أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث العربي .














المزيد.....

مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث العربي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 12:11
المحور: الادب والفن
    


على صفحة لينا هويان الحسن قرأت للشاعرة الإستونية بيتي ألفير: (( الحرية ليست طائراً يطير في السماء الواسعة , الحرية هي أن تملك السماء كلها , داخل قفص صدرك الصغير )) , مقولة أخاذة تعد واحدة من أعمق اللمحات الفلسفية والشعرية في مفهوم الحرية , وتحديداً ما يُعرف بـ (( الحرية الداخلية )) , حيث تبني الشاعرة مقولتها على مفارقة بصرية وشعورية مدهشة , مقسمة الحرية إلى مفهومين متضادين , الصورة الأولى (( الحرية الظاهرية/ المادية )) , عندما تقول (( الحرية ليست طائراً يطير في السماء الواسعة )) , هنا تنفي الشاعرة المفهوم التقليدي والسطحي للحرية , فالطائر في السماء يمثل الحركة والإنطلاق المكاني , لكنه يظل محكوماً بالظروف الخارجية (( الطقس , الصيادين , الحدود الجغرافية )) , والصورة الثانية (( الحرية الحقيقية/ الروحية )) في عبارة (( الحرية هي أن تملك السماء كلها , داخل قفص صدرك الصغير)) وهذه هي الذروة في العبارة , عندما جمعت الشاعرة بين أضداد صارخة (( السماء بكل اتساعها- مقابل - قفص الصدر بكل صغره .

تقول بيتي ألفير إن القيود الخارجية (( التي يرمز لها الصدر/الجسد/السجن )) لا يمكنها استعباد إنسان إذا كانت روحه حرة , الحرية ليست مكاناً نذهب إليه , بل هي حالة ذهنية وروحية , عندما تمتلك (( السماء )) بداخلك , يصبح العالم الخارجي عاجزاً عن محاصرتك , وتلك هي حالة سيادة الروح على الجسد , وإذا عدنا للسياق التاريخي (( المقاومة بالكلمة )) فأن بيتي ألفير عاشت في إستونيا خلال فترات تقلب سياسي وقمع قاسي (( الاحتلال السوفيتي وغيره )) , حيث كان التعبير الخارجي والجسدي مقيداً بشدة , وفي مثل هذه البيئات , تصبح الكلمة والشعر والروح هي الملاذ الأخير , إن هذه المقولة ليست مجرد رومانسية حالمة , بل هي أداة صمود سياسي ونفسي , إنها إعلان بأن الطغاة قد يملكون الجسد , لكنهم لا يملكون الأفق الداخلي للإنسان.

خلاصة القول , العبارة تنقل الحرية من حيز (( الممارسة الفيزيائية )) إلى حيز (( الوجود الفلسفي )) , الجمالية الحركية تبدو عندما تبدأ المقولة بحركة واسعة (( طائر يطير )) ثم تنكمش فجأة نحو الداخل (( قفص الصدر )) , لكن هذا الانكماش هو في الواقع انفجار في المعنى , لأن الصدر الصغير بات يتسع لما هو أكبر من الكون (( السماء )) , ثم هناك إعادة تعريف الأسر , في الأستخدام البارع للشاعرة لكلمة (( قفص )) الصدر , قفص الصدر يحمي القلب , لكنه في نفس الوقت يشبه السجن , والمفارقة هنا أن هذا السجن العظمي الصغير يحتوي على اللانهائية (( السماء )) , إنها دعوة للتحرر من عبودية الظروف الخارجية , حين تخبرنا ألفير أنك حتى لو كنت في أضيق بقعة على الأرض , فإن اتساع رؤيتك وعمق روحك هو ما يحدد حريتك , وليس المساحة التي تتحرك فيها أقدامك.

يزخر تراثنا العربي والأسلامي بفلسفة (( الحرية الداخلية )) واتساع الروح رغم ضيق المكان , فالإنسان في المنظور التراثي ليس بجرمه الصغير , بل بالمدى الذي يفتحه قلبه وعقله , وإذا فتشنا في دفاتر التراث , نجد تجليات مدهشة تلتقي تماماً مع (( سماء )) بيتي ألفير المدفونة في الصدر , ولعل أبلغ ما يُحاكي هذه الصورة الشاعرية هو البيت الشهير المنسوب للإمام علي , والذي يختزل فلسفة الإنسان والكون : (( وَتَحْسَبُ أَنَّكَ جُرْمٌ صَغِيرٌ وَفِيكَ انْطَوَى العَالَمُ الأَكْبَرُ )) , فالصدر الصغير الذي تحدثت عنه ألفير , هو نفسه (( الجُرم الصغير )) في تراثنا , والذي يختزن بداخله (( العالم الأكبر )) بكل سمواته وأفلاكه.

في التراث الصوفي , ولسان حال أهل التصوف والزهد تتحول الحرية من (( الخروج من السجون )) إلى (( الخروج من أسر الشهوات والقيود المادية )) , وهناك مقولة شهيرة تُعد التطبيق الواقعي الحرفي لعبارة الشاعرة الإستونية , قالها احد الزهاد وهو خلف قضبان القلعة (( ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري , إن رحت فهي معي لا تفارقني , إنّ حبسي خلوة , وقتلي شهادة , وإخراجي من بلدي سياحة )) , وهذا هو امتلاك السماء داخل قفص الصدر , حيث يفقد السجن المادي قدرته على الأسر , ولما سُئل بشر الحافي يوماً (( ما الحرية؟ )) فقال (( الخروج من الدنيا إلى رَوحِ الآخرة , وأن لا تملك شيئاً ولا يملكك شيء )) , فالأسر الحقيقي في نظره هو التعلق بالخارج , والحرية هي الاكتفاء بالداخل.

أما في عيون الفلاسفة والشعراء , فهذا أبو العلاء المعري (( رهين المحبسين )) , رغم أنه سجن نفسه في بيته وعماه , إلا أن فضاء فكره كان أوسع من فضاء معاصريه , كان يرى الخلاص في البصيرة لا في البصر , وفي عتق العقل من الخرافة , عندما يقول (( وَلَمّا رَأَيتُ الجَهلَ في الناسِ فاشِياً تَجاهَلتُ حَتّى قيلَ إِنِّيَ جاهِلُ , فَيا عَجَبا كَم يَدَّعي الفَضلَ ناقِصٌ وَيا أَسَفا كَم يُظهِرُ النَقصَ فاضِلُ )) , لكنه في عزّ محبسه كان يملك سماءً من الأفكار جابت الآفاق , ويؤكد المتنبي أن العظمة والحرية والضيق والاتساع كلها تنبع من النفس لا من الأماكن (( اذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومٍ فَلا تَقنَع بِما دونَ النُجومِ , فَطَعمُ المَوتِ في أَمرٍ صَغيرٍ كَطَعمِ المَوتِ في أَمرٍ عَظيمِ )) , وهكذا فإن التراث العربي لم يرَ في السجن أو القيد المادي نهاية للمبدع , بل كان يرى دائماً أن (( ميدانكم الأول أنفسكم )) فإذا اتسعت النفس , ضاق الكون من حولها وارتفعت هي إلى سمائها الخاصة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قص ...
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .
- مقامة العرابيد والتشلبه: فلسفة قراءة في سايكولوجيا الواقع ال ...
- مقامة أفول الطوفان .
- مقامة بيوت خاوية : مرآة الوطن في ذاكرة فائزة الفدعم.


المزيد.....




- يعرض قريبا.. -خلي بالك من نفسك- أول فيلم يجمع بين ياسمين عبد ...
- كيف حوّل فنان ستيني رصيف مترو بالقاهرة إلى معرض مفتوح للرسم ...
- -بروفة يوم الحساب-.. مسرحية سورية حول العدالة الانتقالية رفع ...
- -إعلان بيروت العالمي-.. صرخة لإنقاذ ذاكرة جنوب لبنان من المح ...
- موسكو توسّع مهرجان -جادة المسرح- بعروض جديدة ومشاركة دولية
- رسول حمزاتوف... الشاعر الذي حمل داغستان إلى العالم
- غموض يلف حادثة بوشهر: تضارب الروايات يفتح الباب أمام فرضية - ...
- لماذا تُعد رواية -يفغيني أونيغين- لبوشكين -موسوعة الحياة الر ...
- مسؤول أميركي يدعي: ?واشنطن لا ?تزال ملتزمة ?بإيجاد ?حل مع إي ...
- الثقافة السورية تدعو الفنان فضل شاكر لزيارة دمشق تكريما لموا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث العربي .