أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطها؟














المزيد.....

مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطها؟


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 10:29
المحور: الادب والفن
    


في جلسة صالون الدكتور تحسين أفندي الأسبوعية والتي غالبا ماتزخر بطروحات تلامس تخوم المستقبل , فاجأنا الدكتور فياض شريف بطرحٍ علميٍ مثير , إذ نقل إلينا ملمحاً من ملامح المستقبل , وأعلن عن نجاح فريق بحثي بقيادة عالمة الأحياء الاصطناعية بجامعة مينيسوتا , كيت أدامالا , في بناء خلية اصطناعية من الصفر , عبر تجميع مكونات كيميائية غير حية , هذه الخلية , التي لا تنتمي لعالم النبات ولا الحيوان بل تشبه بكتيريا بسيطة , تملك القدرة على التغذية , النمو , والتكاثر كأي خلية طبيعية , ورغم أن هذا الابتكار ما يزال نموذجاً أولياً هشاً ومحدوداً , إلا أن هذا التقدم في علم الأحياء التخليقي يبشر بعصر جديد من (( الكائنات المصنعة حسب الطلب )) و(( الآلات الحية )) , مما يساهم في حل أعقد المشكلات الحيوية ويفك شفرة نشأة الحياة الأولى ,وهو ما يفتح آفاقاً برمجية لمعالجة كبرى المعضلات البيولوجية وفهم أعمق لأصل الحياة.

شرح الدكتور فياض ان الخلايا هي اللبنات الأساسية للحياة , لكنها أبعد ما تكون عن البساطة , ويحتوي جسم الإنسان على 37 تريليون خلية , أي أكثر من عدد النجوم في السماء , ولا يزال العلماء لا يعرفون كيف تعمل كل أنواع الخلايا المختلفة أو ما تحتويه بالضبط , وتتكون الخلية الاصطناعية من منظومة جينات وجزيئات محدودة (( بين 150 إلى 200 نوع )) , وتتغذى وتنمو وتتكاثر لمدة خمسة أجيال تقريباً , وهي أقل تعقيداً بكثير من الخلية البيولوجية التي تحتوي على الملايين , إن لم يكن المليارات من الجزيئات , وقالت أدامالا: (( أعرف قائمة المكونات الكاملة للخلية , وأعرف بالضبط ما المواد الكيميائية , وما الجزيئات , وبأي تركيزات )) وأضافت : (( إنها محددة بالكامل , مما يعني أنه يمكننا هندستها )) .

وقد وصف توم إليس , أستاذ هندسة الجينوم الاصطناعي في (( إمبريال كوليدج لندن )) الخلية بأنها (( ربما أكبر اختراق في الآونة الأخيرة في مجال الخلايا الاصطناعية )) , وقال إن (( صنع خلية اصطناعية يساعدنا على فهم الحد الأدنى الدقيق من متطلبات الحياة , وكيف يمكن أن تكون الحياة قد نشأت من الكيمياء , إنه أمر رائع أن نحاول فهمه )) , وقال يوفال إيلاني , الأستاذ المشارك في تقنيات الكيمياء الحيوية الذي لم يشارك في العمل , إن الخلية الاصطناعية التي بنتها أدامالا وزملاؤها لم تكن (( حياة تم إنشاؤها في المختبر )) ولكنها (( معلم حقيقي على الطريق نحو هذا السؤال )) , وأضاف (( بناء خلية من الصفر يعني أنك لم تعد مرتبطاً بالقيود التطورية للبيولوجيا الطبيعية , إن ذلك يفتح إمكانية تصميم أنظمة وبرمجتها للقيام بأشياء قد لا تفعلها الخلايا الحية بسهولة , أو قد لا تفعلها على الإطلاق )) , واستطرد (( في رأيي , يعد هذا تقدماً حقيقياً في الجهود طويلة الأمد للتساؤل عما إذا كان من الممكن تنظيم الكيمياء بشكل مقنع لدرجة أن نبدأ في تسميتها حياة )) .

عندما ننظر إلى هذا التطور بعين (( فلسفة التاريخ )) وندخل معه في مقاربة سوسيولوجية مستلهمة من روح أطروحات علي الوردي , نجد أنفسنا أمام مفارقة تراجيدية , انفصام الزمن الحضاري , ففي الوقت الذي يتحرر فيه الغرب من (( القيود التطورية للبيولوجيا )) ليصنع خلايا مبرمجة , يعيش واقعنا ما بعد عام 2003 ارتداداً نحو قيود ما قبل الدولة الحديثة , الغرب يبني خلايا من الصفر , بينما تعرضت البنى العلمية والتعليمية في العراق إلى ما يشبه (( التصفير )) القسري جراء الغزو , وهجرة الأدمغة , واغتيال الكفاءات , وغياب الحواضن البحثية المستقرة.

وفي مقارنة لأزمة الأولويات الوجودية , فالعقل العلمي في مختبرات مينيسوتا وإمبريال كوليدج يناقش (( الحد الأدنى لشروط الحياة )) كيميائياً , بينما يصارع الإنسان في واقعنا المعاصر من أجل (( الحد الأدنى لشروط الحياة )) معيشياً وسياسياً وأمنياً , هذا التباين يخلق فجوة نفسية ومعرفية تجعل من الصعب على النخب العلمية المتبقية لدينا مواكبة الطفرات , ليس لقصور في الذكاء , بل لانعدام (( البيئة والمناخ التجريبي )) , وأين سنكون في سباق العلم الجاري؟

وإذا أردنا الصدق والمكاشفة ـ كما هي العادة في قراءة التاريخ دون تجميل ـ فإن موقعنا الحالي يقع في دائرة (( المستهلك المنبهر )) أو (( المتفرج القلق )) وذلك للأسباب التالية , خارج البرمجة البيولوجية , نحن الآن أبعد ما نكون عن مختبرات (( علم الأحياء الاصطناعي )) , هذا العلم يتطلب ميزانيات عملاقة , واستقراراً سياسياً ومؤسساتياً يمتد لعقود , وحرية بحثية تامة , وتشبيكاً بين علوم الحاسوب والكيمياء والبيولوجيا , وهي منظومة تعرضت لتجريف حاد بعد الغزو , وخطر التبعية الوجودية المستجدة في المستقبل القريب , عندما تتحول هذه (( الخلايا المصنعة )) إلى علاجات للأمراض المستعصية , أو أدوات لتنظيف البيئة ومكافحة التلوث , أو محاصيل زراعية مبرمجة , سنضطر إلى استيرادها كـ (( تكنولوجيا مغلقة )) , وهذا يعني شكلًا جديدًا من التبعية , لا نملك فيه حق تعديل الشفرة أو فهمها , بل نكتفي بدفع الثمن.

مع ذلك , وكبارقة أمل رغم القتامة , فإن التاريخ يعلمنا أن دوام الحال من المحال , ولكي لا نبقى متفرجين , أين يمكن أن تبدأ خطوتنا ؟ اولا لابد من رعاية العقول وتوطين المعرفة الأساسية , فلا يمكننا بناء خلية اصطناعية غداً , لكن يمكننا إصلاح النظام التعليمي والجامعي ليكون قادراً على (( فهم الشفرة )) على الأقل , وتهيئة أجيال من الباحثين الشباب في مجالات الجينوم والمعلوماتية الحيوية , وثانيا الاستثمار في النخب المهاجرة , حيث يمتلك العراق والعالم العربي عقولاً فذة في الخارج تشارك بالفعل في هذه الثورات العلمية , وبناء جسور تواصل معرفي (( ولو عن بُعد )) مع هذه الطاقات , وهو خيطنا الرفيع للبقاء في كوكبة العصر.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث ال ...
- مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قص ...
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .


المزيد.....




- زعيم صرب البوسنة يدعو لإلغاء منصب الممثل السامي للبوسنة واله ...
- من ذهب القيصر إلى الياقوت السوفيتي.. قصة نجوم الكرملين الخال ...
- أصوات الزمن السوفيتي تعود إلى الواجهة.. مسلم ماغوماييف في صد ...
- من قاطرات بخارية إلى نغمات معاصرة.. -تون- يعيد إحياء مستودع ...
- قراءة في رواية ورد الشام للكاتب سعيد نفّاع
- بعدما كتبت له سطور في الحرية.. دعوة سورية مفتوحة للفنان فضل ...
- يعرض قريبا.. -خلي بالك من نفسك- أول فيلم يجمع بين ياسمين عبد ...
- كيف حوّل فنان ستيني رصيف مترو بالقاهرة إلى معرض مفتوح للرسم ...
- -بروفة يوم الحساب-.. مسرحية سورية حول العدالة الانتقالية رفع ...
- -إعلان بيروت العالمي-.. صرخة لإنقاذ ذاكرة جنوب لبنان من المح ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطها؟