة , والحقيقة تُستخدم هذه الحملات كمخدر موضعي للشارع المنتفض أو الغاضب من سوء الخدمات والبطالة , لإيهام الناس بأن (( هناك حراكاً يجري )) , حتى تموت القضية بالتقادم أو بالتسويات الخلفية.

إذا كان البارح لا يُمطر , فإن (( حاميها حراميها )) وهذه الحملات غالباً ما تُدار من قبل لجان تشكلها المحاصصة نفسها , فكيف يُطلب من اللص أن يضع القيد في يده ؟ وينطبق على هذه الحملات أيضاً المثل: (( صعد السبع , نزل السبع , خط الموت لونه أحمر)) دلالة على بقاء الجوهر الفاسد مهما تغيرت الوجوه واللجان , والحملات التي لا تطال الرؤوس الكبيرة تُسمى في العلوم السياسية بـ (( العدالة الانتقائية )) , حيث يُستخدم القانون كسلاح لمعاقبة الخارجين عن (( اتفاق الإخوة الأعداء )) أو لابتزاز الأطراف الأضعف في المعادلة السياسية , بينما تظل الرؤوس الكبيرة في مأمن تحت مظلة (( التوافقية )) .

وبينما تضج شاشات التلفزة ببيانات النزاهة وصليل القيود في أيدي صغار الكسبة والوظيفة , تقبع الرؤوس الكبيرة في قصورها بالمنطقة الخضراء , تحتسي نخب (( التوافق )) وتتبادل الابتسامات خلف الكواليس , لقد قسّموا شحمة الوطن , وتركوا للشعب الرماد والعواصف الترابية , فمن يطلب الإصلاح من عين الفساد , كمن يطلب شفاء العليل من السم الزعاف , نعم , استحالة يعزف العود بلايه وتر , واستحالة يبنى الوطن والباغي هو الحَكَم .

لا تُمثّل الرؤوس الكبيرة في العراق أشخاصاً بحد ذاتهم , بل تُمثّل (( شبكات مصالح عابرة للمؤسسات )) , فالفساد في القمة ليس مجرد سرقة مال عام , بل هو عقد شفهي غير مكتوب بين قادة الكتل الكبرى يُسمى في الأدبيات السياسية بـ (( التوازن الحرج )) حيث تمتلك كل جهة ملفات تدين الجهة الأخرى , والاقتراب من أي (( رأس كبير )) يعني تفعيل نظرية أحجار الدومينو وسقوط الجميع , لذلك , فإن أي حملة لمكافحة الفساد تُحدّد سلفاً خطوطها الحمراء : (( احمِ رأسي , أحمِ رأسك )) .

هذا المثل الذي ينبض بالمرارة والواقعية يقدم تشخيصاً سوسيولوجياً وسياسياً دقيقاً للوضع العراقي , إنهم يعدوننا بـ (( ربيع دائم )) وهم يبذرون في الأرض ملحاً , كيف يستقيم الظل والعود أعوج ؟ وكيف يرتجى من (( البارح )) مطر وهو الذي جفف الأهوار , وأحرق الزرع , وأعمى العيون بالغبار؟ إن من يترقب صلاحاً من (( طاولة المحاصصة )) كمن ينتظر أن تلد الذئاب غنماً , وستبقى (( الشحمة بيد العتاوي )) ما دام الميزان بيد القاضي الذي عيّنه الحزب , وما دام السيف بيد الفصيل الذي يموله الفاسد , فاعلم يا هذا , وتيقّن , لا ترجى من بارح مطر , ولا ترجى من شجر ميت أي ثمر , واستحالة يعزف العود بلايه وتر , واستحالة تلتئم جروح العراق وجلادها هو الطبيب والمداوي .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...
- مقامة مظفرية : ضفائر بطول السالفة شاعر البنادق حين يُهندس ال ...
- مقامة الشاتمين : فقه الترفع , من أخطاء دوستوفسكي الإملائية إ ...
- مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَ ...


المزيد.....




- الاستقالة.. ثقافة لا هزيمة
- بيرو.. دليل على فشل الإسبان في محو ثقافة الأندلس
- قبل عرض فيلم -شمشون ودليلة-.. مي عمر تبارك لزملائها رغم المن ...
- سوريا.. تأجيل حفل الفنان الأردني الأخرس في دمشق حدادا على ضح ...
- -صقر وكناريا-.. فيلم يكسب بالكوميديا قبل الإثارة
- مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة.. خريطة التمثيل وقائمة الم ...
- تضاعف مبيعات ملحمة -الأوديسة- لهوميروس عالميا بالتزامن مع قر ...
- فنان مصري يعلن وفاة زوجه ويتفاجئ عقب توجه للمستشفى
- في ذكرى ميلاده.. هيرمان هيسه: الروائي الذي جعل من البحث عن ا ...
- الممثل والناشط داني غلوفر يعلن إصابته بمرض الزهايمر


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ الوَطَن .