أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِّيَّةِ عَلَى نِصَالِ المَحَاصَصَة.














المزيد.....

مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِّيَّةِ عَلَى نِصَالِ المَحَاصَصَة.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 03:14
المحور: الادب والفن
    


في مرحلة ختامية من العمر , حيث يهدأ صخب الدنيا وتتضح الرؤى , دخلتُ في حوار شجيّ وعميق مع رفيق الدرب والعمر , الأستاذ عبد الحسين صنكور (( أبا المصعب )) , كنا نُقلّب أوراق واقعنا العراقي المأزوم , فاستحضر بذكائه الجنوبي المعهود مثلاً شعبياً بليغاً يختزل كفاح الوعود وعقم الحصاد , قائلاً: (( أصبحنا يا أبا مصطفى مثل سويف خِلِيف )) , و(( السويف )) تصغير سيف , مثلما (( خليف )) تصغير خلف , وتلك الحكاية المأثورة عن الرجل البسيط الذي ظلّ يُعلّق سيف والده في الصريفة , يُلمّعه ويدهنه بـ (( ليّة الغنم )) ليتفاخر ببريق مظهرِهِ , هرباً من مواجهة الأزمات بحجة أنه (( ضامّه للچبيرة )) و(( مذخور للكلفة )) , حتى إذا ما دهمته النائبة عند عتبة داره وهبّ الناس يرجون نجدته , استلّ سيفه فإذا به قطعة حديدٍ مزنجرة , مثلمة , لا تطبر ولا تكتل , ووجه الغرابة والوجع في واقعنا اليوم , أن هذا المثل لم يعد مجرد حكاية تُروى للتندر , بل تحوّل إلى تشريح بنيوي لـ (( جمهورية الوعود )) وتحديداً تلك الحملات الموهومة والموسمية لمكافحة الفساد , حيث يتناسل في فضائنا السياسي ألف (( خِلِيف وخِلِيف )) يحملون (( سويفات )) رنانة تتلألأ تحت أضواء الكاميرات , لكنها تفتقر إلى النصال القاطعة .

يُستخدم المثل سياسياً واجتماعياً لانتقاد الوعود الكبيرة والأسماء الرنانة أو المظاهر الخادعة التي تفتقر إلى الفعل الحقيقي , ويُقال أيضاً في الأشخاص الذين يتفاخرون بقدراتهم أو يمتلكون شهادات ومناصب عالية (( مظاهر)) , لكنهم يعجزون عن حل أبسط المشاكل عند الاختبار العملي , ويُستخدم أحياناً كنوع من التواضع أو الوصف الساخر للنفس (( مثل أن يرد عليك شخص كبير في السن عند تحيته ليقول : سويف خلف )) بمعنى أن مظهره الخارجي لا يزال يوحي بالقوة , لكن صحته وعافيته لم تعد تقوى على العمل , واليوم اغلب المسؤولين عندنا مثل سويف خلف يقولون سوف احارب الفساد , سوف أضرب بيد من الحديد , ولكن في الواقع سويف خلف , والحوار مع صنكور , يُمسك بجمر الواقع العراقي بكفٍّ من الحكمة الساخرة والمؤلمة في آن واحد , مثلُ (( سويف خلف )) الذي استدعتْه الذاكرة الجنوبية المعطاءة , ليس مجرد حكاية شعبية عابرة , بل هو (( تشريح فلسفي )) بليغ لطبيعة السلطة وإدارة الأزمات في عراقنا اليوم , وتحديداً ما يُسمى بـ (( حملات مكافحة الفساد )) ,

أذا نُسقط هذه الحكاية البليغة على واقع (( حملات مكافحة الفساد )) الموهومة , سنرى كيف تحول الفضاء السياسي العراقي إلى مظلة مليئة بـ (( الخلايف )) وسويفاتهم المزنجرة , وفي المثل , كان خلف يهرب من كل مواجهة بحجة أنه (( ضام السيف للچبيرة )) , وفي واقعنا السياسي , كلما تكشفت ملفات فساد تزكم الأنوف , ونهب علني للمال العام في ما يُشبه (( جمهورية الغنيمة )) , تخرج علينا البيانات الرسمية الرنانة لتعد الشعب بـ (( الحملة الكبرى )) و(( الضرب بيد من حديد )) , يقولون : (( ننتظر استكمال التحقيقات )) أو (( هذه المرحلة تتطلب التهدئة وسنحاسب الرؤوس الكبيرة لاحقاً )) , والنتيجة ؟ تمضي السنون , وتمر الحوادث (( والچبيرة )) تلو (( الچبيرة )) تضرب بنيان الدولة , والوعود مؤجلة في صريفة الشعارات الإعلانية.

حين خرج (( السلابة )) على ابنة خلف وسلبوا الحلال , ظل خلف مستمسكاً بعبارته الخائفة (( ضامه للكلفة )) , والسلابة في واقعنا اليوم هم حيتان الفساد الذين يقطعون طريق التنمية على هذا الشعب الصابر , ينهبون الموازنات الاستثمارية , ويُعطلون الإعمار , والمسؤول (( خلف )) يرى ويسمع , لكنه لا يجرد سيف القانون , لأن (( السلّاب )) محميّ بـ المحاصصة أو مدعوم من جهة متنفذة , فيتحول سيف مكافحة الفساد هنا إلى أداة تُشهر فقط على (( الفاسد الصغير )) أو الموظف البسيط (( على گد حاله )) , بينما السيف الحقيقي (( مُعلّق )) هيبةً بلا فاعلية أمام الرؤوس الكبيرة.

أخيراً , عندما وصلت الطلّابة والعركة إلى باب خلف , وركض الناس بآمالهم العريضة نحو سيفه , وجدوه (( مزنجراً ومثلماً لا يطبر ولا يكتل )) , هذا هو الاختبار العملي الذي سقطت فيه كل الشعارات , حين تضطر السلطة تحت ضغط الشارع أو الأزمات الاقتصادية الخانقة إلى إثبات جدية (( حملاتها )) , تُفاجأ الجماهير بأن المؤسسات الرقابية والآليات القانونية قد أُفرغت من محتواها , وباتت مثل سيف خلف , صُدئت بفعل التدخلات السياسية , وتثلمت نِصالها بالمساومات والصفقات السرية , فيكتشف الشعب أن تلك الهيئات واللجان التي صُرفت عليها الملايين ليست سوى (( كشخة ومظهر )) لا تقوى على حسم ملف واحد يمس جوهر الفساد البنيوي.

رباط سالفة الحوار , إن (( الحملة الموهومة لمكافحة الفساد )) في عراقنا اليوم هي تجسيد حي لـ (( سويف خلف , يلمع بس ما يطبر )) محض بريق إعلامي ومؤتمرات صحفية تتلألأ تحت أضواء الكاميرات , تماماً كـ (( دهن السيف بلية الغنم )) لإخفاء زنجاره , لكنه عند محك الفعل الحقيقي لإنقاذ ما تبقى من خيرات هذا الشعب يقف عاجزاً ومثلوماً أمام حيتان الفساد وسلّابة المحاصصة , واليوم , إذا كان كبار السن يتداولون هذا المثل تواضعاً وسخرية من جسدٍ نال منه خريف العمر , فإن شتان بين عجز الجسد الطبيعي الذي يفرضه الزمن على قامات وطنية أخلصت للوطن ومنحته عمرها وصارت محل اعتزاز للنفس , وبين العجز الأخلاقي والسياسي لـ (( خلايف )) هذا الزمان الذين يملكون أرفع المناصب والموازنات , ويُشهرون في وجوهنا خطابات طنانة لا تغير من واقع الحال شيئاً , لقد أدركنا في مرحلتنا العمرية هذه أنه لم يتبقَ لنا سوى إشاعة هذا الوعي الساخر عبر مقالاتنا ومقاماتنا , وهو السيف الفكري الحقيقي المتبقي لتعريتهم , ولو أن المنظومة باتت لا تتأثر حتى بالملامة , فلقد كنا وسنبقى سيفاً فكرياً لا يزال يطبر بوعيه وقلمه , بينما هم (( سويفات )) رنانة فارغة من كل خير .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...
- مقامة نجاح ابراهيم (( كرايبنه )) .
- مقامة لماذا أكلا الروث : عبثية القوة ومرارة الرهان .


المزيد.....




- بميزانية 250 مليون دولار.. ملحمة -الأوديسة- تستعد لاجتياح ال ...
- نقابة الفنانيين الأردنيين: قرار شطب صبا مبارك نهائي
- من السينما إلى الريشة.. جوني ديب يجدد الجدل حول قيمة -فن الن ...
- مشاهير من هوليوود يهاجمون إدارة ترامب في فيديو بمناسبة عيد ا ...
- قرار بإخلاء البيت العربي بمدريد.. باهرة عبد اللطيف: يأخذون ا ...
- -تساؤلات- مفتوحة على قيم جمالية متنوعة في -الآرت هاوس- بدمشق ...
- تصدّع في الرواية الإسرائيلية.. الاستخبارات رفضت جزم نتنياهو ...
- اختتام مشروع -القطار المسرحي- في موسكو بعد جولة ثقافية شملت ...
- شاهد.. آلة بيع تعرض أعمال فنانين جدد مقابل دولار واحد فقط
- نجاح مؤتمراليوم الواحد الثقافى فى البحيرة بشهادة المشاركين م ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِّيَّةِ عَلَى نِصَالِ المَحَاصَصَة.