أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .














المزيد.....

مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 12:52
المحور: الادب والفن
    


تقول لينا الأتاسي : (( من يشرحُ لي كيف أكتبُ رمشاً ؟ كيف ؟ كيف أمرر يدي على ضحكةِ امرأة تعيش في قفص صدري؟ من يشرح لي , كيف أرسم زورقاً لعاشقين يخططان للغرق في قبلة ؟ أكتب رسائلي في جيوب حيارى الموج وعلى أكتاف الليل أنشر الشائعات عن الحب والسلام , بكل هذا السحر أمضي , وعلى غيمة تحمل حقيبة سفر , أنقشُ رَسمكِ , ويحي , يا أنا , لم أعلم أن الغيم ساعي بريد وأن حضوركِ مطر , من يشرح لي كيف أكتب رمشاً ؟ من يشرح لي ماذا يقول المطر ؟ هكذا الشعراء يخرّبون المنطق دون عشق يُذكر )) , نص يتدفق برومانسية حالمة , وينتمي إلى قصيدة النثر الحديثة التي تتكئ على (( الصورة السريالية )) والمجاز المكثف , وينطوي على تساؤل مستمر عن عجز اللغة وأزمة التعبير, ومحاولة أنسنة الطبيعة عن طريق الهروب إلى عوالم بديلة .

تبدأ الشاعرة بأسئلة تبدو طفولية في ظاهرها , لكنها وجودية في عمقها ,تبدأ بنمط تكراري تساؤلي: (( من يشرح لي كيف أكتبُ رمشاً؟ )) , وهو ليس سؤالاً يبحث عن إجابة معرفية , بل هو إعلان عن العجز الإيجابي , العجز الذي يقف أمامه الشاعر مذهولاً أمام تفاصيل الحب والجمال , إنها تحاول كتابة المادي (( الرمش )) ولمس المجرد (( الضحكة )) , مما يخلق خلطاً حسياً ذكياً يسمى في النقد الأدبي بـ (( تراسل الحواس )) , الرمش خطٌّ صغير , لكنه يحمي العين التي ترى العالم , و هنا تقع في مأزق (( محدودية اللغة )) أمام (( لانهائية الشعور )) , إنها تريد أن تحوّل الجسد (( الرمش )) والذات (( الضحكة )) إلى حبر , وهو أمر مستحيل , هذا السؤال الاستنكاري هو اعتراف بأن أجمل الشعر هو الذي عجزنا عن كتابته بعد , وأن الكلمات ما هي إلا محاولات فاشلة للقبض على سحر اللحظة.

تقول (( امرأة تعيش في قفص صدري )) هنا تتجلى المرآة المكسورة للذات , هل المرأة التي في قفصها الصدري هي المحبوبة؟ أم هي ذات الشاعرة ونفسها التي تحاول التحرر؟ ان استخدام كلمة (( قفص صدري )) يحمل دلالتين , تشريحية بيولوجية حيث القلب ينبض , ورمزيّة , حيث السجن والأسر , إذن , الحب هنا ليس حالة رفاهية , بل هو حصار داخلي عذب , وحين تحاول (( تمرير يدها على الضحكة )) فهي تحاول مواساة نفسها والقبض على الفرح المخبوء داخل أسرها الذاتي.

لو تأملنا المشهد السريالي في (( أن أرسم زورقاً لعاشقين يخططان للغرق في قبلة )) لوجدنا انها تجيدهندسة الانتحار العاطفي , ففي الوعي الإنساني , الزورق صُنع للنجاة , والغرق هو الموت , لكن الشاعرة تقلب الهرم القيمي تماماً , النجاة تصبح هي الموت (( لأن البقاء على قيد المنطق جفاف )) , والغرق يصبح هو الحياة والخلود (( لأنه ذوبان في الآخر )) , هذا (( التخطيط للغرق )) هو ذروة الاستسلام العاطفي , فالعاشقان لا ينزلقان للحب مصادفة , بل هما يخططان بوعيٍ كامل لـ (( الانتحار اللذيذ )) داخل القبلة , والزورق ليس إلا وسيلة لإيصالهما إلى نقطة اللاعودة.

تنتقل الشاعرة من التساؤل الداخلي إلى ممارسة طقوس شعريّة خارج حدود الواقع , (( جيوب حيارى الموج )) , جعلت للموج جيوباً تخبئ فيها الرسائل , وهي صورة تدل على القلق وعدم الاستقرار , (( أكتاف الليل )) والليل هنا ليس زمناً بل كائن يحمل شائعات (( الحب والسلام )) , (( الغيمة المسافرة )), تحول الغيم إلى ساعي بريد يحمل المطر , والمطر هنا هو (( حضور الحبيب )) , لنأتي الى المفارقة والدهشة في الخاتمة حين تختم الشاعرة نصها بعبارة شديدة الذكاء (( هكذا الشعراء يخرّبون المنطق دون عشق يُذكر)) هذه الالتفاتة تعيدنا إلى أرض الواقع بلمسة من السخرية العذبة , فالشعر في نظرها هو عملية (( تخريب متعمد للمنطق )) والعقل , والمفارقة أنها تقول (( دون عشق يُذكر )) لتؤكد أن الشاعر يعيش حالة عشق كوني وفلسفي للكلمة والصورة , أكبر من مجرد علاقة عابرة.

حين تدرك الشاعرة أنها تمادت في هدم قوانين الطبيعة () أنسنة الموج , رسائل الغيم , تجسيد الضحكة )) , تختم بنقد ذاتي ساخر وعبقري: (( هكذا الشعراء يخرّبون المنطق دون عشق يُذكر )) , هنا ينكشف القناع , الشاعر ليس بحاجة لشخص محدد ليعشقه حتى يكتب , فالشعر عند لينا الأتاسي هو (( حالة وجودية )) , الشاعر يعشق (( العشق نفسه )) ويعشق (( الخراب الجميل )) الذي يحدثه في العقل , إنها تقول لنا : المنطق سجن , والعقل قيد , والشعر هو المِطرقة التي تخرّب هذا السجن لتبني مكانه مملكة من الغيم والمطر والقبلات الغارقة , باختصار النص هو عملية (( تأليه للمجاز)) حيث تتنازل الشاعرة عن عقلها طواعية , وتدعو القارئ لخلع حذائه المنطقي قبل الدخول إلى محراب كلماتها , لأنك إن حاولت فهمها بعقلك ستضيع , وإن استمعت إليها بقلبك , ستغرق مع العاشقين في تلك القبلة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطه ...
- مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث ال ...
- مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قص ...
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...


المزيد.....




- متحف الإرميتاج يعتمد نظاما مرنا لأسعار التذاكر حسب وقت الزيا ...
- فيكتور بوريسوف-موساتوف يعود إلى تريتياكوف بمعرض يكشف عالمه ا ...
- من -مزادات البلاشفة- إلى -سوذبيز-.. رحلة كنوز القيصرات الروس ...
- من مسرح القياصرة إلى حدائق بيترغوف.. يوم مسرحي في رحاب ألكسن ...
- عُمان: استمرار المفاوضات الفنية والسياسية مع إيران بشأن مضيق ...
- وفاة فنان كردي في ظروف غامضة بمركز للشرطة في اليابان
- عمان وإيران تواصلان مباحثاتهما الفنية والسياسية بشأن الملاحة ...
- بين فيس مرشح كوميدي لمقعد في البرلمان البريطاني، هل يخلق الم ...
- وكالة أنباء عمان: عمان وإيران اتفقتا على مواصلة المباحثات ال ...
- -رولينغ ستونز- تطلق ألبومها الـ25 بمشاركة بول مكارتني ونجوم ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .