أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قصيدة هاجر الرقيق .















المزيد.....

مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قصيدة هاجر الرقيق .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 09:49
المحور: الادب والفن
    


نص الشاعرة التونسية هاجر الرقيق ليس مجرد قصيدة , بل هو صرخة وجودية واجتماعية جارحة , ومكاشفة ثقيلة وصادمة في عمق ما تُعانيه المرأة في المجتمعات العربية عند بلوغ سن الثلاثين دون زواج , نص شرس وجميل ينتمي لـ (( قصيدة النثر )) الحديثة التي تعتمد على الصورة الصادمة واليومي والمبتذل (( بالمفهوم الاجتماعي )) لتعرية المسكوت عنه , ويتحرك في ثنائية مركزية (( طهارة السمعة )) مقابل (( قذارة الحزن )) , وتدور القصيدة بأكملها في فلك الصراع بين المظهر الاجتماعي الخارجي الصارم (( السمعة النظيفة )) وبين الحقيقة النفسية والجسدية الداخلية (( الحزن المتسخ )).

تستخدم الشاعرة مفردات (( الغسيل )) , (( الوضوء )) , (( المناديل البيضاء )) , (( سطل الأخلاق )) لترمز إلى الهوس الاجتماعي بالحفاظ على مظهر المرأة طاهرًا ونقيًا وفق المعايير البطريركية (( الأبوية )) , وبما يسمى عُقدة النظافة , في المقابل , يتجسد حزن الشاعرة كطفل يعود متسخا ممرغًا بالوحل , هو حزن (( لا أخلاق له )) و(( لا دين له )) , ليس لأنه شرير , بل لأنه يرفض الامتثال لقواعد التهذيب الاجتماعي , إنه حزن (( بدائي )) وعفوي لا يمكن غسله بـ ((غسالة الأم متطورة الدورات )) ولا بـ (( صلوات الأب )) .

تبدأ الشاعرة من النقطة الأكثر حساسية ومحرمة اجتماعيًا , جسد المرأة ورزنامة الرحم الفانية , (( النهود )) التي تتيبس , بمقاربة حزينة بين الجسد الأنثوي كشجرة مثمرة , لكنها ثمار لا يقطفها زواج ولا تحولها الأمومة إلى (( مربّى )) , التيبس هنا هو رمز للموت البيولوجي والوجداني البطيء , وروزنامة الرحم هي الصورة المفجعة لـ (( الحب )) الذي يركض متلكئًا ويركل الأرقام المتفتتة من روزنامة الرحم (( سن اليأس أو تراجع فرص الإنجاب )) التي تعكس رعب المرأة من قطار العمر الذي يفوتها وهي تحمل فوق ظهرها (( أطنانًا من الأخلاق )) .

وفي محاكمة السلطة الأبوية (( الأم والأب )) ,لا تقدم الشاعرة والديها كأعداء أشرار , بل كضحايا ومنفذين مخلصين للمنظومة الاجتماعية , فالأم , تُمثّل حارسة السمعة وأدوات النظافة الفاشلة - الغسالة , الدعوات بأن يكون المكتوب أخضر- لأن الأم تخاف من (( اتساخ )) السمعة لدرجة أنها تطرد الحب لأنه جاء ويداه ملطختان بتراب الحياة الحقيقية , والأب , يمثل السلطة الدينية والوعظية - خطب المشايخ , التوبة , الوضوء , المنديل الأبيض - الأب يحاول تهذيب حتى (( أفراحها )) لأنها تجلس بشكل غير حشيم , ترفض الشاعرة هذا الدين الشكلي وترى أن في حزنها (( من الله أكثر مما في خطب المشايخ )) .

تتميز لغة هاجر الرقيق باستخدام السخرية المريرة لكسر حدة الفجيعة , ففي تسمية حمالة الصدر بـ (( حمالة مجتمع )) عبقرية لغوية , لأن المجتمع هو من يجلس فوق صدر المرأة , يراقبه , يثقله , ويحدد حجمه وشكله ومصيره , وإقحام تفاصيل حديثة تخرج القصيدة من المجاز النمطي إلى الواقعية المعاصرة جداً مما يجعل الألم ملموساً وقريباً في مفارقة وسخرية سوداء , ولكسر التابو ونفي (( الإباحية )) , تستبق الشاعرة حكم القارئ التقليدي الذي قد يرى في ذكر (( النهود )) و(( الصدر )) عملاً إباحياً , فتصرخ مبكراً (( هذه ليست قصيدة إباحية , لكن لن يصدقني أحد )) , والنص هنا يعيد تعريف (( الوساخة )) فهي ليست في الجسد ولا في الجنس , بل في المنظومة التي تطحن مشاعر النساء وتتركهن وحيدات يأكلهن الحزن , فقط لتبقى (( سمعة العائلة نظيفة )) .

القصيدة شديدة الصدق , شجاعة , وتنزف واقعية , قوتها تكمن في أنها تنطق بلسان آلاف النساء اللواتي يعشن العنوسة الصامتة في مجتمعات ترى المرأة كصلاحية مؤقتة مرتبطة بالإنجاب والزواج , وقد نجحت الشاعرة بتفوق في تحويل (( الحزن الفردي )) إلى (( قضية جماعية )) - نيابةً عنكنّ , نيابةً عنّي أيضاً - وخاتمة القصيدة بمثابة تمرد نهائي , فبعد سنوات من إخفاء الحزن عن الأم والأب , ها هي تطلق أحزانها في القصيدة بـ (( ياقاتها المنفرجة ونهودها البارزة )) وتتحدى العالم ألّا يغض البصر , في دعوة صارخة للاعتراف بوجود هؤلاء النساء وبألمهنّ دون تجميل أو مواربة , الا انه رغم قسوة النص وسوداويته الجارحة , فهو يحمل في عمقه بذور تمرد وقوة يمكن تحويلها إلى نافذة أمل حقيقية لكل امرأة تقرأه وتمر بهذه التجربة , فالألم في القصيدة ليس نهاية المطاف , بل هو نقطة التحول والإنعتاق نحو اخضرار الذات والتحرر من عبودية الأحكام الاجتماعية الجاهزة.

صباح الزهيري .


أفكّر في كلّ تلك النُّهود التي تتدلّى من شجرةِ الثّلاثين،
ولا زواجَ يقطفُها،
ولا أُمومةَ تصنع منها مُربّى.
أريد في هذه اللّحظة أن أصرخَ في وجه العالم:
"هذه ليست قصيدةً إباحيّة"،
لكن لن يُصدّقني أحد.
البارحة بكيت (بكيتُ فعلاً وليس مجازًا)
على كلِّ تلك النُّهود التي بدأت تتيبّس
لأنّ "المكتوب" لم يكن أخضر
كما دعتْ أمّي في صلاتها كلَّ يوم.
هل من صلاة ٱستسقاءٍ للعوانسِ يا ترى
حتّى ينبتَ الفول والحمص من أقدارهنّ؟
آه لو كانت لهذه القصيدةِ أصابعٌ وذراعان،
لعانقتْ جميعَ نساءِ العالم
الوحيدات
العزباوات
اللّواتي لا يتحدّثنَ عن بُقعةِ الطّعام
التي تسبّبَ بها الحزن
بعد أن أكلَ قلوبهنّ.
وهذا كلّه لكي تبقى سُمعة العائلة نظيفة.
نيابةً عنكنّ،
نيابةً عنّي أيضًا،
هذه القصيدةُ تتحدّث
ويقعُ لسانها في بركةٍ من الوحل كلّما تحدّثتْ.
ثمّ يمرّ بها رجلٌ لم يأخذ دقيقةً من وقته
ليساعدَ كلماتها على النُّهوض،
و ينعتها: "وسخه!"
هذه القصيدة لَكُنّ،
لأنّه ليس من وظائفي المنزليّة
أن أفركَ سمعة العائلة
كلّما لمسها حزني بعد اللّعبِ بالطّين.
حزني طفلٌ صغير،
أرفضُ أن أجري خلفه
لكي أُحَمِّمَهُ في سطلٍ من الأخلاق.
حزني ليس نظيفًا كسمعةِ عائلتنا،
كوجهِ أبي بعد الوُضوء،
ككفِّ أمّي التي لم تفتحها لمُنْكَر.
حزني ٱبنٌ يعود لي مّمرّغًا في الوحل،
ثمّ حين أعاتبه،
يقول عنه "شوكولاته"!
أنا حزينة،
وماكينة غسيل أمّي آخر صيحة
بدوراتها الرّباعيّة والخماسيّة و"منعرفش شنو"،
لا يمكنها أن تفعلَ شيئًا حيال ذلك.
أنا حزينة،
ودعواتُ أبي مناديل بيضاء
أستحي أن أعيدها لهُ لزجةً بمُخاطِ قلبي.
أنا حزينة،
لكنّني ككلِّ نساءِ العالم
الوحيدات،
العزباوات،
اللّواتي غيّرنَ ٱسم حمّالة الصّدر إلى حمّالة "مجتمع"،
ماهرةٌ في ٱدّعاءِ عكس ذلك،
أمشي حاملةً فوق ظهري أطنانًا من الأخلاق،
ثمّ يلومني العالم لأنّني أصلُ للحُبِّ متأخّرة!
لا أعرف الحُبّ ولم أعرفه.
صادفتهُ في الشّارعِ بعض المرّات.
كان يتلكّأُ في المشي نحوي،
راكلاً بحذائهِ الأرقامَ التي تفتّتتْ
من روزنامةِ رحمي،
فجذبتهُ من معصمه
وقدتّه مُتعجّلةً لنهايةِ القصّة!
أريد أن أفسّر لأمّي أن الحزن لا أخلاقَ له،
ليس لأنّه "قليل تربية" كما تعتقد،
بل لأنّهُ في الوقتِ الذي كان فيه العالم يؤدّبُ أجسادَ النّساء،
لم ينتبهْ أنّ الحزن قد تسلّلَ خارج القسم!
أريد أن أفسّر لأبي أنّ الحزن لا دينَ له،
ليس مُسلمًا ولا مسيحيًّا
ولا يتربّعُ عاريًا كالبوذا فوق زهرةِ اللُّوتس،
و أنّهُ هنالك في حزني من الله
أكثر ممّا في خُطَبِ المشايخة
التي يفرض علينا أبي مشاهدتها على التّلفاز
كلَّ يوم جمعة.
الحُبّ أيضًا خارجٌ عن ملّةِ عائلتنا.
كلّما أراد أن يلعب قرب سمعة العائلة،
دفعتهُ أمّي بعنف وأمرتهُ أن يفتحَ كفّيه
لترى إن كانتا مُلطّختين بالتّرابِ أم لا.
أمّا أبي فكلّما لمح الحُبّ يُصفّر على الطّريق
ويُدندن أغاني Taylor Swift،
استوقفه ليُدرّسَ عليهِ خمس طرق للتّوبة
والفوز بالآخرة.
حتّى أفراحي تحتاجُ إلى التّهذيب بالنّسبة لأبي،
ترتدي تنانيرًا أقصرَ من أن تصلَ لقلبي
و تجلسُ فاتحةً أرجُلَها
دون أن تنتبهَ للحزن وهو يسترقُ النّظر.
الآن وأنا في الثّلاثين من عمري،
أخفي حزني عن أمّي حتى لا تقولَ عنه وسخ.
أخفي حزني عن أبي حتّى لا يقولَ عنه عديم حياء.
ثمّ أكتبُ هذه القصيدة
حتّى تتمشَّى أحزاني فوقها بياقاتها المُنفرجة
ونُهودها البارزة،
وأتوسّلُ العالم ألاّ يغضَّ البصر!
— هاجر الرّقيق






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.
- مقامة جمهورية السلالم المسروقة : العراق , حين يغدو السلمُ فخ ...


المزيد.....




- من المواجهة إلى الحب.. فيلم -شمشون ودليلة- يصل إلى صالات الس ...
- بعد تسعة أشهر من توقيفه... القضاء اللبناني يوافق على الإفراج ...
- بعد توقف لعامين.. مهرجان رام الله للفنون المعاصرة يعود بحلة ...
- لبنان.. إخلاء سبيل الفنان فضل شاكر بكفالة مالية واستئناف -مل ...
- لبنان.. المحكمة العسكرية توافق على إخلاء سبيل الفنان فضل شاك ...
- روسيا توسّع مزايا -بطاقة بوشكين- لتشمل عروض السيرك وترفع قيم ...
- مشاهدة أكثر من 200 حلقة مقابل -صفر- نتائج.. نواب بريطانيون ي ...
- بطرس وفيفرونيا.. قصة الحب التي أصبحت عيد العائلة والوفاء في ...
- وفاة العازف التاريخي لأم كلثوم
- موقع التصوير هذا يقف وراء الكثير من أفلام الغرب الأمريكي.. ه ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قصيدة هاجر الرقيق .