أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق النخب .















المزيد.....

مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق النخب .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 10:13
المحور: الادب والفن
    


تشكل الروائع الأدبية العالمية مرآة عابرة للزمن والـجغرافيا , تفكك الطبيعة البشرية في لحظات الأزمات الكبرى , ومن هذه الروائع قصة (( كرة الشحم )) للأديب الفرنسي غي دي موباسان , الصادرة عام 1880م , والتي تتناول نفاق المجتمع والطبقات البرجوازية والنبلاء خلال الحرب الفرنسية البروسية , , من خلال استغلالهم لبائعة هوى تُدعى (( كرة الشحم )) لتحقيق مصالحهم , والتخلي عنها لاحقاً رغم تضحيتها بنفسها من أجلهم , وتدور أحداث القصة في عربة تجرها الخيول , تقل مجموعة من الهاربين من مدينة روان (( التي احتلها الجيش البروسي )) , الركاب يمثلون مختلف فئات المجتمع (( راهبتان , زوجان من الطبقة الأرستقراطية - الكونت والكونتيسة - زوجان من كبار التجار البرجوازيين , زوجان من الصناع الأغنياء , رجل ديمقراطي ومناضل , إليزابيث روسيه , وهي بائعة هوى ممتلئة الجسم تُعرف بلقب كرة الشحم )) , في بداية الرحلة , يتكبر الركاب (( المحترمون )) على (( كرة الشحم )) ويعاملونها بازدراء , ولكن أثناء الرحلة , يشتد بهم الجوع , وتكون (( كرة الشحم )) هي الوحيدة التي أعدت نفسها وجهزت سلة طعام مليئة بالدجاج الفاخر والنبيذ , وبدافع الكرم والطيبة , تعرض عليهم مشاركة طعامها , فيقبلون العرض دون تردد وتتغير معاملتهم لها مؤقتاً ليصبحوا ودودين.

عندما تصل العربة إلى أحد النزل في مدينة (( توت )) لإكمال الطريق , يوقفهم ضابط بروسي ويرفض السماح لهم بالمرور قبل أن تقضي (( كرة الشحم )) ليلة معه , التي ترفض العرض بشدة وتستنكر هذا الابتزاز والدناءة , وتتعقد الأمور عندما يحتجز الضابط الركاب جميعهم في النزل , ويبدأ الركاب المحافظون بالضغط عليها سراً وعلانية لتلبية طلب الضابط البروسي , يستخدمون كل وسائل الإقناع , مثل تذكيرها بأنها بائعة هوى أصلاً - مما يجعل الأمر عادياً بالنسبة لهم - وإقناعها بأن تضحيتها ستنقذهم , ويؤكدون لها أن رغبتها في العرفان بالجميل تجاههم تلزمها بذلك , وتحت الضغط المستمر والألحاح , ترضخ لطلب الضابط وتنقذهم , وفي صباح اليوم التالي , يسمح لهم الضابط بمواصلة الرحلة , ليتحول الموقف داخل العربة بشكل درامي , حيث يتجاهلها الركاب تماماً ويعودون لاحتقارها والابتعاد عنها كما كانوا في البداية , غير عابئين بكرامتها التي أهدرتها من أجل إنقاذهم , وطوال ما تبقى من الطريق , تبكي (( كرة الشحم )) بصمت , متألمة من خذلانهم ونكرانهم للجميل , بينما يستمر الركاب في تناول وجباتهم والتصنع بالوقار.

عندما نريد تحليل قصة (( كرة الشحم )) لغي دي موباسان وإسقاطها على الواقع العراقي في مرحلة ما بعد غزو عام 2003 وانهيار القيم الوطنية , فسنكشف عن مقاربة سايكولوجية واجتماعية عميقة , على الرغم من اختلاف البيئة والزمن , إلا أن (( العربة )) التي جمعت التناقضات الفرنسية تحت وطأة الاحتلال البروسي , تشبه إلى حد كبير (( العراق )) الذي جمع الطوائف والطبقات تحت وطأة الاحتلال الأمريكي وما تلاه من فوضى.

تمثل العربة مجتمعاً مصغراً تنهار فيه الروابط الإنسانية أمام الخوف والمصلحة , بالموازاة مع المشهد العراقي , الذي تحول ا بعد 2003 إلى ما يشبه هذه العربة , حيث انهار السقف الوطني الجامع , وتقوقعت كل فئة (( سياسية , طائفية , أو طبقية )) داخل مصالحها الضيقة , لينظر كل طرف إلى الآخر بريبة وازراء , تماماً كما نظر ركاب العربة (( المحترمون )) إلى كرة الشحم في البداية , ويظهرالنفاق الطبقي والسياسي (( النخبة البرجوازية مقابل الطبقة السياسية )) لدى ركاب العربة (( الكونت , التجار , رجال الدين , والديمقراطي المناضل )) الذين يمثلون النخبة التي تدعي الشرف والوطنية , لكنها أول من يتخلى عنها عند المحك , والذي يتجلى في الواقع العراقي ب (( النخب السياسية )) التي صعدت بعد الغزو , ورفعت شعارات المظلومية , الديمقراطية , والدين , لكنها في الحقيقة مارست أقصى درجات الانتهازية , النفاق الذي مارسه الكونت والتاجر والراهبتان لإقناع (( كرة الشحم )) بالتضحية , يشبه نفاق بعض الساسة ورجال الدين في العراق الذين شرعنوا التنازل عن سيادة البلد وثرواته للمحتل أو للقوى الإقليمية تحت مبرر (( الواقعية السياسية )) أو (( إنقاذ ما يمكن إنقاذه )) , بينما كان هدفهم الحقيقي الحفاظ على مكاسبهم وحمايتها.

تعتبر(( كرة الشحم )) كرمز للوطن أو المواطن البسيط الأكثر وطنية (( رفضت المحتل غريزياً )) والأكثر كرماً (( أطعمتهم من سلتها )) , لكنها الحلقة الأضعف والضحية الدائمة , وفي الواقع العراقي , تمثل (( كرة الشحم )) المواطن العراقي البسيط (( الفقراء , الجنود في السواتر , الكسبة )) , هذا المواطن هو الذي قدم (( سلة طعامه )) ودماء أبنائه لحماية الوطن وتلبية (( الفتوى )) أو (( الواجب الوطني )) في الأزمات - مثل مواجهة الإرهاب أو الصبر على الحصار والحروب - ورغم أنه الأكثر تضحية والأكثر تمسكاً بكرامته ورفضاً للاحتلال في البداية , إلا أنه يتم استغلال طيبته ووطنيته من قبل الحيتان الكبيرة (( النخب )) لتمرير مصالحهم.

عندما حاصرهم الضابط البروسي , استخدم الركاب منطقاً مشوهاً لإقناع كرة الشحم (( أنتِ بائعة هوى أصلاً , والتضحية بجسدكِ الآن ستنقذنا جميعاً )) , على الضفة الأخرى من المقاربة وبعد الغزو , سادت ثقافة (( التبرير والبراغماتية النفعية )) , تم إقناع الشعب العراقي بأن القبول بـ (( المحاصصة الطائفية )) والتغاضي عن الفساد , والقبول بالتدخلات الخارجية , هي أثمان ضرورية لـ (( العملية السياسية )) ولتجنب الحرب الأهلية , تم استغلال تضحيات العراقيين وشرعنتها بطرق ملتوية , فالمواطن يُطالب دائماً بالصبر والتضحية بكرامته وخدماته وحقوقه الأساسية , بينما النخبة تجني الثمار وتعيش في جزرها المعزولة (( كالمنطقة الخضراء , التي تشبه النزل الفاخر في القصة )) .

في نهاية القصة , بعد أن قضى الركاب حاجتهم , عادوا ليزدروا (( كرة الشحم )) , وتركوها تبكي جوعاً وقهرًا , بينما هم يأكلون ويتصنعون الوقار , تماما كما في واقع (( عراق ما بعد الأزمات الكبير )) , بعد انتهاء الحروب أو المعارك ضد الإرهاب , يتم تهميش عوائل الشهداء , والجرحى , والفقراء الذين لولاهم لَسقطت (( العربة )) بالكامل , فالنخب السياسية والبرجوازية الطفيلية التي نمت بعد 2003 تعود فوراً إلى ممارسة (( الوقار المصطنع )) والحديث عن القانون والدولة , بينما تترك المواطن الذي استُنزفت كرامته وحياته يعاني من التهميش , والفقر , والخذلان (البكاء الصامت).
قصة (( كرة الشحم )) هي مرآة سايكولوجية لـ (( سقوط القيم الوطنية )) , فهي توضح كيف يتحول الوطن في نظر الانتهازيين إلى مجرد ((عربة )) للنجاة بالنفس , وكيف تتحول القيم العليا (( الشرف , الوطنية , التضامن )) إلى أدوات للاستهلاك الإعلامي والابتزاز النفسي , في عراق ما بعد الغزو , دُفعت (( كرة الشحم العراقية )) - الشعب والوطن - لتقديم تنازلات قاسية تحت ضغط النخب والمحتل , لتجد نفسها في النهاية معزولة , تبكي مجدها الضائع , بينما يتبادل الانتهازيون أدوار الوقار المزيف.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .
- مقامة العسل الأسود : تأملات في عسل النقد .
- مَقَامَةُ خَانَةِ الشَّوَاذِي في حَالِ العِرَاقِ المُنَادِي ...


المزيد.....




- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق النخب .